الجمعة 22 من شوال 1439 هــ 6 يوليو 2018 السنة 142 العدد 48059

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حرية السب وحرية التعبير

الخلط بين السب والقذف وحرية الرأى يسىء لمفهوم الحريات العامة، لكن للأسف هناك من يرى أن السباب جزء لا يتجزأ من حرية التعبير، ونظرة سريعة إلى بعض الكتابات على مواقع التواصل الاجتماعى نجد أن فريق الشتامين يحظى بإعجاب كثير من المحسوبين على المثقفين وأصحاب الرأي، فى الوقت الذى يلومون فيه تجاوزات بعض الإعلاميين وخروج لفظ غير لائق أحيانا، بينما يستخدمون أو يستحسنون استخدام أشد الألفاظ وقاحة وخدشا للحياء.. لماذا يسىء الشتامون إلى حرية الرأى والتعبير؟. الإجابة سهلة وبديهية فالشتائم سهلة حتى لأقل الناس وعيا بينما النقد والحوار يحتاج إلى معرفة واطلاع وقدرة على الإقناع، وعندما نفقد المنطق والدليل فإن اللجوء إلى الشتائم يصبح السبيل الوحيد.
اندهشت من الدفاع عن حرية السب والقذف فى معرض مناقشة القانون الجديد للصحافة والإعلام رغم أن القانون والدستور يجرمان السب والقذف ولا يمكن اختزال حرية التعبير فى الشتائم فهذا ينتقص من قيمة وقدسية حرية التعبير وينزل بها إلى مستوى انحطاط الشتائم ولهذا من الواجب على كل صحفى وصاحب رأى أن يسعى إلى الارتقاء بالخطاب الإعلامى والسياسي، ليعلى من شأن نفسه وشأن ما يعتقده ويدافع عنه وأن نحرص على نبذ الشتائم سواء فى وسائل الإعلام أو الشارع والبيت وأدوات التواصل الاجتماعى مثل الفيس بوك وتويتر، وليس عيبا معاقبة مرتكب جريمة السب والقذف وإنما العيب فى الدفاع عن استخدام الشتائم واعتبارها إحدى سمات حرية التعبير.

لقد لمست فى أثناء عملى النقابى الطويل وجود من يبحثون فى أى نص أو قرار عن ثغرة يمارسون من خلالها عملية التهييج ليظهروا أنفسهم وكأنهم المدافعون عن الحق والحقيقة بعضهم يفعل ذلك للأسف لإرضاء الشتامين والمزايدين، وهذه الفئة تسىء لما تدعى أنها تعتقده من رأى آخر، لأن أولى خطوات النجاح فى المعارض الجيد أن يتحلى بالمنطق السليم وأن يستخدم أسلوبا مهذبا وأن يرتقى بالناس ويكون نموذجا لحسن الخلق، وعندها سيكون موضع احترام الجميع سواء ممن يشاطرونه الرأى أو المختلفين معه، وقد وجدت الكثير من المعارضين يتحلون بهذه الأخلاق الرفيعة، والأسماء كثيرة فى نقابة الصحفيين وأحزاب المعارضة، لكن هذا النوع من المعارضة الأخلاقية ينزوى أمام الشتامين القادرين على رفع الصوت والتباهى باستخدام أحط الألفاظ.
وأعتقد أن الوقت قد حان لكى ننبذ هذه النماذج التى أساءت للمعارضين قبل أن تسىء إلى خصومهم. إن تجريم السب والقذف لا يحمى فقط من هم فى موقع المسئولية بل هو حماية للمعارضين أكثر من المؤيدين، فالمسئول الكبير سيجد من يدافع عنه سواء بالكتابة أو القانون أو باستخدام السلطة، لكن المعارضين قد لا يجدون وسيلة إعلام تدافع عنهم أو تنفى ما لحق بهم من اتهامات شائنة، ولهذا فإن تجريم السب والقذف يحمى الرأى المعارض أكثر مما يحمى الرأى المؤيد.
أعود إلى جوهر قانون الصحافة والإعلام، فأجد أن به الكثير جدا من المزايا منها ما كنت أسمعها ممن يعترضون الآن على القانون الجديد الذى جاء لتصويب تلك العيوب الخطيرة التى تسببت فى تدهور أوضاع المهنة وانهيار فى المؤسسات الصحفية والإعلامية حتى باتت عاجزة عن المنافسة والتأثير بل عن الاستمرار فى الصدور.
المستوى المهنى فى تراجع ملحوظ والالتزام بالقواعد والإنجاز والإجادة شبه مفقود إلا فى أعداد محدودة داخل كل صحيفة أو مؤسسة إعلامية، وهناك آلاف لا يحضرون أو لا يعملون ويحصلون ليس فقط على رواتبهم بل على مكافآت، بينما المجتهد لا يجد مقابلا لعطائه، ومعظم المؤسسات متخمة بأعداد هائلة ممن لا يعملون فهناك عمالة زائدة لا أجد دورا لها إلا فى عرقلة العمل بطرق شتى، كلنا يعرف ذلك ونشكو منه وكلنا نطالب بالإصلاح، لكن العجيب أن نجد من يشكون من تدهور أوضاع المؤسسات الصحفية والإعلامية يقفون ضد أى إصلاح بل يدافعون عن الأخطاء والتجاوزات.
 أحد المعترضين يرفض أن يتولى رئيس الهيئة الوطنية للصحافة رئاسة الجمعية العمومية للمؤسسات الصحفية بدلا من رئيس مجلس الإدارة والمفروض أن الجمعية العمومية تراجع الميزانية والحساب الختامى وخطط التطوير وأداء قيادات المؤسسات. فكيف يمكن لرئيس مجلس إدارة أن يكون بيده مراقبة ومحاسبة نفسه؟، وكيف ندعو للشفافية وفى الوقت نفسه تخفى التقارير عن الأوضاع المالية للمؤسسات الصحفية ولا تلزمها بإعلان تقرير مالى عن عائداتها. معظم المعارضين ينتقدون انفراد رؤساء المؤسسات الصحفية بالقرار دون رقيب أو حسيب ويصفونها بأنها تكايا وعندما يتيح القانون الجديد مراقبة ومحاسبة رؤساء المؤسسات الصحفية ويمنح الجمعيات العمومية صلاحيات أوسع ويفصل بين الإدارة والتحرير وجدتهم يعترضون ويعتبرونه تدخلا فى حرية رؤساء المؤسسات الصحفية، بل وجدت من كانوا ينتقدون لجنة مجلس الشورى السابق وانفرادها بتعيين رؤساء المؤسسات، يمتدحون مجلس الشورى والوزير الذى كان بيده وحده تعيين أو تغيير رؤساء المؤسسات الصحفية والإعلامية.
إذا أردنا إصلاحا حقيقيا وجذريا لمؤسساتنا الصحفية والإعلامية فعلينا أولا أن نتحلى بالقدرة على الحوار الهادئ والرصين وأن نضع أيدينا على مكامن الخلل وأن نحاول معا إصلاحها خصوصا أن القانون الجديد به الكثير جدا من المزايا منها أنه يحمى الصحفيين والإعلاميين ويمنع التعدى عليهم فى أثناء أو بسبب عملهم ولا يوجد فيه أى نص يبيح الحبس الاحتياطى للصحفيين ويتيح له حق استقاء المعلومات ويضع ضوابط على الإصدارات الجديدة تحمى حقوق الصحفيين بعد أن تفشت حالات فصل الصحفيين فى الإصدارات الجديدة، وغيرها من المزايا.
وهذا لا يعنى عدم وجود مثالب أو تفسيرات متباينة لبعض النصوص التى تحتاج إلى توضيح، والوقت مازال متاحا أمام مناقشة تلك البنود لتبديد أى مخاوف على أن يتحلى الجميع بروح المسئولية، لنكون قادرين على تصويب الأوضاع الصعبة التى تمر بها المؤسسات الصحفية والإعلامية، والتى ظلت مشكلاتها تتراكم وتتفاقم حتى أصبحت فى حالة كارثية، تحتاج إلى أن نتعاون جميعا من أجل إنقاذها وتصويب مسارها، لتكون بحق سلطة رابعة لها مكانتها وهيبتها وصوتها المسموع.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة