الجمعة 26 من ربيع الأول 1439 هــ 15 ديسمبر 2017 السنة 142 العدد 47856

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نحو مجتمع آمن مستقر الـفتنــة

أقام الله تعالى خلقه بين مَنْح النعم والفضل حسيًّا ومعنويًّا وبين نزول البلاء والتعرض للامتحانات وفق سنة حكيمة تميز واقعًا بين الطيب الذى يتخذ – ما استطاع سبيلًا - من ذلك وسيلة للتعلق بالقيوم وتوظيف ما منحه تعالى من طاقات ومواهب فى البناء والعمران، وبين الخبيث الذى يجعل من ذلك وسيلة لتعميق الشر وزرع الفتن، قال تعالي: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)[الأنبياء: 35].

ولا انفكاك للإنسانية أفرادًا وأممًا ودولًا وحضارات من التعرض للفتن فى كل وقت وعصر، لمجالاتها المتنوعة والمتداخلة. ومفهوم الفتنة يشمل معانى الامتحان والابتلاء، وسمات الصد عن الطريق الواضح، ووسائل الإغواء والضلال، وطرق التشكيك والتلبيس وإثارة الشبهات، ومظاهر الفرقة والتشرذم والاختلاف.

ويكشف هذا المفهوم بمحدداته وسماته عن مناهج أهل التطرف وتيارات التشدد التى ينطلقون منها فى الوصول إلى تأسيس ما تحصل به الفتنة فى الأمة وتفريق كلمتها، تحقيقًا لأهدافهم الخبيثة، فمن حيث المظهر والشكل نلاحظ فرقًا شاسعًا بين حلاوة المنطق وبين مرارة العمل، فلم نجد قومًا أشد فتكًا بالمسلمين قبل غيرهم من هؤلاء، رغم أنهم تبدو عليهم صفات التعبد من قراءة دائمة للقرآن الكريم وكثرة للصوم والصلاة!

ومن حيث المنهج يحرصون على إثارة الشبهات والإشكالات على الأمور الواضحة وبث بذور الفرقة بين الأمة والمجتمعات تحت دعاوى مغرضة وهواجس فاسدة تشوه أئمة المسلمين وتنعتهم بالكفر والضلال، بل تنعت الأمة بأنهم اتخذوا أئمتهم وأعلامهم أربابًا من دون الله، مما شوش على المذاهب العلمية الممتدة والمؤسسات التعليمية الكبري، ونال من وحدة الأمة وتماسكها وهدد استقرارها وقطع اتصال العلوم فيما بين أجيالها المتعاقبة، كما أنهم ضيقوا على الأمة أمرها الدنيوى والدينى على حد سواء، انطلاقًا من أنهم يعيشون مسائل غير زمانهم بظروفها وملابساتها مع الاعتقاد بأن ما عندهم هو الحق الذى لا خلاف عليه، وأن ما لدى غيرهم هو الباطل الذى لا مرية فيه.

ولا ريب أنهم ينطلقون من دوافع سياسية ومصلحية وأحيانًا نفسية لترسيخ كراهية الآخر من غيرهم من خلال نشر شائعات الافتراء واختلاق الأكاذيب التى يحيط بموضوعها الغموض وعدم الشفافية، واختيار شعارات لامعة ذات طابعٍ يُثير الفتنة ويُحْدِث البلبلة فضلا عن مراعاة الأمور التى تغير مسار الرأى العام بسرعة خاصة فى أوقات الأزمات من أجل تهييج المسلمين خاصة الشباب والعامة على القتل والدمار والتخريب تحت زعم نصرة الإسلام وتمكين المستضعفين وإزالة الظلم.

ثم إنهم بعد شيوع القتل وانتشار الدمار والخراب فى عموم البلاد يقولون إننا فى عصر الفتن وكثرة الهرج (القتل)، لكسب استعطاف العامة مع ترديد النصوص الشرعيَّة التى تظهر علامات الفتن ومظاهر أشخاصها وتفريغها من سياقاتها ومواردها حتى تدعم اتجاهاتهم وتناسب أهواءهم وتشددهم، حتى رأينا الجرأة على الكلام فى دين الله بغير علم، وبناء الأحكام الخطيرة على مقدمات فاسدة أو على كلام مجمل غير مفهوم، مع إساءة الظن بالناس، وتأسيس ما يبيح الدماء المصونة المعصومة بيقين، ويكدر الأمن العام ويعتدى على السلام الاجتماعي.

وبذلك يظهر أن الخلل فى تناول مفهوم الفتنة وعدم مراعاة محدداته وسماته كان سببًا فى وقوع أهل التطرف والتشدد فى فعل الجرائم الوحشية والاستزادة من الأعمال الخبيثة كالتفجير والتدمير والقتل واستحلال المحرمات ونشر الفوضي، رغم بيان الشرع الشريف لسِمَات المعالجة الحكيمة عند حدوث الفتن ووقوع الأزمات، حيث ورد قوله صلى الله عليه وسلم:”ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشى فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به”، (متفقٌ عليه)، وفيه بيان قاطع لخطر الفتن وحثّ على تجنبها والهرب منها، مع الحرص على تعمق الوعى وشدة الحذر ودوام اليقظة والاصطفاف حول الدولة ومؤسساتها مع اجتماع الكلمة.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
x