الخميس 30 من ربيع الأول 1438 هــ 29 ديسمبر 2016 السنة 141 العدد 47505

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أنا والعدوان الثلاثى... فى بورسعيد

فى صباح يوم 29أكتوبر 1956 وأنا طفل صغير أنظر من شرفة منزلنا فى بورسعيد رأيت الطائرات البريطانية والفرنسية تقصف بلدتنا الجميلة، وفجأة رأيت جنود المظلات تهبط فى منطقة مطار الجميل وهرولت لأبى صارخاً «انظر إلى هذه المظلات إنها كتلك التى نراها فى السينما» وما إن رآها والدي، حتى حول مؤشر الراديو إلى محطة الإذاعة البريطانية من لندن، لنسمعها تبث رسائل لشعب بورسعيد، بالابتعاد عن مناطق محددة حيث سيتم قصفها، وتهيب بشعب بورسعيد اللجوء إلى المخابئ.



فى نفس الوقت، سمعنا عبر مكبرات الصوت، على سيارة تجوب شوارع المدينة، أن عبدالناصر أرسل عربات لتوزيع السلاح على أفراد المقاومة الشعبية ونزلنا جميعاً إلى «الجربين» وهو البدروم ـ كما يطلق عليه أهالى بورسعيد ـ وجاءتنا الأخبار، بنجاح أبناء بورسعيد فى القضاء على الموجة الأولى من المظليين الإنجليز فى منطقة مطار الجميل وكوبرى الرسوة.

واستمر هجوم القوات البريطانية والفرنسية براً، وبحراً، وجواً وركزت القوات الفرنسية فى هجومها على بورفؤاد، بينما استهدفت القوات البريطانية مدينة بورسعيد واستمرت غارات الطائرات لضرب كل الأهداف العسكرية والمدنية فى بورسعيد.استشهد فى تلك الأيام الحزينة الكثيرون من رجال وشباب مدينة بورسعيد، الذين استبسلوا فى الدفاع عن المدينة باستخدام الأسلحة الخفيفة التى أرسلها جمال عبدالناصر، وعلى أنغام وكلمات الأغانى الوطنية التى ألهبت حماس الجميع: دع سمائى فسمائى محرقة إلى المعركة سنمضى سوياً إلى المعركة نشيد الله أكبر (الذى صار فيما بعد النشيد القومى لجمهورية ليبيا) وغيرها العشرات.

وصعدنا من المخابئ وبينما والدتى تزيل بقايا زجاج منزلنا الذى تحطم تماماً جراء هذا العدوان الغاشم اصطحبنى والدى للاطمئنان على جدتى وسرنا فى طريقنا إلى شارع الثلاثينى وأصوات الطلقات تحاصرنا من كل جانب وشهداء مدينتنا على جنبات الطريق تحيطهم دماؤهم، وأياديهم ممسكة بما تيسر لهم من سلاح، فأمرنى والدى بالإسراع إلى المنزل، وإحضار الأغطية والملايات حتى نفذ ما. لدينا من أغطية، ولم ننته من تغطية الجميع!

ووصلنا إلى ميدان المحافظة وحى العرب لنجد أغلبية المنازل إما مدمرة تماماً أو محترقة، وكلما توغلنا كان المشهد أقسى وأبشع وعلمنا أن قوات العدوان كانت تهدم وتحرق أى منزل يخرج منه طلقة مقاومة واحدة ووصلنا إلى شارع الثلاثيني، ورأينا الشباب يجمعون الجرحى، وجثث الشهداء، والأسلحة الخفيفة على عربات يدوية، لإبعادها عن مسار الدوريات البريطانية.

وفى هذه الأثناء مرت من أمامنا عربة إنجليزية مكشوفة من الطراز الحربى يجلس بها محافظ بورسعيد، وحوله أفراد من الشرطة العسكرية البريطانية وجابت العربة شوارع بورسعيد، مرفوعاً عليها علم أبيض إعلاناً عن استسلام المدينة وسيطرة القوات البريطانية عليها.

خلال فترة احتلال بورسعيد، حتى يوم 23 ديسمبر من نفس العام، عاشت المدينة بأكملها على شحنة من البطاطس والدقيق كانت معدة للتصدير فى الميناء، فى حين رفض أبناء المدينة تفريغ سفينتين محملتين بالمواد الغذائية كانت القوات الإنجليزية قد أحضرتهما من قبرص مجاناً لأبناء المدينة خلال هذه الفترة.

وكان من أشهر العمليات الفدائية فى تلك الفترة عملية اختطاف الضابط «أنتونى مورهاوس» ابن عم الملكة إليزابيث، الذى توفى جراء الحصار الذى فرضته القوات البريطانية على معظم مبان بورسعيد، ومنها المقر الذى خبأه فيه الفدائيون. أما العملية الثانية التى أزعجت القوات الإنجليزية بشدة فكانت عملية اغتيال رئيس المخابرات الإنجليزية فى بورسعيد «جون وليامز» الذى كان يعيش فى المدينة، ويتحدث العربية بطلاقة، إذ تقدم منه أحد شباب المدينة ممسكاً بساندويتش، بداخله قنبلة يدوية فقضى عليه فى الحال، بعد تلك الحادثة، كثرت الاعتقالات لشباب وأهالى بورسعيد، وانتشرت أعمال التعذيب. أما الفدائى محمد مهران فقد تم نقله إلى قبرص، حيث أجريت له عملية جراحية لانتزاع قرنيته لصالح أحد الضباط الإنجليز المصابين ليعود مهران بعدها إلى بورسعيد فاقداً البصر.

فى يوم 23 ديسمبر 1956انسحب الإنجليز والفرنسيون من بورسعيد، ودخلتها طلائع الجيش المصرى فكان، بحق، يوماً مشهوداً لم تمح تفاصيله من ذاكرتى يوماً ورغم صغر سنى فى هذه الفترة فإنه كان اليوم الذى عاهدت نفسى فيه على الالتحاق بالقوات المسلحة المصرية لأكون ضابطاً بها.

وعشنا وعاشت مصر أجمل الاحتفالات بعيد النصر، وذكراه فى 23 ديسمبر من كل عام فكان أهالى بورسعيد يخرجون جميعاً رجالاً ونساء وأطفالاً، وحتى كبار السن منهم كانوا يخرجون لتحية الرئيس عبدالناصر، والاستماع إلى خطابه فى هذه المناسبة الجميلة، ونحتفل مع صوت الفنانة شادية تشدو أجمل أغانيها «أمانة عليك، يا مسافر بورسعيد» .. وغيرها.

ومرت السنوات، وأصبح 23 ديسمبر مجرد رقم فى النتيجة يحمل عبارة «عيد النصر عطلة للمدارس فقط» وحتى طلبة المدارس لا تعرف مدلول هذا اليوم فى حياة الأمة وأصبح كفاح شعب بورسعيد مجرد ذكرى من ذكريات الوطن.

sfarag.media@outlook.com
لمزيد من مقالات لواء د. سمير فرج

رابط دائم: