الجمعة 15 من شعبان 1438 هــ 12 مايو 2017 السنة 141 العدد 47639

رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الخلل فى المفاهيم: (2) الحاكمية

يحرص أهل التطرف على استخدام بعض المفاهيم خاصة السياسية منها في عملية تحريض الأمة وحشد طاقاتها سواء الفكرية أو الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية

من أجل الوثوب إلى السلطة واكتساب مظاهرها. ولعل أبرز هذه المفاهيم في ذلك مفهوم «الحاكمية»، بما يمثله من أهمية كبيرة يمكن من خلاله تحريك جماهير الأمة من أجل ترسيخ أن أنظمة الحكم لدى المسلمين أنظمة جاهلية لا تستحق السلطة، ويدَّعون أنهم أولى بالسلطة من هذه الأنظمة وأحق بها وأهلها، ثم يغالون في تبرير تطلعاتهم هذه بتهييج العامة على أولي الأمر أشخاصا ومؤسسات في بلاد المسلمين بزعمهم الفاسد أنهم يمثلون الطاغوت، مرتبين على ذلك أحكاما كحرمة التعامل معهم، أو معاونتهم، وأنه يجب الفرار من الخدمة في الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة.

والحاكمية مصدر صناعي مأخوذ من الجذر اللغوي لمادة «حكم»، والتي تتلخص معانيها الثرية في ما كان مقصده تحقيق الإصلاح ومنع الفساد، وفي الاصطلاح تتسع معانيه، فيدل على الحلال والحرام في الأمور التعبدية، والقضاء والفصل في الخصومات وإزالة أوجه الخلاف بين الناس عند التنازع. ويؤخذ من ذلك أن الحاكمية يمكن تقسيمها إلى نوعين: الأول: السنن الإلهية التي يسير على نظامها الكون، ويمكن تسميته بـ«الحاكمية الكونية» وهذه لا دخل للإنسان فيها إلا من قبيل السبب والمسبب، والثاني: التشريعية التي تضبط مراعاتها حركة المكلفين، ونلاحظ في النوع الثاني أن الشرع الشريف قد رسخ قواعده الكلية، مع توجيه العلماء وأهل الاجتهاد والنظر لفحص المسائل الجزئية في إطار هذه القواعد والمبادئ. وهذا واضح وجلي في تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم وقراراته بعد هجرته إلى المدينة المنورة حين ظهرت معالم الدولة فيها بوجود الإدارة المنظمة التي يخضع لها الناس، وقد كان صلى الله عليه وسلم هو المرجعية لتلك السلطة؛ بما آتاه الله من الوحي، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، [النحل: 44]، ولم تكن هذه الإدارة على نمط واحد، بل جاءت حسب تنوع الاختصاصات والصلاحيات ومراعاة مقتضيات الواقع وأحوال الناس. ثم جرت الأمة على احترام الاستحقاقات التشريعية المقررة منذ الزمن الأول والتي تبرز أن المرجعية التشريعية للدولة يمارسها علماء متخصصون، لكنهم غير مفوضين من الله تعالى أو يمارسون أعمالهم باسم الإله ولا نيابة عنه، وهم يدورون في اجتهادهم وفق القواعد الشرعيَّة، مع العناية بتربية الملكات وتوجيه العلماء نحو الاجتهاد في المسائل والمستجدات على قدر الطاقة البشرية مع قطع أسباب التعصب المذهبي؛ لأن المقصود بالصواب هو صواب العمل الذي يصلح لتأسيس التصرفات عليه، لا صواب مضمون الحكم باعتبار ما عند الله تعالى؛ فإنه أمر عسير جدًّا. هذه الحقيقة نظريًّا وعمليًّا تقطع الطريق على من يتناول مفهوم «الحاكمية» عند المسلمين بأنه يرسخ ما يُمكن تسميته بـ«الدولة الدينية»، والتي يكون فيها رأس الدولة مدعيًّا الإلوهية أو بعض صفاتها، أو يزعم أنه مختار من الله تعالى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كما أنه يكشف خلل الفهم وفساد التطبيق عند أهل التطرف في سبيل الوصول إلى السلطة. وما كان ذلك إلا لتوسعهم في مفهوم الحاكمية وخلطهم بين الحكم الكوني الذي لا يكون إلا لله تعالى وبين الحكم السياسي والتشريعي القائم على استخلاف الله تعالى للبشر؛ للقيام بجلب المصالح ودفع المفاسد من خلال الاجتهاد على قدر الطاقة البشرية. وفي ذلك كشف لخداعهم الأمة وتحريضهم ضد أولي الأمر في بلاد المسلمين وزيادة الانقسام بين الصفوف لمجرد أوهام وتخيلات بأن الأمة وأولي أمرها قد خانوا العهود وضيعوا قضاياها، ثم إنهم لا يألون جهدًا في نسف حضارة المسلمين وزعزعة استقرار بلادهم ولمز قوانينهم وتسفيه أوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بزعم أنها أوضاع غير إسلامية، ولا يخفى أن ذلك ناتج عن فهمهم المغلوط لهذا المفهوم .

لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة