الجمعة 14 من ربيع الأول 1437 هــ 25 ديسمبر 2015 السنة 140 العدد 47135

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

كمال الملاخ
جعل الناس يقرءون الأهرام من الصفحة الأخيرة إلي الأولي

فايز فرح
ملأ الدنيا بأعماله واكتشافاته‏,‏ وشغل الناس بحبه وخدماته‏,‏ إنه الكاتب الصحفي بجريدة الأهرام الغراء‏,‏ مكتشف مواكب الشمس‏,‏ الفنان‏:‏ كمال الملاخ‏.‏

في شهر أكتوبر دائما تتجدد الذكري والحب والوفاء.
فقد ولد في26 اكتوبر1918 ورحل في التاسع والعشرين منه1987, وبين هذه السنوات, التاسعة والستين كانت الرحلة, وكان العطاء بسخاء وحب والايمان بالخير.
طفل موهوب
ولد كمال وليم يونان الملاخ عام1918 في محافظة أسيوط من أبوين كريمين يعيشان في حب الله, ويعرفان طريقهما دائما للكنيسة, واشتهر والده بحلاوة صوته في الترتيل الكنسي, وربما يكون ذلك سبب اهتمام كمال الملاخ بعمل الخير والتمسك بالقيم الأخلاقية. التحق الطفل كمال في أسيوط بالكتاب ثم بالمدرسة الابتدائية, ثم انتقلت الأسرة الي مدينة المحلة الكبري بحكم انتقال الوالد للعمل في أحد البنوك هناك, بعدما انتقلت الأسرة لنفس السبب الي القاهرة واستقرت بها, التحق كمال بأشهر مدرسة ثانوية في ذلك الوقت, وهي المدرسة السعيدية, في هذه المدرسة بدأت مواهب الطفل كمال تعبر عن نفسها, فاكتشف حبه للرسم, وميله للقراءة, وفهمه للثقافة والأدب وهو في عمر الزهور, وانكب علي الصحف والكتب يقرأها, ودفعته موهبته في الرسم الي اقامة معرض في المدرسة وعمره لايتجاوز الثالثة عشرة, كانت المناسبة هي اليوبيل الفضي للمدرسة السعيدية, افتتح المعرض الصحفي الكبير أحمد الصاوي محمد الذي كان يصدر وقتها, مجلة مجلتي و أشهر المجلات الثقافية, أعرب الصاوي عن إعجابه بالصبي كمال الملاخ الذي كان يرتدي البنطلون الشورت, وبأسلوبه في الرسم, ووشوش في أذنه: مر علي في مجلتي ربما تجد لك مجالا أوسع في النشر.
حصل الملاخ علي شهادة البكالوريا وهي الثانوية العامة الآن, والتحق بكلية الفنون الجميلة قسم عمارة, ليشبع نهمه وحبه للرسم, وأقام معرضه الثاني بالقاهرة في قاعة جولدتبرج في شارع قصر النيل, وكان الملاخ أصغر من اشترك في هذا المعرض, فقد ضم المعرض أعمال الفنانين كامل التلمساني, والشاعر الايطالي المصري المولد: جان مورسكا يتللي, وكمال الملاخ, الطريف أن كمال الملاخ لمعت في ذهنه فكرة لماذا لايدعو الدكتور طه حسين للمعرض وهو مرب فاضل ويقع بيته بجانب الكلية, صحيح أنه مكفوف البصر, لكنه يري بالعقل والبصيرة, وفعلا حضر الدكتور طه المعرض ومشي الملاخ معه يشرح له المعروضات ويناقشه.
كانت هذه شقاوة صبيان لكنها تدل علي قوة شخصية الملاخ منذ صباه وقدرته علي مصادقة الجميع, تخرج الملاخ في الكلية عام1943 وكان من أوائل الحريجين حتي إن الكلية عينته مدرسا في قسم العمارة بها, وكان سعيدا في عمله.
الملاخ وطه حسين والآثار
استمر الملاخ في عمله مدرسا بالكلية وهاويا للثقافة, سعيدا لكن الأيام تتغير ويأتي عميد جديد للكلية, وفجأة يمنع الملاخ من تنفيذ وتدريس جدوله, ويثور الملاخ ويعترض وتكون مشادة كبيرة مع العميد الجديد دون سبب, وبينما الملاخ في هذه الحالة العصبية, ثأتيه مكالمة تليفونية من الدكتور طه حسين المستشار الفني لوزارة المعارف وقتذاك, يطلب مقابلته, ويحمي لنا الملاخ في كتابه( قاهر الظلام) حكاية هذه المقابلة.
عرف الدكتور طه حسين بخلاف الملاخ مع العميد الجديد, وعلي الرغم من أن موقف الملاخ كان سليما ولم يصدر منه ما يجعل العميد يتخذ قراره بوقفه عن العمل, إلا أن د. طه نصح الملاخ بالابتعاد عن الكلية مدة ثلاثة أشهر حتي يتوقف العميد عن ظلمه له, وقال د. طه حسين للملاخ:
أعرف أنك شاب موهوب بل نابغة ومع ذلك لا أريد لك الظلم الذي عانيت أنا شخصيا منه, كلها ثلاثة أشهر تعمل بالأثار وتعد لدرجة الماجستير, واذا أردت العودة بعد ذلك للكلية سأعيدك لها, انني أريد أن أمصر جو الآثار ولا أتركه للأجانب فقط, أنت أولي بحضارة بلدك.
يعمل كمال الملاخ بنصيحة الدكتور طه حسين, ويتجه الي العمل بالآثار, بل يشعر بلذة وسعادة في عمله الجديد ويعد لدرجة الماجستير علي يد عالم الاثار الفرنسي دربتون, ويحصل علي الماجستير في الآثار وفقه اللغة المصرية, عشق الملاخ آثار بلاده, وكان يقضي معظم وقته في الصعيد أسوان والنوبة, يختفي ثم يظهر كالقمر مرة كل شهر في القاهرة, يشتري الكتب الجديدة ويزور المعارض.
في عام1949 وكان في القاهرة وفي بيته في الزمالك لمح بطاقة في صندوق البريد, وكانت من الدكتور إبراهيم عبده أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة يطلب منه التوجه الي جريدة الأهرام ومقابلة الكاتب الكبير أحمد الصاوي محمد. الذي عرض علي الملاخ العمل معه في جريدة الأهرام رساما ووافق الملاخ وبدأت رحلته الصحفية, وفي اليوم التالي تعرف الملاخ علي زميله أنيس منصور الذي عين في قسم الترجمة في نفس اليوم, وكانت رحلة عمل وصداقة طوال الحياة بين الملاخ وأنيس منصور. كان الملاخ يعمل في الصحافة والآثار في نفس الوقت, وفي عام1954 اكتشف مراكب الشمس, وأصبح في يوم وليلة نجما عالميا. انتقل الملاخ وأنيس منصور الي العمل بالصحيفة الجديدة صحيفة الأخبار, الصحيفة الشابة وأصبح رئيسا للقسم الفني بها, وكان يرسم يوميات الحكيم, محمد التابعي, العقاد, وسلامة موسي.
في عام1957 اتصل الأستاذ محمد حسنين هيكل بالملاخ وسأله: لماذا لا تتفرغ للصحافة.. هل تعود للأهرام لو ذهبت أنا إليه؟
لم يتردد كمال الملاخ لحظة واحدة, وركب سيارته متجها الي مصلحة الآثار وقدم استقالته في الساعة العاشرة صباحا, وبعد نصف ساعة كان في جريدة أخبار اليوم يقدم استقالته, وتوجه بعد ذلك الي الاستاذ هيكل ليعود الي صحيفة الأهرام متفرغا للعمل الصحفي. ومع ذلك لم ينس تاريخ بلاده, فظل يعمل في مجال الاثار كخبير متفرغ, مع اكتشافه لمراكب الشمس, اكتشف أول كوبري في التاريخ, وكان أول أثري مصري يرمم الأهرام وأبو الهول, وساهم في نقل معابد فيلة, اشترك في إعداد المادة العلمية للصوت والضوء لمناطق الأهرام والكرنك وفيلة, وفي اعداد وتطوير متاحف الأقصر والنوبة والمصري,
كان أستاذا في حضارة مصر وآثارها في الجامعات العالمية, وعضو مجلس ادارة هيئة الآثار.
كمال الملاخ في الأهرام
تفرغ الملاخ للعمل الصحفي الذي كان يعشقه, واستخدم ثقافته ومعرفته, بل وعلاقات صداقته في خدمة القاريء وتقديم كل جديد له. وأسس باب من غير عنوان في الصفحة الأخيرة, وحتي الآن اسم الباب بخط يده, وكان يكتب العنوان الرئيسي في صفحته بيده ليعبر عن العلاقة الحميمية بينه وبين القاريء, كان أيضا صاحب مدرسة في اختصار الأسماء مثل ك الملاخ و ت الحكيم.. وهكذا.
واشتهر الملاخ أيضا بعباراته القصيرة المفيدة التي تحترم وقت القارئ, ولم ينس عشقه لتاريخ بلده مصر أم الدنيا وأصل الحضار, وكان يذكرنا يوميا من خلال بابه المقروء بتاريخنا, فيقدم لنا المعلومة التاريخية البسيطة التي تتفق وقراء الصحف علي اختلاف مشاربهم, ويدفع فينا الاعتزاز بتاريخنا والإيمان بوطننا, كان الملاخ يجعل القراء يقرأون جريدة الأهرم من الخلف ثم يعودون إلي الصفحة الأولي, كما قال الدكتور طه حسين, وأعتقد أن بعض القراء يفعل هذا حتي الآن.
لم يكتف الملاخ بكتابة بابه اليومي والعمل المؤقت في مجال الآثار, بل اهتم بإصدار الكتب, الثقافية والفنية التي تنشر نور المعرفة بين الناس, من كتبه:
أغاخان.. خمسون سنة من الفن.. حكايات صيف.. صالون من ورق.. قاهر الظلام, عن عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.. بيكاسو المليونير الصعلوك.. الحكيم بخيلا, عن توفيق الحكيم.. صقر الحرية, التيه, سويسرا.. حول الفن الحديث.. هؤلاء دخلوا التاريخ.. جمال السجيني.. وكتاب كنوز النيل, ومن كتبه المهمة كتاب ذهب توت عنخ آمون وقد فاز عام1979 بلقب الكتاب الأول المباع في أمريكا وصدرت منه ثلاث طبعات.
أصدر الملاخ أيضا مجموعة من الكتب للأطفال منها:
عروس النيل.. أحمس قاهر الهكسوس.. تحتمس الرابع.. الناصر صلاح الدين.. وأم كلثوم وحديقة الحيوان, بلغت كتب الملاخ32 كتابا, كان الملاخ قد اتفق معي علي أن نجلس معا مع الأديب نجيب محفوظ لأسجل قصة حياة أدبينا الكبير وحوار الملاخ معه, لكن الزمن لم يمهل الملاخ, فقد رحل قبل انتاج هذا الكتاب عام1987, ومن عجب أن يفوز نجيب محفوظ بعد عام أي1988 بجائزة نوبل, وكأن الملاخ كان يتوقع ذلك.
مهرجان القاهرة السينمائي
في عام1977 أسس الملاخ جمعية كتاب ونقاد السينما من المتخصصين وهواة ونقاد هذا الفن العظيم, وظل رئيسا لهذه الجمعية عدة سنوات, وكان من ثمار هذه الجمعية ميلاد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الأول عام1978 الذي حقق نجاحا غير مسبوق وحشدا من نجوم العالم ومصر الكثير, وظل المهرجان يعقد بينما دائم, ثم أقام الملاخ أيضا أول مهرجان سينمائي بالإسكندرية لدول حوض البحر المتوسط, واهتم أيضا بإقامة مهرجان للسينما الأفريقية بأسوان. كان الملاخ يحشد لهذه المهرجانات كل طاقته وامكاناته, ويجمع التبرعات لها مستغلا نجوميته وحب الجميع له.
العجيب أن وزارة الثقافة استولت علي مهرجان القاهرة السينمائي وجعلته تحت اشرافها, واختارت رئيسا له غير الملاخ, نتيجة حسد وحقد الآخرين عليه.
وعلي الرغم من كل هذا, مازال المهرجان يقام سنويا واسم كمال الملاخ يرفرف عليه ويذكره الجميع بالوفاء والاعتراف بالجميل, ويكفي الملاخ أنه أسس جمعية كتاب ونقاد السينما التي فكرت وأقامت المهرجان, وأنه كان أول رئيس له عام.1978
جوائز وتقدير
كان من الطبيعي أن تكرم الدولة كمال الملاخ علي دوره الرائد في تثقيف المواطن عن طريق الصحافة والكتب والسينما وأحاديثه وحواراته في الاذاعة والتليفزيون, وبأفلامه التسجيلية أيضا, ففاز بجائزة الدولة التشجيعية في أدب الرحلات عن كتابه: صالون من ورق, كما فاز بجائزة الدولة التقديرية في الفن عام1984, وهذه أول مرة تقريبا يفوز شخص بجائزتين في الأدب والفن.
كما نال تقديرا عالميا من أكثر من دولة, فقد وافق مركز دراسات أبحاث الفضاء, بناء علي طلب جامعة كلورادو الأمريكية, علي إطلاق اسمه علي أحد النجوم, وذلك في مناسبة مرور أربعين عاما علي بدء اشتغاله في الحفائر والدراسات الأثرية. اختاره علماء الآثار الألمان عضوا فخريا في رابطتهم عام1982, ومنحته جامعة, واسيدا, اليابانية شهادة تقدير في مناسبة عرض مجموعة من الآثار المصرية هناك, وفي عام1985 منحه علماء المصريات التشيكوسلوفاك, الزمالة الفخرية لرابطتهم, كما منحته فرنسا وسام فارس.
معارك فكرية
علي الرغم من قلب الملاخ الكبير وحبه للناس جميعا, فقد كانت هناك معارك في حياته فرضت عليه, وكان لابد أن يدافع عن نفسه وعلمه ومكانته. كانت المعركة الأولي هي التي أشرنا إليها بعد استلامه العمل كمدرس بكلية الفنون الجميلة قسم عمارة عام1944, وعندما تغير عميد الكلية أوقف الملاخ عن عمله في التدريس دون سبب أو تحقيق.
المعركة الثانية كانت بين الملاخ والكاتب العملاق عباس محمود العقاد, يحكيها لنا أنيس منصور في كتابه:
,في صالون العقاد كانت لنا أيام].. فقد طلب المخرج عاطف سالم من الملاخ أن يتوسط لدي العقاد لكي يخرج له روايته الوحيدة سارة, والتقي المخرج والمؤلف في مكتبة الأنجلو, ووافق العقاد, ولكن لم يجرؤ عاطف سالم أن يسأله عن الأجر الذي يريده, وطلب من الملاخ أن يعرف ذلك, وتحدث الملاخ إلي العقاد تليفونيا:
سأل الملاخ: المخرج يريد أن يعرف كم تتقاضي عن روايتك؟
أجاب العقاد: ما يتقاضاه طه حسين, لا أكثر ولا أقل, وأضاف العقاد.. لكن لعلك تعرف أن روايتي ليست بها أحداث.. إنها تحليلية.. ولا أعرف كيف يمكن إخراجها, ولا من التي تؤدي هذا الدور؟
قال الملاخ: أرشح مديحة يسري, فهي أقدر من أي واحدة أخري, ثم أنني سوف أدخل بعض التعديلات علي الرواية.. رد العقاد: ما هذا الذي تقول؟ إنني لا أحب أن أتعامل مع مثلك من الجامعيين الأجلاف.. هل تعرف من الذي تكلمه؟ أنت تكلم العقاد:
وأنت تكلم الملاخ.. إذا كنت أنت العقاد.. فأنا الملاخ..
قال العقاد: ومن تكون أنت يا هذا؟ العقاد هو الأهرام.. وأنت تتسول أمام الأهرام, فإذا فعلت ذلك فأنت تستحق أعلي جائزة أدبية.. هذه حدودك أنت وغيرك. لم يعرف كمال الملاخ السبب الرئيسي لثورة الأستاذ, وتضايق من هذه اللهجة البركانية للعقاد.. وقال له:
يا أستاذ عقاد: أنت الأهرام هذا صحيح.. ونحن ظلال إلي جوارك, بل إذا كنا جامعيين فلأننا تخرجنا في جامعة الجامعات التي اسمها: عباس العقاد.. فكيف تغضب من تلامذة تلامذتك؟ كيف تنكر عليهم أن يتمسكوا بكبريائهم التي تعلموها منك؟!وعندما هدأ الأستاذ لهذه العبارات التي أسعدته, وعندما اعتذر له الملاخ عن سوء الفهم, شكره العقاد واعتذر له,
هكذا كان الملاخ معتزا بنفسه في تواضع العلماء. المعركة الثالثة كانت معركة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي كافح الملاخ حتي أسسه عام1978 ووفر له وسائل النجاح والشهرة العالمية, وكان رئيسا له عدة سنوات, لكنه فوجئ من وزارة الثقافة بضم المهرجان لها تحت اشرافها واختيار رئيس له آخر, وعدم الاعتراف بالجميل, لكن الوزارة اعترفت بعد ذلك بدوره وجهوده في تأسيسه وقررت جائزة باسم الملاخ.
المعركة الرابعة والأخيرة هي معركة اكتشاف كمال الملاخ مراكب الشمس عام1954 ومحاولة البعض في الشك في هذا الاكتشاف ونسبه إلي غيره, بعد اعتراف العالم كله والأكاديميات والجامعات وجمعيات الآثار بأن الملاخ هو المكتشف!
الملاخ العم والأب الروحي
لم يتزوج كمال الملاخ, عاش راهبا للفكر والثقافة, مع حبه للعائلة والعزوة, عرف الملاخ معني وقيمة العم وأنه هو الوالد أيضا, اهتم بأبناء إخوته وأخواته وهم بالعشرات, كان يهتم بكل واحد فيهم, ودراسته ومشكلاته ومستقبله.
وقد عرفت كمال الملاخ عن طريق زميلتي في كلية الآدب جامعة القاهرة, مني الملاخ التي كانت تدرس بالجامعة وتتدرب علي العمل الصحفي في دار الهلال, ذهبت معها لمقابلة الأستاذ الملاخ في جريدة الأهرام لعمل ريبورتاج لمجلة الجامعة وتعرفت عليه, ولأول وهلة تري الملاخ حتي تبهر بشخصه, فارع الطول, عريض الكتفين, منفوخ الصدر, علي وجهه علامات جادة تتخللها ابتسامة لطيفة تخفف من قوة شخصيته, وبعد أن تعرفه وتتقرب إليه تشعر أنك أمام إنسان محب, عالم لا يهتم إلا بالعلم, أديب وقارئ, ممتاز, فنان له لمسات فنية في شخصيته وفي حديثه, وفي مكتبه المزين بصور ولوحات كبار الفنانين, وبعض التماثيل, مع ورد وزهور طبيعية حتي تشعرك بجمال الطبيعة.
في أول مقابلة للملاخ تذكرت ما قاله الكاتب الساخر أحمد رجب عنه إذ قال: كمال الملاخ ينام واقفا وواضعا يده في جيبه, وهو يعبر عن عظمة وكبرياء الملاخ الذي يلمحه كل من يراه لأول مرة, ولكن سرعان ما يزول هذا الشعور لتعرف تواضع وحب الرجل.
شاء قدري السعيد أن تكون مني الملاخ زوجتي فأقترب من الملاخ شيئا فشيئا, واكتشف هذا الكنز من العلم والأدب والتاريخ والحب والإيثار والحكمة والكرم والشجاعة وغير ذلك, ولا تستطيع معرفته جيدا إلا إذا اقتربت منه وتعاملت معه. كان يوم الجمعة هو اللقاء الأسبوعي في بيت الملاخ للعائلة, اخوته إميل الملاخ ولويس الملاخ وبرتي الملاخ وأخواته: هيلدا ونيللي الملاخ وأزواجهن وزوجاتهم مع الجيل الجديد من الأبناء, وكمال الملاخ يعرف كل واحد واهتماماته وهواياته ويتحدث علي مائدة الافطار مع كل واحد ويعرف أخباره, هو حقيقة يقوم بدور العم وهو نفس دور الأب, وبجانب ذلك فهو أب روحي حقيقي لأشخاص لا يرتبطون به بل هم مجرد أصدقاء كبار وصغار, رجال ونساء, بعض من هؤلاء كان يجلس معنا في لقاء الجمعة الصباحي, وكان هذا اللقاء يمتد في أكثر الأحيان ليكون غداء أيضا, فتجد نفسك مع الملاخ طوال النهار, وهذه متعة في حد ذاتها.
كان الملاخ يحدثني في التليفون فيقول لي: أهلا ياصديقي, ثم يعلق: أنا أقول لك ياصديقي لأن الصديق تختاره بفكرك وعقلك وعاطفتك وليس مفروضا عليك كالقريب مثلا, كنت أقدر للرجل صداقته واهتمامه بكل الناس وبشخصي الشاب الصغير, وكان يشجع الشباب دائما, وقد كتب مقدمة كتابي الأول عام1975 وكان عنوانه: عباقرة رحلوا زهورا, وأثلجت كلماته صدري وزادت حبي له, كانت زوجتي مني لويس الملاخ صحفية صغيرة في مجلة المصور بدار الهلال وأعربت له عن أمنيتها لعمل ريبورتاج صحفي مع سيدة الغناء العربي أم كلثوم, فأخذنا وذهبنا لفيلتها في الزمالك وتعرفنا عليها واتفقت مني معها علي عمل الحوار, وزرناها لأكثر من مرة, كانت أم كثلوم أيضا مرحبة بنا ساعدتنا كثيرا, فهي تشجع الشباب ولم يكن من الممكن التعرف بها إلا عن طريق صديقها كمال الملاخ النجم الكبير في سماء القاهرة, الذي يعرفه الناس من خلال شعره الكثيف في نصف رأسه الخلفي.
في عام1975 قام الأدباء والفنانون بزيارة مجمع الحديد والصلب بحلوان, ضمت المجموعة: كمال الملاخ, توفيق الحكيم, يوسف السباعي. صلاح منتصر سمير صبري, وضمنا الملاخ للرحلةأنا وزميلتي الإذاعية سميرة الديب, في خلال المناقشات التي بين نجوم الرحلة قابل الحكيم الملاخ بحفاوة ثم سأله: إيه.. أنت فين ياكمال؟
كنت في رحلة قصيرة إلي باريس.
قال توفيق الحكيم:
ياأخي القاهرة من غير كمال الملاخ فاترة تفتقد إلي حيويتها وشبابها يبتسم الملاخ ويقول للحكيم.. مرسي.. المهم أنت أخبارك إيه؟
وماهي أحدث إبداعاتك؟
عرفني الأستاذ كمال الملاخ علي الفنانين فريد الأطرش ويوسف وهبي أثناء احتفاله بمرور خمسين سنة علي تأسيس مسرح رمسيس وزرناه في احتفاله في فيلته بالهرم, ومحمد عبدالوهاب وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وكل نجوم المجتمع, كان يسأل عنا دائما في الصباح عن طريق التليفون, يناقش أعمالنا ويسأل عن مشكلاتنا لو وجدت, كان يفعل ذلك مع جميع أفراد الأسرة فهو العم وكبير العائلة والأب الروحي وحلال المشكلات.
طرائف في حياة الملاخ
بعد أن حصل الملاخ علي شهادة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة وأصبح مدرسا بها, التحق بكلية ضباط الاحتياط وتخرج الأول علي دفعته, كان الدكتور محجوب ثابت وراء فكرة دفع الشباب الجامعي إلي تكوين فرق ضباط الاحتياط. والذي يعرف الملاخ يعرف مدي انضباطه ونظامه في حياته, كانت حياته كالساعة, إذا أعطاك موعدا الساعة الثامنة صباحا مثلا, فلن تجده الساعة الثامنة وخمس دقائق وهكذا.
وعن إيمانه بالنظام ودقته أحكي لكم حكاية زوجة أخيه فايزة الملاخ والدة الإذاعي الراحل فيكتور الملاخ. اتصل بي الأستاذ الملاخ صباح أحد الأيام تليفونيا.. هاللو أهلا أستاذ كمال.
إزيك ياصديقي.. أرجو أن تحجز الكنيسة البطرسية غدا الساعة12 ظهرا لصلاة الجنازة.
ومن هو الراحل ياأستاذ؟
فايزة زوجة برتي أخي..! قلت لكنها لم تمت بعد إنها مازالت في المستشفي تعالج.
قال الملاخ.. أنت كثير الكلام ليه, فايزة في ساعتها الأخيرة وعلشان كده أقول لك احجز الكنيسة!
باعتباره كبير العائلة وعمنا الكبير لم نكن نناقشه كثيرا في طلباته, حتي المستحيلة منها.. قلت له حاضر يا أستاذ كمال سأحجز الكنيسة.. وضعني الأستاذ في حرج كيف أحجز الكنيسة لصلاة الجنازة علي سيدة فاضلة مازالت علي قيد الحياة.. ثم لنفرض أنها رحلت كما توقع ولم أحجز.. ماذا يكون وضعي أمامه؟.. ذهبت للكنيسة وتفاهمت مع الموظف المختص أن هذا الحجز مؤقت, بمعني إن جاء ميت آخر فليدخل الكنيسة وتتم الصلاة عليه. استمر هذا الوضع الضاحك الباكي عشرة أيام وأنا في موقف محرج أمام المسئولين في الكنيسة إلي أن جاء الموعد المعين وأصبح الحجز فعلا ضرورة, وتمت الجنازة واسترحت من مشوار اللامعقول اليومي.
عندما توفيت حماة الصحفية بالأهرام نادية الملاخ ذهب الملاخ مساء إلي البيت يعزي ومعه تورتاية كبيرة, كان من حسن الطالع أن تفتح نادية الباب وتأخذ من عمها التورتاية وتخبئها في الثلاجة..
كمال الملاخ كان كريما جدا, ومع أنهم يقولون إن أهل أسيوط بخلاء إلا أنه كان يثبت عكس ذلك تماما, فهو دائما يدعو الفنانين والأصدقاء لتناول طعام الغداء والعشاء في نادي الجزيرة, أو مطعم جريدة الأهرام وغيره, والدعوة تكون للعشرات.
عندما حصلت ابنتي نورا علي شهادة الثانوية العامة بتفوق عام1987 قبل رحيله بأيام قليلة, كنا في احد المناسبات نستقبل ابنة أخيه عالم البترول الدكتور رجائي الملاخ في مطار القاهرة, ولما عرف الخبر قبل نورا وأخرج كل ما في جيبه ـ تسعين جنيها ـ وأعطاه لها مهنئا.. وفي احدي أعياد ميلاد الأبناء حضر الملاخ إلي البيت وبعد الاحتفال أخذ نورا وبنات خالاتها ومعهن صديقاتهن من الحضور واشتري لهن جميعا فساتين..! إنه أجود من حاتم..
بقدر انسانية الملاخ وحبه كان عصبيا أحيانا, وكان يمكن أن يعاتب أي فتاة من الأسرة تخطئ في أي شيء, ويخرج أحيانا عن المألوف.. لكنه بعد وقت غير كثير يصالح من يتعصب عليه بفستان هدية, حدث هذا مع زوجتي مني الملاخ, وشقيقاتها: أليس, وماري, ونادية, ونجوي( مرفت) ومع أصغرهما ياسمين ـ سمسم ـ التي كانت آخر العنقود..
رحيل كمال الملاخ
كان الملاخ في رحلة إلي الإسكندرية لإعطاء بعض المحاضرات هناك وعاد عصر يوم الخميس التاسع والعشرين من أكتوبر عام1987, كان الرجل في منتهي القوة والصحة وفجأة شعر بنفسه في اللحظات الأخيرة من حياته فاعتلي السرير ومد يده علي التليفون ليطلب آخر رقم وأسلم الروح.
وبعد وقت قليل كنا جميعا في بيت كبير العائلة كمال الملاخ وكان الحدث جللا, والرحيل صدمة لكل من يعرف الرجل, كمال الملاخ الكنز المليء بالعلم والمعرفة والأخلاق وكل القيم الإنسانية, انه ليس خسارة للعائلة والأصدقاء, بل لمصر كلها, وقررنا أن تكون الجنازة يوم السبت31 أكتوبر حتي يمكن للناس ولمريديه الحضور والمشاركة.
حضر القداس كل نجوم مصر وزملاء الفقيد وتلاميذه, حضر صفوت الشريف وزير الاعلام الأسبق ونجيب محفوظ وأنيس منصور ويوسف إدريس وكمال الشناوي وأحمد مظهر وصفاء أبوالسعود, وصور التليفزيون الجنازة وأذاعها مساء, كان الحضور خارج كنيسة المرعشلي بالزمالك أكثر من الحضور داخلها. وألقي الأسقف غريغوريوس أسقف البحث العلمي والثقافة القبطية للكنيسة القبطية كلمة عن كمال الملاخ العالم الإنسان, المشرف لبلده, وكان الملاخ قد طلب منا أن يصلي علي جثمانه بعد رحيله نيافة الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمي والثقافة, وكان صديقا صدوقا له.
مئات الناس كانت تبكي وتصرخ داخل الكنيسة وخارجها, ولا يريدون أن يصدقوا موت ورحيل الملاخ الإنسان المحب أسطورة العلم والكرم والشجاعة.
وأمر محافظ القاهرة أن يسير موتوسيكل أمام الجثمان وحتي مثواه الأخير في مقابر الجبل الأحمر.
مع مرور ثمانية وعشرين عاما علي رحيله هذا العام, مازال الجميع يذكرونه بالخير, ولما لا وكان له مع كل انسان حكاية وموقف انساني وقصة لا تنسي.
لا ينقصني هنا إلا أن أذكر الصحفي الكبير الأستاذ محمد صالح زميل كمال الملاخ الذي أخلص له طوال حياته, كان ساعده الأيمن, وظل معه حتي النهاية وحتي أوصله إلي مقابر الجبل الأحمر معنا, فنحن نعتبر محمد صالح أحد أفراد أسرة الملاخ.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 2
    asd22
    2015/12/25 14:15
    0-
    0+

    كان زمان ناس تحب هذا الوطن بصدق....
    العظماء لا يموتون أبدااا...العظماء حقا دائما يحبوا أوطانهم و يقدموا للأوطان....حزين عليك يا وطن
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    ابو العز
    2015/12/25 01:59
    0-
    0+

    يا سلام قامة مصرية كبيرة ..
    نذكره لعطائه ولا نذكره لمذهبه .. لترقد روحه في سلام دائم وحيث تحب ان تكون ..
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق