الجمعة 20 من محرم 1438 هــ 21 أكتوبر 2016 السنة 141 العدد 47436

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

إنها حياتك .. وبيتك

توماس جورجيسيان
«ذاكرتي حياتي. أدافع عنها وكأنها حريتي. ذاكرتي للوجوه من حولي، لنفسي، للمواقف، للأحداث. المجسم منها والمسطح. ما يجرح ويسيل الدم، وما يتسلل بطيئا الى العظم والنخاع. ذاكرتي للأيام ولليالي، للشمس والقمر.. لتبدل الفصول والأحوال. ذاكرتي للمرض والمحنة.

ذاكرتي للضوء وظلام الهاوية..» كلمات نحتها في ذاكرتنا ووجداننا الكاتب الغالي «علاء الديب» وهو يسترجع معنا ذاكرة مثقف مصري حلم كثيرا وحلم كبيرا. ثم أضاف: « ذاكرتي: حريتي، عذابي، أتمسك بها وتتمسك بي. مع ذاكرتي أحارب .. آخر معاركي، وفيها لا أقبل الهزيمة»

............................

ولا شك أن مهرجان واشنطن للأفلام والفنون الفلسطينية الذي شهدته العاصمة الأمريكية أخيرا كان احتفاء بالذاكرة واحتفالا بالحلم وتأكيدا على أن الشعوب اذا أرادت بقيت .. وتحررت بهويتها ورفضت قبول الهزيمة مهما طال الزمن وسعى الآخرون لطمس الحقائق وخلق الأكاذيب. والمهرجان شارك في فعالياته مئات من المهتمين بفلسطين والفلسطينيين (شعبا وثقافة وتاريخا) سواء كانوا من سكان العاصمة أو من خارجها . والمهرجان نظمته مجموعة مميزة وشابة من نساء فلسطينيات ـ أمريكيات من أصول فلسطينية قدمن من خلال أيام المهرجان ولأهل واشنطن القضية والذكرى والحلم والاصرار الفلسطيني للبقاء والابداع رغم الاحتلال الاسرائيلي وتبعاته. وقمن بتقديم ذلك بلغة العصر وبعقلية الانسان المدرك لهويته ومتطلبات العصر وضرورة التواصل مع الشعوب والثقافات الأخرى. تلك النساء المتخصصات والمرموقات في مجال عملهن في الهندسة والمعمار وعلوم الكمبيوتر والتأليف الموسيقى وغيرها من العلوم والفنون جمعتهن الهوية والقضية والبيت/الوطن الذي دائما في البال. وقدمن للعام السادس على التوالي ـ وبتمكن أكبر وتجويد أفضل ـ مجموعة من الأفلام الطويلة والقصيرة والفعاليات الفنية والمناقشات الثقافية ومعرضا للصور عن مفهوم «ما هو البيت؟».

في بداية المهرجان تكلمت المعمارية «جنين قطب» عن ما يسعى اليه المهرجان بإقامة معرض لصور البيت الفلسطيني بكل مكوناته ومظاهره ومعانيه. كما تحدثت عن تدشين «بوابة غزة» التواصلية التفاعلية ـ بالصوت والصورة والتي من خلالها ستتواصل المواهب والمبدعون وستتفاعل الأفكار والابتكارات. وجاءت «ايمان فياض» بتخصصها في التصميم المعماري لتشرح في محاضرة قيمة مفهوم ومعني البيت والمساحة و«حميمية المكان» في حياة البشر. وعن الوطن الذي نعيشه أو نحلم به أو نتطلع اليه. كما قامت المؤلفة الموسيقية «دنيا جرار» بعرض تجربتها مع انتاج فيلم مصاحب لموسيقاها.. وكيف أنها ذهبت الى فلسطين لتعيش الواقع وتتعايش الذاكرة مع أهلها ومع من هم هناك في أرض الأجداد. وطوال أيام المهرجان مديرة المهرجان الموسيقية «هدى عصفور» كانت تدير النقاشات وأيضا تتواصل وتتفاعل بتأمل وتعمق مع أصحاب اللحن والأغنية والغنوة و»الراب» والرقص والتمثيل من خلال البوابة ـ التفاعلية والتواصلية ـ أنا من هنا وأنت من هناك .. أنت من واشنطن وأنا من غزة. ومن ضمن ما عشته أنا وعاشه معي آخرون في لحظة ما كان تواصلا موسيقيا غنائيا شارك من واشنطن الموسيقي «فؤاد فوطي» بعوده ودندنته وذاكرته الموسيقية. فؤاد بالمناسبة حمل معه من البلاد منذ سنوات بعيدة عندما جاء الى أمريكا مئات الألحان والأغاني.. تلك التي شكلت صباه وشبابه ـ وكانت هذه ثروته وزاده وقلعته وبيته ووطنه وارثه الذي علمه لبناته وابنه. وسمعنا معه أغاني كثيرة ومنها»راجعين يا هوى» .. .. و»طلعت ما أحلي نورها». ومع نهاية المهرجان جاءت المخرجة المعروفة «مي المصري» بفيلمها الأخير «٣٠٠٠ ليلة» لتضيف أبعادا جديدة للحكي والسرد والحفاظ على الهوية..

الشاعر العظيم محمود درويش ذكرنا من قبل»..وليس الفلسطيني مهنة أو شعارا. انه، في المقام الأول، كائن بشري، يحب الحياة ويتخطف بزهرة اللوز، ويشعر بالقشعريرة من مطر الخريف الأول، ويمارس الحب تلبية لشهوة الجسد الطبيعية، لا لنداء آخر.. وينجب الأطفال للمحافظة على الاسم والنوع ومواصلة الحياة لا لطلب الموت، الا اذا أصبح الموت فيما بعد أفضل من الحياة! وهذا يعني أن الاحتلال الطويل لم ينجح في محو طبيعتنا الانسانية، ولم يفلح في اخضاع لغتنا وعواطفنا الى ما يريد لها من الجفاف أمام الحاجز». ولم ينس «درويش» أن ينبهنا أيضا : «رسالة المثقف الفلسطيني الى ذاته والى مجتمعه والى العالم: التمسك بحق العودة.. والمشاركة في صون الذاكرة العامة، وفي بناء تصور أجمل للمستقبل، مهما كان الحاضر هش التكوين، ومهما أسفرت التجربة عن خيبات» قال هذا وهو يتذكر المربي ابراهيم أبو لغد في رام الله واصفا اياه «كان حالما، لا واهما. وكم نحن في حاجة الى الحالمين الكبار». أما الشاعر العزيز سميح القاسم ففي حوار له في مارس ٢٠١٢ قال: «الثقافة تظل برأيي الخندق الأخير للجنس البشري كله. الاقتصاد اليوم ملوث، السياسة ملوثة، الايدولوجيات تلوثت. ما بقي برأيي للانسانية كلها ـ ليس لنا فقط كعرب ومسلمين وشرقيين ـ هي الثقافة، الخندق الأخير. واذا انهار هذا الخندق سنفقد معنى انسانيتنا». وقال أيضا: «شعر المقاومة ليس موضة كي تنتهي. من يعتبره موضة فهو لا يستوعب ما معنى وجوهر هذا الأدب والشعر.هذه قضية تنفس، عملية حياة، نبض..» وجاء الحبيب غسان كنفاني ليذكرنا أينما كنا وفي أى زمان نعيشه: «.. اذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين ولا نغير القضية» خاصة أن محمود درويش كتب من قبل: «أكبر تنازل تقدمه في حياتك أن تتأقلم» ..»ليس للغريب الا اختراع ألفة ما في مكان ما»و»ان لم نكن قادرين على العودة الى ما كنا، فلنذهب معا الى ما نريد أن نكون» وذكر أيضا: «ما هو الوطن؟ ليس سؤالا تجيب عليه وتمضي..انه حياتك وقضيتك معا». ويجب أن أعترف هنا بأن درويش والقاسم وكنفاني وادوارد سعيد ومريد البرغوثي كانوا معي .. وأنا أعيش عبق الهوية ومذاق الذاكرة ودفء البيت وحميمية الأهل مع هذا المهرجان الفلسطيني بفعالياته المتعددة.

............................

مع انتهاء أيام وساعات التحاور وأجواء الالتقاء بالقضية من جديد والاحتفاء بالذاكرة والاحتماء بالابداع تركت المركز المعماري بواشنطن ـ حيث كانت فعاليات هذا المهرجان المميز في الشارع السابع. وأنا ذاهب الى محطة المترو كان لابد أن أنظر الى الوراء لألقي نظرتي الأخيرة على المكان الذي كنت فيه وعلي المجموعة التي نظمت وأدارت المهرجان وعشت معهم لحظات وساعات لن أنساها مع الذاكرة والحلم ومفهوم البيت. ألقيت النظرة الأخيرة ولجأت الى درويش» مرة أخرى وأنا أردد «تحية .. وقبلة وليس عندي ما أقول»

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق