الجمعة 16 من جمادي الأولى 1439 هــ 2 فبراير 2018 السنة 142 العدد 47905

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الخلل فى المفاهيم (23) نواقض الإسلام

تموج حياة الأمة الإسلاميَّة والإنسانية مجددًا بمقولات التكفير ومظاهر الكراهية والإقصاء على أساس الدين والعقيدة على خلاف ما قرَّره الإسلام من وجوب حمل كلام الناس على أحسن المحامل خاصة إذا تعلق بأمر خطير كالكفر ومفارقة الملة، لأنه لا يزول اليقين بشك أو بتخمين لا فى الأصول ولا فى الفروع مطلقًا.

وهذا فهم صحيح ومسار حكيم قرَّره جمهور علماء الأمة وأئمتها الأكابر، لكن أهل التطرف اتخذوا من قضية التوحيد ذريعة لتفريق وحدة الأمة وتهديد استقرارها، بل جعلوها مرتكزًا فكريًّا وحركيًّا للتمايز عنها بعد تضمينها بمضامين سياسية من أجل تبرير محاولات السطو على السلطة السياسية، خلافًا لجمهور الأمة الذين حصروا مباحث العقيدة وأحكامها فى نطاقها وموضوعها مجردة.

ويؤكد هذا الخلل فى تناول هذه القضية وفق المفاهيم الشرعيَّة المستقرة والضابطة لهوية الأمة عبر العصور على سمات الغلو والتطرف وعلى مظاهر النزعة الإقصائية المختزنة لدى هذه الجماعات، والتى ينطلقون منها فى تطوير الأفكار المنحرفة وتحديث مقولات الخوارج القديمة فى اصطلاح مبتكر تحت مسمى «نواقض الإسلام» أو «نواقض الإيمان»، حيث يسردون تحته عشرة بنود يزعمون أنها ميزان شرعى دقيقً فى قياس مدى التزام المسلم بدينه، وقد ورد وصفها بذلك فى كلام بعضهم بأنها: «أشياء تخرج المسلم من دائرة الإسلام، وتحكم عليه - إذا ارتكبها - بأنه مرتد عن ملة التوحيد».

ومن أهم هذه البنود: «الشرك فى العبادة»، و«التوسل»، و«موالاة غير المسلمين»، و«السحر»، و«من لم يُكَفِّر المشركين أو شك فى كفرهم أو صحح مذهبهم»، و«التحاكم إلى القوانين الوضعية»، و«الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به»، و«الاستهزاء بالله ورسوله وبالأحكام الشرعيَّة»، ويجد المتأمل فيها أنها عبارة عن أحكام مطلقة ذات طبيعة جدلية؛ وأن أحكامهم المبنية على هذه النواقض هى بمثابة الدعاوى الفاسدة التى يستدلون لها بآيات أنزلها الله تعالى فى المشركين ويجعلونها فى المسلمين كشأن سلفهم الخوارج، بل ويبررون ذلك بنقولات عن العلماء لها ملابساتها الخاصة مع عدم ضبط مدلولات ألفاظهم وفهمها فهمًا صحيحًا.

كما نلاحظ أن تناول هؤلاء لهذه البنود المجملة كأمور عقدية مقررة تناولا عامًّا فيما بينهم رغم تنوعهم، يكشف عن الجذور الكامنة لدى هذه التنظيمات الخبيثة، بل إنه ليؤكد المعالم المركزية والرؤية المشتركة لأهداف وجودهم بين الأمة وسمات التغلغل فى مجتمعاتها، ولذلك نرى كل تنظيم منهم لا تخلو مرتكزاته الفكرية والحركية من الاستناد إلى هذه العبارات المطاطة مع شرحها وفق المناهج الانتقائية والتوسع فى ضم غيرها إليها فى تكفير الأمة باللوازم وبأدنى شبهة مع إطلاق أوصاف «الجاهلية»،«وغربة الدين وانعزاله عن المجتمعات المسلمة» كسلاح مشهر فى وجه الأمة أفرادًا وحكامًا ووسيلة للتخلص من المعارضين بزعم إعراضهم عن الدين، وتلبسهم بـ «نواقض الإيمان»!

وبذلك أدى هذا الخلل فى تناول المفاهيم الشرعيَّة واختزال معانيها الراقية والمنضبطة إلى مفاسد جسيمة تهدد الاستقرار والحضارة، مع ابتناء أحكام خطيرة تشوه صورة الدين الحنيف؛ كحرمة مشاركة المسلم للآخر فى مناسباته، وترسيخ ثقافة الكراهية للذات لا للصفات، بدلا عن التلطف والرحمة والتعايش والإقرار بسنة التنوع.

وتكشف هذه المعانى عن مدى انحراف مناهج أهل التطرف وتؤكد المعالم المشتركة الجامعة بينهم، والتى تحملهم على توليد المصطلحات واختزال المفاهيم ليتخذوها مدخلًا لترويج ثقافة التكفير، وتشجيع العامة على الانغماس فى الحكم على الغير والكراهية لذات الآخر والتفتيش فى بواطنهم، فضلا عن توسعهم فى هذه الدائرة من خلال إدخال أمور إن عُدَّتْ من الكبائر فلا توجب الكفر، وهو تجرؤ مذموم على مجال شائك جدًّا حذَّر النبى صلى الله عليه وسلم منه بصورة قاطعة فقال: (أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ)[متفقٌ عليه].


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: