الجمعة 12 من ربيع الآخر 1437 هــ 22 يناير 2016 السنة 140 العدد 47163

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

صنايعية مصر
حكمت أبو زيد‏..‏ صنايعية الشئون الإجتماعية

عمر طاهر
(1)‏ كان مجلس قيادة ثورة يوليو بحاجة إلي فكرة تكسر سم خشونته كتجمع ذكوري عسكري‏,‏ لم تكن الفكرة واضحة حتي اليوم الذي حضر فيه ناصر إحدي جلسات مناقشة‏(‏ ميثاق الثورة‏),‏ ووقفت حكمت أبوزيد لتتكلم‏,‏ كان ناصر يستمع إليها باهتمام‏,‏ ثم أمسك ورقة و كتب شيئا‏.‏

كان زوج حكمت أبوزيد يتابع اللقاء عبر التليفزيون‏,‏ وعندما عادت زوجته قال لها‏:‏ إذا كان هناك خير قادم للمرأة في مصر فسيكون علي يدك‏.‏
‏(2)‏
في المدرسة الثانوية شاع أن ابنة الصعيد ضربت مدرس التاريخ‏,‏ فتم رفتها و منع التحاقها بأية مدارس‏.‏ كان السبب وطنيا بحتا‏,‏ فقد منع المدرس حكمت و زميلاتها من الخروج في مظاهرات ضد الإحتلال‏,‏ ظلت أبوزيد حبيسة البيت لفترة إلي أن تغير وزير التعليم فسمح لها و لزميلاتها بمواصلة الدراسة بشرط ألا يجتمعن في مدرسة واحدة‏.‏ بعد أن أنهت دراستها في كلية الآداب قسم التاريخ سافرت للحصول علي الدكتوراة من بريطانيا و عادت للعمل أستاذة في كلية البنات‏,‏ لكنها سرعان ما استعادت لياقتها الوطنية بالإنضمام لمعسكرات المقاومة الشعبية قبل حرب‏56,‏ استقرت في بورسعيد تشارك في كل شيء من الإسعافات الأولية حتي العمليات العسكرية‏,‏ وما أن انتهت الحرب حتي عادت إلي العلم‏,‏ و شاركت في‏(‏ لجنة المائة‏)‏ التي كانت تناقش الميثاق أسبوعيا‏,‏ كانت أفكارها لافتة للنظر‏,‏ فاتصلت بها رئاسة الجمهورية تطلب منها كلمة في الجلسة التي سيحضرها عبد الناصر‏.‏ وقفت و قالت أن حضور المرأة في الميثاق ضعيف و الكلام عن دورها غير كاف‏,‏ و اعترضت علي رفض ناصر لما أسماه المراهقة الفكرية القائمة علي الحماس قائلة أن الحماس شريك أساسي في البناء‏,‏ كان المنظمون يلوحون لها بما يعني أن وقتها انتهي‏,‏ لكنها استمرت ناقدة اشتراكية اليسار وأمور أخري كان ناصر يتابعها باهتمام ثم سحب ورقة و كتب شيئا‏.‏
‏(3)‏
كنت أتحدث إلي المستشار محمد الصياد زوج حكمت أبوزيد‏,‏ فقال لي‏:‏ كتب عبد الناصر شيئا في الورقة و عندما رفعها في الضوء استطعت أن أقرأ ما كتبه بالعكس فوجدته‏(‏ د‏.‏ حكمت أبو زيد‏),‏ بطبيعة عملي و كثرة التقارير و المكاتبات أصبحت أجيد هذة القراءة العكسية‏,‏ في البداية شعرت بالقلق‏,‏ لكن نظرته التي كانت لا تخلو من حنو و إنسانية جعلتني أستبشر خيرا‏.‏ سافرنا بعدها إلي رأس البر ففوجئنا بمأمور المركز هناك يقول لنا سيارة من رئاسة الجمهورية تبحث عنكم‏,‏ حملتنا السيارة إلي مكتب علي صبري الذي أخبرنا بتعيين حكمت وزيرة للشئون الإجتماعية‏.‏
‏(4)‏
قبلت أبو زيد المهمة لكن القلق منعها من الذهاب إلي مكتبها حتي هاجمتها الصحافة قائلة أن أول وزيرة في مصر لم تفعل شيئا منذ شهرين وكلما سألنا عنها يقولون غير موجودة‏,‏ كانت حكمت تجلس في بيتها تدرس من أجل مهمتها الجديدة‏,‏إلي أن شعرت أن الوقت مناسب للذهاب إلي المكتب‏,‏ فوجئت في هذا اليوم أنها لا تعرف عنوان الوزارة‏,‏ ضاع وقت طويل وهي تبحث‏,‏ واعتبرتها علامة علي أن عملها الحقيقي لن يكون مرتبطا بالحجرات المغلقة‏.‏
لكن عندما صار التواجد في المكتب ضروريا بحكم المنصب‏,‏ كانت تدير مكتبها بسياسة الباب المفتوح أمام الجميع لدرجة جعلت عبد الناصر يقول‏:‏ مافيش فرق بين مكتب حكمت أبو زيد و الشارع‏.‏
‏(5)‏
لم تكن مهمة أبوزيد كأول وزيرة في مصر سهلة‏,‏ كانت تستمتع إلي السخرية طوال الوقت‏,‏ الموظفون الذين يفسرون غيابها بأن‏(‏ جوزها حلف عليها ماتنزلش‏),‏ الموظفون الذين يستعجلون إنصرافها بـ‏(‏ هو أنتي مش وراكي حد تغديه؟‏),‏ لكن كل هذا كان وقودا لماكينة عمل لا تهدأ‏.‏
جابت حكمت أبو زيد مصر تزور البيوت دون سابق ترتيب‏,‏ كانت تتحسس احتياجات المجتمع‏,‏من هنا جاء دورها كصنايعية مؤسسة لشكل العمل الإجتماعي و دعم المرأة الذي ستسير عليه مصر الحديثة فيما بعد‏.‏
أسست المشروعات المهمة‏,‏ محو الأمية‏,‏ الرائدات الريفيات‏,‏ مشروع الأسر المنتجة‏,‏ قانون عمل المنظمات الأهلية‏,‏ مؤسسات رعاية الأطفال‏,‏ و عندما تعرض أهل النوبة للغرق بعد تعلية خزان أسوان كان لابد من تهجيرهم إنقاذا لهم‏,‏ تولت أبو زيد المسئولية‏,‏ أعدت دورات تدريبية للنوبيات في كيفية ترتيب أشيائهن قبل الهجرة حتي القطط و الطيور‏,‏ و ساعدتهن في جلسات مطولة علي تقبل الهجرة نفسيا‏,‏ وأشرفت علي أن يحافظ المكان الجديد علي كيان و بنيان المجتمع النوبي مضافا إليه المدرسة و المستشفي‏,‏ كانت تجربة ناجحة لدرجة جعلت ناصر يقول‏:‏ أن أبوزيد نجحت في تعبئة مجتمعا بالكامل سياسيا و إقتصاديا
و إجتماعيا من أجل النوبة‏.‏ بعدها أطلق ناصر علي حكمت أبوزيد لقب‏(‏ قلب الثورة الرحيم‏),‏ هنا كان ناصر قد وضع يده علي اللمسة التي كسرت سم خشونة القيادة‏..‏ الرحمة‏.‏
‏(6)‏
عادت أبوزيد للعمل في الجامعة بعد رحيل ناصر‏,‏ و عندما اقترب السادات من السلام مع إسرائيل‏,‏ أبدت اعتراضها بضراوة‏,‏ وكانت وقتها تعمل أستاذا في جامعة الفاتح في ليبيا‏,‏ كان رد السادات هو اتهامها بالخيانة و العمالة‏,‏ و سار علي هذا النهج كثيرون‏,‏ كان الإتهام صادما لقلب الثورة الرحيم‏,‏ ثم اكتملت الصدمة بمنعها من إصدار جواز سفر مصري جديد بما يعني ضمنيا سحب الجنسية المصرية منها‏,‏ و اضطرارها إلي الإنتقال بجواز سفر ليبي‏,‏ وعاشت أبو زيد لفترة طويلة كلاجئة سياسية‏,‏ حتي أصدر مبارك بداية التسعينيات قرارا بعودتها إلي مصر‏,‏
و كلف أحد الوزراء باستقبالها في المطار‏,‏ وكان أول مافعلته أبوزيد عقب الخروج من المطار هو زيارة قبر جمال عبد الناصر‏.‏
‏(7)‏
كنت أزورها قبل سنوات طويلة في بيتها‏,‏ لفت نظري‏(‏ جسم معدني‏)‏ موجود كقطعة ديكور‏,‏ قالت أبوزيد‏:‏ كان ناصر يزور الجبهة و في حوار مع أحد الجنود شعر بضيقه فسأله عن السبب فقال أن والدته مريضة و هو يشعر بالقلق عليها‏,‏ سجل ناصر بيانات والدة الجندي و أرسلها لي لمتابعة حالتها‏,‏ قلت لن أتابع هذه الحالة فقط‏,‏ كونت لجنة‏(‏ أسر المقاتلين‏),‏ جمعنا تبرعات ضخمة من كل الجهات لدعم أسر الجنود حتي يتفرغوا مطمئنين للقتال‏,‏ كنا نتابع كل ما يخصهم‏,‏ وكنت أذهب إلي الجبهة كثيرا لأطمئنهم بنفسي و أنقل لهم الدعم و الرسائل‏,‏ وهذا الجسم‏(‏ فارغ صاروخ‏)‏ أطلق علينا وكنا في سيارة جيب تحملنا إلي الجبهة‏,‏ قررت الإحتفاظ به علي سبيل الذكري‏.‏
‏............................................................................‏مصادر‏:(‏ حوار شخصي مع الوزيرة‏)(‏ مقال الاستاذ رشاد كامل‏..‏ صباح الخير‏).‏

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق