الجمعة 14 من صفر 1439 هــ 3 نوفمبر 2017 السنة 142 العدد 47814

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الخلل فى تناول المفاهيم الطائفة المنصورة

حفظ الله تعالى مصادر دينه الإسلام من الزيادة والنقصان وفق نظام محكم بديع مُعْجِز، بأن يسر سبحانه نقلها عن طريق التواتر بين الأجيال، حتى استقرت هذه المصادر بين الأمة بالقبول والعمل، كما حفظ الله تعالى أمة هذا الدين خاصة أمة الإجابة ماديًّا من الاستئصال، وحفظها معنويًّا باستمرار اتصال سلسلة ما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام عبر طائفة منها بلغتْ أعدادًا تستعصى العد والحصر فى كل بلد من بلاد المعمورة عبر العصور والطبقات، فلم ينقطع وجودها أبدًا، ولم تقبل بالانقسام من أجل المحافظة على وجودها وحراسة حدود الشرع وإقامة مظاهره وشعائره؛ مصداقًا لما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: «يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (السنن الكبرى للبيهقي/ 20911)، وتحمل هذه المعانى سمات الطريق القويم الذى ينطلق منه المسلمون فى استمداد المشروعية فى أى زمان أو مكان لتحقيق الانتساب لله ورسوله، هذا مع الأخذ فى الاعتبار التوجيه النبوى وشهادته بالعصمة لمجموع الأمة لا أفرادها بعدم الاجتماع على ضلالة. وبذلك تتحدد معالم وترسم سمات «الطائفة المنصورة» الواردة فى الأدلة الشرعية من خلال طريق واضح ومتوارث عبر الأجيال، وتقوم عليه مدارس ومؤسسات علمية كبرى فى مختلف بلاد المسلمين وعلى رأسها الأزهر الشريف، ورغم ذلك ظهرت تيارات متطرفة جمعت بعض الآراء الشاذة والمواقف الفردية وحصرتها فى رأى واحد، ثم حاكمت سواد الأمة على ذلك، مع الاجتهاد والحرص على تسويق هذه المفاهيم بعد تبنيها على أنها هى التى تعبر عن «الفرقة الناجية»!

هذا الخلل الواضح فى تناول مفهوم «الطائفة المنصورة» الوارد فى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال طائفة من أمتى على الحق منصورين، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتى أمر الله عز وجل» (سنن ابن ماجه/ 10 وأصله فى الصحيح)، يكشف مدى اختزال جماعات التطرف واحتلالها لهذا المفهوم، وذلك يظهر من ادعائهم للمظلومية طوال الوقت، وتكرار الزعم بأن الدين ومعالمه فى «غُربة» وهذا شأن «أهل الحق» -ويقصدون به أنفسهم-، مع تقرير فاسد يريدون من خلاله إثبات أنهم «حلقة من حلقات هذه الطائفة (طائفة الحق والجهاد)» إلى آخر ما يروِّجون به لبدعتهم الخبيثة !

ولا ريب أنه عند التأمل تظهر بوضوح معالم الطائفة المنصورة فى الصفات والأمكنة والأزمنة على اختلاف غير مؤثر فى درجات الظهور؛ فـإن الجهاد فى واقع المسلمين اليوم وبلادهم فى العصر الحديث منظَّم غير معطَّل، ومفهوم «الطائفة المنصورة» غير منحصر فى القتال وإعلان الحروب، لأنه يصح أن يشمل المجددين المشار إليهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (سنن أبى داود/ 4291)، سواء تمثلوا فى فرد أو هيئة أو مجمع أو مدرسة.

ثم إن تفسير العلماء لمعنى «الطائفة المنصورة» يتلخص فى تحديد معالمها من حيث المنهج الاستدلالى وحجية الأدلة على الطريقة التى جرى عليها عمل أهل القرون الثلاثة الأولي؛ فحمله الإمام أحمد على «أهل الحديث» والمراد منه: أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث، وحمله الإمام البخارى على «أهل العلم»، لكن الإمام النووى وسع معانيه فى شرح صحيح مسلم حتى شمل جميع فئات وتخصصات الأمة المحمدية بل ومؤسسات الدولة الحديثة بالصورة الحاصلة فى الواقع خاصة ما دام كلٌّ فى مجاله يقوم بأداء حقوق الله وحقوق العباد على قدر الجهد والطاقة البشرية. إن هذا الحديث يقطع على هؤلاء الطريق ببيان أوصاف «الطائفة المنصورة» ويكشف عن تطرفهم وتكلفهم فى حمل النصوص الشرعيَّة على هواهم وتفسيرها وفق مصالحهم، فضلا عن كونه يحمل دلالات لمعجزة ظاهرة للنبى صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه الأوصاف متحققة -والحمد لله - فى الأمة المحمدية وحتى قيام الساعة.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة