الخميس 6 من ذي القعدة 1439 هــ 19 يوليو 2018 السنة 142 العدد 48072

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تفوق الرؤية المصرية فى الأزمة الليبية

المتابع لتطورات المشهد فى ليبيا، يستطيع القول إن مصر اقتربت من الأزمة دون أجندات خفية. منذ البداية تقف مع أمن واستقرار هذا البلد الحيوي. رأت مبكرا أن الجيش الوطنى الليبى رمانة الميزان الصلبة. لم تنجرف وراء حرب عصابات أو ميليشيات. تعاملت بمسئولية مع المتشددين الإسلاميين وأدركت حجم خطورتهم. لم تفرق بين متطرفين ومؤدلجين.

عندما انجرفت بعض القوى وراء استرضاء هؤلاء، تمسكت مصر بأنهم جزء من الأزمة وليس وسيلة لحلها. وقفت دوائر خارجية تتفرج أو تدعم الإرهابيين، بينما أخذت القاهرة على عاتقها مهمة محاربتهم وفضحهم أمام العالم.

النتائج التى تحققت خلال الفترة الماضية، تؤكد أن هناك تحولات حدثت فى الأزمة الليبية، وجهودا مصرية بذلت لتتخلى بعض القوى عن التشبث بمقارباتها الفاشلة التى تعاملت مع ليبيا على أنها أزمة عادية، دون مراعاة لتوازنات القوي، وبتجاهل بالغ لمفتاح الحل الرئيسى المتمثل فى دعم وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

لم يكن من السهل أن تتغير رؤى بعض الجهات، ما لم يقترب أصحابها من فهم أبعاد الأزمة، ويخفق الضجيج الذى حدث من قبل بعض الأطراف الدولية فى وضعها على مسار صحيح. لم تكن الأصوات الزاعقة مثمرة، فمن أطلقوها نظروا للأزمة على أنها أشبه بنزهة سياسية، أو يمكن استرضاء هذا ومعاقبة ذاك وتتغير المعادلة بضغطة زر واحدة.

ما حدث فى ليبيا أثبت أن أزمتها أشد تعقيدا، بحكم طبائعها الأمنية والسياسية والاجتماعية، التى تحتاج لفهم خاص للتركيبة الداخلية وعلاقاتها المتشابكة. الشعب الليبى يصعب تصنيفه على أنه مشرقى أو مغربى أو حتى إفريقي، الهوي. بسيط للدرجة التى تغريك بسهولة إقناعه، وصعب للدرجة التى يستحيل معها تغيير قناعاته. هو باختصار مزيج من هذا وذاك. الأمر الذى فهمته مصر وتعاملت معه باقتدار، مكنها من معرفة مكامن القوة والضعف فى الأزمة.

غالبية التصورات التى قدمتها أطراف إقليمية ودولية، لم تلامس جوهر الأزمة، المتمثل فى خصوصيتها، مقارنة بأى أزمة أخرى فى المنطقة. مصر الوحيدة التى تدرك أبعادها. تعاملت معها بحنكة ومن منطلق الرغبة الصادقة فى تسويتها، قبل أن تتزايد تداعياتها. لم تسع للاستثمار فيها أو توظيفها، كما فعل غيرها.

هذه واحدة من نقاط فهم الأحداث التى أدت إلى مزيد من الانسداد. كلما تبنت الأمم المتحدة خطابا وجدت أمامها تلالا من العقبات. عندما سعت بعض القوى لطرح مبادرات سياسية حاصرتها أزمات من جهات مختلفة. حتى التلويح بتدخلات عسكرية لم يكن كافيا للبناء عليه والوصول لتسوية ناجحة.

التحولات التى ظهرت فى مواقف بعض القوى أخيرا، ليست هينة، لأنها مقدمة لتفاعل من نوع جديد مع أزمة تبدو مثل كرة اللهب. كل طرف يحاول أن يقذف بها فى وجه طرف آخر، وهو محكوم بتقديرات بعيدة تماما عن مصلحة الشعب الليبي.

مصر امتلكت فهما عمليا وفكرا رصينا. قامت بتحركات متعددة، وعلى مستويات أمنية ودبلوماسية متباينة، لوضع الأزمة على الطريق الصحيح. ضبطت بخشونة ونعومة معا بعض التوازنات المختلة. بدأت بعض القوى الدولية تقتنع بأهمية رؤيتها وتحرص على التنسيق والتعاون معها لتحريك المياه الراكدة.

كان البيان الذى أصدرته الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، الخميس الماضي، نقلة مهمة. كشف عن عمق التغير فى طريقة الإدارة. فبعد وقت من الشد والجذب بين باريس وروما على مناطق النفوذ، خرجت واشنطن عن ترددها، وشهرت ما يمكن وصفه بـ الفيتو، لأن التعامل مع الأزمة كاد يدخل مرحلة العبث، وكأن ليبيا لا تزال مستعمرة لهذه أو تلك.

قراءة مقدمات ومضامين البيان الرباعي، تشير إلى أننا أمام تغير يفتح المجال لتسوية سياسية جادة، لأن بعض القوى بدأت تعى ضرورة وضع الأمور فى نصابها، فى مقدمتها تثمين الدور الذى يلعبه الجيش الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر، فى ضبط الأمن والاستقرار، وهو ما شددت عليه القاهرة خلال السنوات الماضية.

الاعتراف بأن هناك توزيعا غير عادل للثروة بين الغرب والشرق يجب تصويبه، كان نقطة محورية. التسليم بأن طريقة إدارة المصرف المركزى لموارد الشعب الليبى غير منصفة. وهذا انتصار ستكون له نتائج سلبية على قدرة القوى المسلحة غير الشرعية فى الصمود الفترة المقبلة، بل والنظر بوضوح إلى أن الميليشيات الإسلامية تسببت فى حالة عدم التوتر السائدة.

كما أن عملية إجراء الانتخابات، واقتناع الأطراف الفاعلة أخيرا بتوفير الأجواء المناسبة لها، عملية فى غاية الأهمية. الميل ناحية تشكيل حكومة وطنية للإشراف عليها، سوف ينهى الاستقطاب الراهن، ويضاف إليها تمكين القوات المسلحة من التأمين وضمان تنفيذ النتائج.

بالطبع لم تكن القوى الكبرى الأربع، تغير مواقفها وتلتقى حول رؤية أقل ارتباكا، ما لم تكن متأكدة من أن تعاملها التقليدى يؤثر على مصالحها، ويفضى إلى مزيد من الانفلات والفوضي، ولن يصلح معه أى استرضاء أو مسكنات أو حتى ضغوط عسكرية.

لذلك بدأت تنظر للمسألة بقدر من الموضوعية، وتضاعف التنسيق مع مصر، بعد أن اكتشف مسئولون فى الدول الأربع أنهم خضعوا لفترة طويلة لرؤية مجموعة من الهواة لم يحسنوا قراءة الأوضاع فى ليبيا.

الخطاب الذى ألقاه غسان سلامة، مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، الاثنين الماضي، ينطوى على تغير لافت. الرجل أضحى أقل خيالا مما كان عليه منذ توليه إدارة الأزمة. بدأ يقترب من معرفة الأوزان النسبية لكل طرف، أو بمعنى أدق يتخلى قليلا عما كان يعتبره ضمن ثوابته الأساسية التى يصعب المساس بها. بدأ يشعر أن الولايات المتحدة غير راضية على توجهاته، بعد تعيين سفيرتها فى طرابلس استيفانى وليامز، نائبة له فى ليبيا.

ضبط المعادلات بدقة من أهم العوامل التى تقود إلى الاستقرار فى ليبيا. السعى لتضخيم دور بعض الأطراف لخدمة أهداف معينة لم يكن مجديا.

جماعة الإخوان التى تحولت إلى رأس حربة فى ليبيا، بدأت تظهر على حقيقتها، ومرجح أن يتغير تعامل بعض القوى معها، عقب تحولها إلى عبء جراء انخراطها الواسع فى دعم الميليشيات التى أصبحت مشكلة تبحث بعض القوى عن وسيلة لحلها، والتفكير فى فرض عقوبات على قياداتها التى تريد الهروب من المحاسبة. بالتالى فالانحياز لرؤية مصر سوف يكون مدخلا رئيسيا للاقتراب من حل الأزمة سياسيا.


لمزيد من مقالات ◀ محمد أبوالفضل

رابط دائم: