الأربعاء 20 من رجب 1437 هــ 27 أبريل 2016 السنة 140 العدد 47259

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

لماذا ... الحوكمة ؟

ترددت ومازالت تتردد هذه الكلمة فى حديث المثقفين والخبراء منذ فترة ليست بالوجيزة. وجاء بيان الحكومة، منذ عدة أسابيع، لتظهر هذه الكلمة وتطفو على السطح لأول مرة بشكل رسمى على لسان السيد رئيس مجلس الوزراء. وإذا كان البعض يتساءل لماذا الحوكمة الآن...

فإن عددا أكبر يتساءل عن معنى هذه الكلمة، بل ذهب البعض إلى القول بأن رئيس مجلس الوزراء أخطأ وقال «حوكمة» بدلاً من «حكومة» الأمر الذى يؤكد أن هذه كلمة غير دارجة وغير معروفة وغير مستخدمة ...لماذا؟

مفهوم الحوكمة ليس مفهوما جديدا، حيث تستخدمه وتطبقه دول العالم منذ نهاية الثمانينيات من القرن العشرين. وبما أن المفاهيم والمصطلحات الجديدة الوافدة إلينا لا تظهر بشكل فجائى وإنما تتطور كالكائنات الحية، فقد خرج هذا المفهوم من رحم مفاهيم وممارسات التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية اللذين أخفقا بمفرديهما ومجتمعين فى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. فكانت هناك حلقة مفقودة متسببة فى عرقلة جهود التنمية، وعدم الشعور بمخرجاتها ونتائجها. وكانت تلك الحلقة هى الطريقة والأسلوب اللذان تدار بهما السلطة والموارد، بمعنى كيف تقوم السلطة السياسية بصناعة القرار الذى يخصص القيم السياسية والاقتصادية ويوزعها على المجتمع باستخدام أسلوب إدارة رشيد. وهذه السلطة السياسية عندما تستخدم سلطاتها لتحقيق الإدارة الرشيدة للاستفادة من موارد الدولة والمجتمع فلابد أن تقوم بذلك بشفافية وكفاءة وفعالية وبمشاركة الأطراف المعنية وبدون مخالفة القانون.

إذن، الحوكمة هى أسلوب إدارة الحكم. وهى عمليات متعددة. ومادامت تعتنى بتوزيع الموارد بكفاءة ورشادة فيمكن تطبيقها فى كل المجالات وعلى كل المستويات.

ومازلنا فى مصر نفتقر لأسلوب الإدارة الرشيدة لمواردنا التى نظنها شحيحة ونادرة وهى بالوفرة التى تجعلنا لا ندرك حجم ما نهدره بسبب غياب هذا الفكر الذى لطالما نبه إليه خبراء الإدارة الإستراتيجية فى مصر. كما لا يمكن الحديث عن إدارة رشيدة بدون توفير معلومات حديثة ودقيقه تمكننا من أن نرى ما لدينا وما ينقصنا.

ونلتمس حالياً هذه المعضلة ونحن نلحظ سعى نواب البرلمان لحث المسئولين الحكوميين من وزراء ومحافظين على توفير مخصصات مالية للنهوض بشبكات الصرف الصحى والطرق وبناء المدارس والمستشفيات ومراكز الشباب... نفس المطالب تتحرك فى جميع ربوع الجمهورية... ونتساءل: أين تذهب موارد الدولة؟ وهل هناك موارد كافية؟.

ومما لاشك فيه أن الحوكمة أو الإدارة الرشيدة تسير فى اتجاه عكس إهدار المال العام، وذلك بتوفيره والعناية بإنفاقه من خلال تحديد أولويات تستند إلى احتياجات المواطن وهى ما نسميه الاحتياجات التنموية من تعليم وصحة وتشغيل وتدريب وكل ما يؤدى الى تمكينه ومساعدته ليعيش حياة كريمة .. وهو ما يستلزم رقابة على إنفاقه أو ما نطلق عليه بلغة الحوكمة كفاءة إنفاقه حتى يحقق عائدات مالية فى دورة عمله، أى نموا اقتصاديا.. والرقابة تستلزم إطاراً قانونياً صارماً (قوانين ولوائح وتنظيمات وقرارات) وفى الوقت نفسه مرن ويحقق النزاهة.. وهى معادلة لا تتحقق إلا بسياسات الحوكمة. فالأطر القانونية الجامدة أنتجت بطئا ورتابة فى التحرك لمواجهة الاحتياجات المجتمعية ، وهشاشة هذه الأطر من جهة أخرى أدت إلى اعتداء على الموارد والمال العام وتسربه فى مشاريع لم تحقق الغرض منها بالضرورة إما عن جهل أو فساد.

وإذا كان الشعب والحكومة والنواب مهمومين بتوفير خدمات حكومية جيدة فإن سياسات الحوكمة تساعد على تحقيق ذلك من خلال متتالية ضرورية تبدأ بإدارة أصول الدولة (أراضى - ثروات - بشر - مخزون سلعى) وتحسين الإنتاجية سواء كانت إنتاجية الجهاز الادارى من تصاريح وإجراءات حصول على الخدمة أو إنتاجية قطاع الأعمال العام الذى تم إهماله وتهميش دوره الاقتصادى خلال المراحل السياسية السابقة، بالإضافة إلى زيادة الإنتاج الرأسى والأفقى للزراعة وإدارة قطاع السياحة بمفهوم اقتصادى إنتاجى وتحسين كفاءة البنية التحتية من نقل واتصالات وقطاع بنكى.. كل ذلك بهدف تحسين الخدمات بشكل عام وتحقيق تنافسية الاقتصاد والإنسان المصرى معا. وعندما تتحقق التنافسية ستأتى الاستثمارات وتتحسن معدلات التشغيل ونحد من البطالة ومن ثم نتجه صوب زيادة حجم الاقتصاد وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الأمن.

وعليه، إذا نظرنا كمواطنين ومسئولين ونواب لهذه العمليات كمتتاليات معتمدة على بعضها البعض ويقود كل منها للآخر فنحن نمارس حوكمة جيدة ورشيدة يكون لكل منا دور فيها.

لمزيد من مقالات د. أمانى مسعود الحدينى

رابط دائم: