الجمعة 23 من جمادي الأولى 1439 هــ 9 فبراير 2018 السنة 142 العدد 47912

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

(24) من نواقض الإسلام: (الشرك)

يطالب الإسلامُ الناسَ فى أول أوامره باعتقاد وجود الله تعالى ووحدانيته وبالتصديق بكتبه ورسله خاصة بصدق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بالغيب مع إظهار ما يدلُّ على حصول هذا الاعتقاد فى قلب المؤمن فى غالب الأحوال، وذلك أصل راسخ يثمر صلاح الدنيا والآخرة، وإعلانه والتصديق به جرى عليه الأنبياء والمرسلون كما فى قولِه تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)[الأنبياء:25]. و”الشِّرْك” مصدر شركه فى كذا، وهو هنا أى جعل لله شركة، والشركة تقتضى شريكًا، ويضبط فى الاصطلاح بأنه تعظيم غير الله على الوجه الذى لا ينبغى إلا أن يكون لله، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)[الزمر:3]. ويظهر من ذلك الحد الفاصل بين أهل السعادة وبين أهل الشقاء وهو مما لا يقبل التفاوت، ولا خلاف على هذه المعانى بين جمهور الأمة سلفا وخلفا مع حصره فى نطاقها وموضوعها دون ربط هذا المصطلح بأبعاد خارجة عنه وفق أطر ضيقة موكولة إلى القضاء، ورغم هذا الانضباط من قِبل الأمة وأئمتها فى النظرية والتطبيق فى تناول هذا المفهوم عبر القرون نرى أن أهل التطرف وأصحاب التشدد يتخذون منه ركيزة أساسية فى تثبيت أفكارهم المنحرفة، ومرتكزًا خطيرًا للسطو على مكتسبات الأمة والاستحواذ على مقدرات بلادها، وتخدير مجتمعاتها وتسطيح ثقافة أفرادها.

وكل هذا حاصل، فقد بثُّوا فى أدبياتهم الفكرية كلامًا مبهمًا مجملا، يستطيع أى أحد أن يفهمه كيفما يشاء ليبنى نموذجًا افتراضيًّا فى خياله لتصنيف الناس، ثم الغلو فيتناول هذه المعانى وتضمينها أمورًا سياسية ومقاصد حزبية من أجل استقطاب العامة وإضفاء المشروعية لأعمالهم الإجرامية. ويشير هذا الخلل الظاهر على جذور انتشار مقولات التكفير وأشباهها فى الأمة، ويفسر سبب التفرق والتمزق والضعف الذى أصابها فى عقودها الأخيرة، ويكشف عن منطلقات استخدام بعض أبنائها للعنف والعمليات التخريبية من أجل تنفيذ أهدافهم الفاسدة، ويؤكد انحراف مناهجهم وانتهاجه منهجًا موازيًا لمقررات الأمة، حيث أدخلوا ما ليس من “الشرك” فيه؛ فقد ساووا بين عُبَّاد الأصنام وبين زائرى قبور الأولياء والموتى، وأدرجوا تحت “الشرك” توسعًا: توسل المسلم وتبركه بالأنبياء والصالحين، وهذه أمور ينقصها الدقة وملامسة الواقع شرعًا وعملًا؛ فزيارة عموم الموتى أمر مشروع شرعًا، كما أن مدار صحة طلب الغوث ممن يُستَغاث به على جهة التسبب لا الخلق والإيجاد الذاتيين، لأن المخلوق- حيًّا كان أو ميتًا، حاضرًا أو غائبًا - لا يقدر على فعل شيء أصلا إلا بأقدار الله تعالى، ولا يعدو هذا الأمر إلا أن يكون على سبيل المجاز فى التعبير، والقرينة الصارفة هي: التوحيد. أما الترجى أو تأكيد الكلام بالنبى صلى الله عليه وسلم أو بغيره مما لا يُقْصَد به حقيقةُ الحلف فغير داخل فى الشرك بحال، بل هو أمر جائز لا حرج فيه حيث ورد فى النصوص الشرعيَّة كثيرًا كقوله صلى الله عليه وسلم فى الرجل الذى سأله عن الإسلام، وفى آخره: “أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ” أَوْ “دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ”(صحيح مسلم). وتؤكد جملة هذه المعانى على تَسَتُّرُ أهل التطرف وتيارات التشدد وراء قضية التوحيد للتفتيش فى عقائد الأمة واتخاذ ذلك ذريعة لاتهام عامتها بالشرك والكفر إلا من كان على مثل فكرهم ومشربهم الفاسد، مع نسبة كل هذه الأفهام المغلوطة إلى السلف وعقائدهم، فضلا عن الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الذى قال: “من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذى له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله فى ذمته”.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة