الجمعة 7 من ذي القعدة 1439 هــ 20 يوليو 2018 السنة 142 العدد 48073

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تطبيق الشريعة الإسلامية (8)
مفهوم ولى الأمر فى التطبيق المعاصر

تُعَدُّ سلطة الحكم مسئولية جسيمة وسياسة حقيقية تكون بإرادة الأمة وثقة الشعب من أجل تحقيق مصالح الوطن، والمحافظة على نظامه العام وهويته، وهي توضع بيد فرد واحد، ويعاونه في تنفيذ مهامه وزراء ومؤسسات وهيئات على سبيل التفويض، ويطلق على هؤلاء «أولي الأمر». وهو مصطلح قرآني ورد في الآيات القرآنية الجامعة لمعاني السياسة الشرعيَّة؛ حيث قال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)[النساء: 59]، وأولو الأمر هم أصحابه والمختصون به، والأمر يطلق على ما يهتم به من الأحوال والشئون، ومن ثَّم يصح إطلاقه على كل صاحب ولاية سواء كانت سياسية أو شرعية أو اجتماعية، كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (صحيح البخاري)، والرَّاعي كما قال العلماء: هو من يُؤتَمَن ويلتزم بصلاح ما قام عليه، وما هو تحتَ نظره، وهو مُطالَب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه.

لكنه يطلق خاصة على أولي الأمر من القوم أو الأمة الذين تسند الأمة إليهم تدبير أحوالها وتيسير معايش أفرادها وشئونهم والمحافظة على هويتهم، ولذا اعتبر الشرع الشريف هؤلاء قادة الأمة وقدوتها، وأوجب طاعتهم على سبيل الامتثال خاصة، وفوضَّ لهم القيام بما يرونه محققًا لمصالح العباد وسدًّا لذريعة الفساد، فتَصَرُّفاتهم على الرعية مرتبطة بالمصلحة. ويحتل حاكم الدولة ورئيسها المركز الأساس في تلك الحقوق والإجراءات؛ لأنه يحظى وفق فقه السياسة الشرعيَّة بحقوق شرعية، بالإضافة إلى صلاحياته المقررة وفق النظام العام للمجتمع، وهي أيضًا أمور استقر عليها العمل حديثًا في غالب النظم الدستورية المعاصرة، مما يدعم سلطته التنفيذية للقيام بمسئوليته المركبة التي تتضمن استيفاء حقوقه والقيام برعاية شئون هذا الشعب وحفظ أمنه، كما تشمل المحاسبة على أي إخلال في ذلك وفق إطار محدد في الدستور والقانون.

وقد استفاد المسلمون في تجاربهم السياسية المعاصرة لتطبيق هذا المفهوم من التطوُّر المستمر في التجارب الإنسانية وفق الأولويات والمقاصد، فقاموا بالفصل بين السلطات سواء كانت صوره وأشكاله من قبيل الفصل المطلق أو المرن عن طريق تقسيم ثلاثي لوظائف الدولة ونظامها تضمن ثلاث سلطات: التشريعية والقضائية والتنفيذية، مع مراعاة تحقيق مبادئ ثلاثة، هي: المساواة المبنية على تقاسم السلطة، والاستقلال على مستوى الهيئات والوظائف، والتخصص بمعنى ممارسة كل هيئة وظيفة محددة. وهذا الترتيب لنظام الدولة وسلطاتها يشهد له عمل النبي صلى الله عليه وسلم وتصرفاته الشريفة في مجتمع المدينة المنورة؛ لأنها لم تكن على نمط واحد، بل جاءت حسب مقتضيات الواقع وأحوال الناس والعمران، وهو ما بينه الإمام القرافي المالكي (684هـ/ 1285م) في سمات هذه الوظائف وفَرَقَ بين كل وظيفة بفروق دقيقة في كتابه «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام». وتؤكد هذه المعاني مشروعية الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، كما تشير إلى محددات مفهوم «ولي الأمر» في التطبيق السياسي المعاصر، الذي يصدق على السلطات الثلاث لنظام الدولة الحديث، والتي تتقاسم فيما بينها قضية تطبيق الشريعة الإسلامية بحسب اختصاص كلٍّ منها، فتختص سلطة التشريع المكونة من مجلس النواب بسن القوانين والتشريعات، ويكملها عمل المحكمة الدستورية العليا، فالأولى من واجبها سن القوانين التي تكون الشريعة الإسلامية ومبادئها العامة مستندة إليها، باعتبارها مرجعية أساسية لها، وليست مخالفة أو متعارضة مع نص قطعي منها، والثانية يجب عليها مراقبة هذه التشريعات والقوانين، وإبطالها في حالة مخالفتها للنصوص الدستورية، أما الجهات القضائية فيتم الحكم في الدعاوى المنظورة أمامها بحسب العقيدة التى استقرت في وجدانها بحسب وجوه الاستدلال وفقا للقوانين، ثم يأتي دور السلطة التنفيذية لتطبيق القانون والأحكام القضائية وفق إجراءات مُحْكَمة.


لمزيد من مقالات د.شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
x