الجمعة 21 من صفر 1439 هــ 10 نوفمبر 2017 السنة 142 العدد 47821

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الخلل فى تناول المفاهيم
تقسيم الديار

مفتى الجمهورية

فى حقبة تاريخية معينة تناول فقهاء المسلمين وفق العلاقات القانونية الدولية السائدة فى هذا الوقت، تقسيم العالم إلى دار يحكمها المسلمون ودار يحكمها غيرهم. والمراد بالدار: المكان الذى يستوطنه مجموعة من الناس تحت قيادة معينة، وهذا التقسيم لدى فقهاء المسلمين القدامى مبناه على تمييز البلاد التى تكون فيها السيادة للإسلام والمسلمين بأن تجرى فيها أحكام الإسلام ويمكَّن المسلم فيها من ممارسة شعائره بحرية ويأمن فيها على نفسه وماله وولده، عن البلاد التى تقصد المسلمين بالكراهية والعداء؛ فالأولى كانوا يطلقون عليها “دار إسلام”، والثانية “دار كفر”، أو “أرض الشرك”.

ويظهر من ذلك أن الباعث على هذا التقسيم هو استكشاف الفروق والتمايز بين الأحكام الشرعية المستقرة والأحكام الشرعية الاستثنائية من حيث المكان المستهدف إقامة هذه الأحكام فيه، وليس الهدف أن يبحثوا فى الهوية العقائدية وطبيعة العلاقة البينية بين الدارين؛ لأن المسلمين ينطلقون من قطعيات الإسلام التى قررت أن العلاقة مع غير المسلمين تقوم على التعايش والتعاون، وأن الأصل فيها هو الدعوة بالحسنى، وما دون ذلك يُعَدُّ أحوالًا عارضة لها ظروفها وملابساتها.

وقد أصبحنا فى واقعنا المعاصر فى حالة سياسية مختلفة عن هذه الصورة التاريخية القديمة للعلاقات بين الدول، حيث يُوجَد نظام عالمى منضبط -فى الجملة- يقوم على تنظيم العلاقات بين الدول على أساس السلام وحفظ الأمن وتحقيق المصالح والاستقرار والعدالة والسعى إلى التنمية والمشاركة الحضارية وفق الحقوق والواجبات المتبادلة، والتى يضمن من خلالها كل إنسان أمنه واستقراره وتتحقق حمايته نفسًا ونسلا وتحترم حريته الدينية وملكيته الخاصة.

هذا التحول الاجتماعى والسياسى جعل مفهوم “اختلاف الدارين” أو “تقسيم الديار” الموجود لدى قدامى الفقهاء تقسيمًا زمنيًّا تراثيًّا، له سياقاته التاريخية الخاصة حينئذٍ، فلم يكن مطلوبًا لذاته شرعًا، رغم ورود أدلة من السنة النبوية ووقائع فى السيرة العطرة تشهد لأصل التقسيم، لكنها تتعلق ببيان كيفية التعامل مع هذه الظروف التاريخية ومع الواقع الموجود تبعا للحالة السائدة وقتئذٍ، ومن ثَمَّ كانت الهجرة واجبة على المسلم الذى لا يجد الأمان ولا الإيواء ولا يستطيع ممارسة واجباته وحريته من مكانه إلى مكان تتحقق له فيه هذه المقاصد والأهداف.

ومع ذلك اختزل أهل التطرف وجماعات العنف والإرهاب هذا المفهوم لإعطاء المشروعية لأعمالهم التخريبية والإجرامية فى الداخل والخارج، اجترارًا لمسائل الماضى دون وعى بالنصوص الشرعيَّة ولا بالتصور الفقهى فضلا عن مراعاة الواقع، وافتئاتًا على الدولة وحقوقها، وإشاعة للتكفير والتفجير فى أفراد الأمة الإسلامية قبل غيرها.

لقد حولوا هذا المفهوم بناء على رؤيتهم الضيقة وانطلاقا من سعيهم إلى الحكم والسياسة إلى مبدأ عقدى ونموذج افتراضى يحاكمون عليه الدول والشعوب وفق الأسس الفكرية والحركية لدى هؤلاء، ووفق مواقف هذه الدول وتلك الأفراد بالقبول أو بالرفض من مواقفهم واختياراتهم، حتى طالت هذه الأحكام الأمة الإسلامية نفسها فباتت مقسمة إلى إسلام وكفر، وإيمان وشرك، ومن ثَمَّ أصبح هذا المفهوم أداة لترسيخ الفرقة والتشرذم بين وحدة الأمة، بل والحكم على أفرادها بالإقصاء والمحاربة ما دامت بلادهم – حسب زعمهم الفاسد - “دار كفر وردة” حُكْمًا!

والخلاصة: أن هذا المصطلح مصطلح تاريخى انطلق منه فقهاء المسلمين لاستكشاف الفروق والتمايز بين الأحكام الشرعية المستقرة والأحكام الشرعية الاستثنائية، والتى يتمكن من خلالها المسلم من المحافظة على نفسه ودينه وماله وذريته من جهة، وليتحقق انسجام الجاليات والأقليات مع مجتمعاتهم من غير ذوبان للهوية ومن غير صدام من جهة أخرى، امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم:”البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرا فأقم”.

لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة