السبت 10 من جمادي الآخرة 1437 هــ 19 مارس 2016 السنة 140 العدد 47220

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

طبول الصيف «تُدوِّى» فى أفراح النوبة

◀ د. محمد رياض
كان الزواج أكثر المناسبات مرحاً وسروراً فى النوبة القديمة، ليس فقط لعائلتى العروسين، إنما لكل النجوع والعُمديات المجاورة، وكانت ليالى الأفراح عادة تستمر لأسبوع.

وكانت زاخرة بالغناء والطرب، وعامرة بالذبائح والطعام الوفير، وتختلف طقوسها حسب المناسبة، مثل الخطبة، والحِنَّة، والعَقد، والدخلة، وغير ذلك.

وغالب الزيجات كانت فى الصيف ليكون الجو أكثر حيوية بعيدا عن رتابة الشتاء، وحيث يمكن للعريس والرجال الغائبون الحصول على إجازة، لتُدوِّى طبول الأفراح فى جنبات النوبة خلال الصيف.

وتتشابه إجراءات الزواج فى أنحاء النوبة، ففى كورسكو (1963) رأيت الحلاق يُزين العريس فى ميدان أمام المنازل، والناس يقدمون له «نقوط» الفرح، وأحدهم يسجل قيمة النقوط واسم صاحبه فى دفتر خاص، يُحتفظ به من جيل لجيل لرد هذه النقوط فى أفراح الآخرين.

وفى حفل ختام الزواج رأيت بصحبة زوجتى «د. كوثر عبد الرسول» رحمها الله، فى قرية «توشكى غرب» العريس يدخل غرفته حاملا الكرباج والخنجر وآخرون يقرأون القرآن، ويرددون قصائد ميرغنية تيمنا بزواج سعيد. ومن الأناشيد الجماعية الجميلة فى بلاد النوبة عامة:

وكمان الورد كان فيه شوك

من عرق النبى فتح

حلالك حلالك حلالك.

وفى بعض المناطق كانوا ينشدون بردة البوصيري:

«مولاى صلى وسلم دائما أبدا.. على حبيبك خير الخلق كلهم»

وهناك كلمات عربية فصيحة دخلت النوبية فى مراسم الزواج مثل:

المال: دفع المهر، عبأن السيرة (عبينا) أى أعددنا المسيرة، وفلوة: أى المهر الصغير، وحشاها قبضة: أى خصرها نحيل، والشد: أى موكب ركوب العريس الجمل و غيره لعروسته.

وكان النوبيون مغرمين بالحُلى الذهبية، والفضة. وهناك أطروحة دكتوراه قيمة عن هذا الموضوع تحديدا.

ومن المصطلحات المرتبطة بالزواج فى النوبة «فتح الكلام»، وهى الخطوة المادية الأولى لمراسم الزواج (عند الكنوز وهى جزء من الصداق «3 جنيهات»).

و«الشيلة»: وتتكون من الغَلَّة والدقيق والشاى والسكر والكبريت وشحم وزيوت لدهان الشعر، وفى يوم «الشيلة» يُحدد يوم «كتب الكتاب» والدخلة (أسبوع عند الكنوز)، وإذا حدث مكروه للقرية مثل الوفاة يؤجل الزفاف، وقد يسمح أهل المتوفى لأصحاب الفرح بإقامته إذا كان بعد يوم أو يومين خوفا من فساد الأطعمة من العجين المخمر والشعرية واللحوم وغيرها (حيث لم تكن هناك ثلاجات فى ذلك الزمان)، ثم يُدفع المهر، المقدم منه حوالى 10 أو 5 جنيهات، والمؤخر مثله).

وتسبق «الحنة» الدُخلة بيوم، وتزور العروس أضرحة أولياء الله الصالحين والمشايخ، وتلبس شالاً، وعند زواجها ترتدى الشقة البيضاء.

وفى ليلة الدخلة يصل موكب العريس الى بيت العروس فى زفة، ومعهم ملابس خروج العروس فى حقيبة، ويستقبل أهل العروس موكب العريس بالذبائح، وغالبا يكون خال العروس وكيلها عند الكنوز. ويصلى العريس ركعتين قبيل دخوله غرفة الزوجية فى بيت العروس، وفى الصباح يذهب العريس مع وزيره إلى نهر النيل، ويكرر هذا لمدة أسبوع. ولا ينتقل العريس إلى بيته إلا بعد ميلاد الطفل الأول.

وقد التقطنا صورا جميلة ملونة لهذه الطقوس فى 1963، و 1964، وضمنَّاها فى كتاب «رحلة فى زمان النوبة»، الذى صدرت طبعته الأولى 1998، والثانية 2007، وقد رصدت د. «كوثر عبد الرسول» فيه معظم هذه العادات والتقاليد النوبية وصورت بعضها فى 2002.

ومازال هذا المجتمع الثرى بتاريخه، وجغرافيته، وحضارته وحاضره وتراثه الشعبى يدهش العالم بحيويته وخصوصيته رغم مرور 50 عاما على التهجير. وفى النوبة الجديدة حافظ النوبيون على تراثهم رغم غياب نهر النيل عنهم، كما حافظوا على العمارة والفنون والعادات والتقاليد، ووسط تطور حياتهم تمسكوا بجذورهم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق