الخميس 13 من ربيع الأول 1437 هــ 24 ديسمبر 2015 السنة 140 العدد 47134

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

توقعات العام القادم

طارق عيد
بهدوء توقف النادل أمام المنضدة رافعاً صينيته بكفه اليسرى, و بثقة شديدة سحب الطبق الصغير بأطراف أصابعه

ليحني خصره ببطء مرخياً يده بثبات محترف ليضع الطبق الصغير أمام «هنا» معلناً عن قدوم فنجان القهوة المفضل لديها.كان الفنجان ساخناً تتصعد منه الأبخرة كأنما يزفر ألماً في ليلة شتاء برد قارس مما لفت انتباه »كامل« الذي جلس وحيداً على بعد أمتار قليلة يرمق الفنجان من طرف المنضدة المقابلة مردداً في ذاته:- ليتك تنكسر.. أنت السبب أيها الفنجان اللعين ثم بعث إلى الفنجان بابتسامة سخرية متذكراً قول العرافة قبل عقدين عندما نظرت إلى قاع فنجانه وقالت له و هو ينظر إليها بشغف بين زملائه :- أنا أرى قبعات كثيرة في فنجانك .. إنهم أغراب ستذهب إليهم و تعيش بينهم .. نجاحك سيكون عندهم .. ربما أوروبا أو أمريكا ...

لم تبد (هنا) أي اكتراث بحال الفنجان الساخن ومكثت في شرودها المزمن حتى إنتبهت إلى كتاب صغير أعلى الرفوف داخل المقهى (الكافيه)، كان الكتاب من نوعية كتب الأبراجالتي لطالما أحبتها و كانت ولعها الخاص منذ الصغر، ولكن في هذه المرة لم تنظر (هنا) إلى الكتاب بأي شغف وإنما ملأت قسمات وجهها علامات الغل و الإستحقار حتى أنها لم تتمالك فرائصها و قبضت على الفنجان الساخن بقوة كادت تخلع معها أذنه ..

إنتبه (كامل) لحركة يد (هنا) و أحس في نفسه رغبة قوية تدفعه لأن يفعل مثلها ويحييها على تلك القبضة القوية التي تمنى لو كسر معها ذلك الفنجان الحقير الكذاب .

كانت (هنا) حريصة على معرفة رأي الفلك والنجوم في مقدراتها، و كانت تؤمن بمعظم ما يدونه العلماء و الخبراء في كتب الفلك، وهذا ما جعلها توافق على الإرتباط ب(عادل), لأنه من مواليد برج (الدلو) المتوافق مع برجها (الجوزاء)، بل ورفضت (شريف) وانصرفت عنه لأنه من مواليد برج (العذراء) غير المتوافق معها..- يالها من سذاجة وغباء .. قالتها (هنا) بصوت لم يسمعه غيرها, ثم التفتت برهة إلى صفحة فنجان القهوة التي بدأ البخار المتصاعد منها يهدأ رويداً رويداً، بينما لم يهدأ حنق (كامل) الذي صرخ في نفسه:- أي أحمق هذا الذي يتزوج من سيدة أجنبية تكبره بخمسة عشر عاماً ليطير معها إلى أوروبا!.

حاول (كامل) صرف ذهنه عن الفنجان فتناول قائمة الطعام والمشروبات ومر بعينيه على كل ما فيها, ولكن فجأة ظهرت أمامه قائمة أخرى يتذكرها جيداً، بل وتمنى يوما لو لم يوقع عليها, ولكن قهر (إيما) كان لا يحتمل بعد أن اكتشف خيانتها ولم يجد بدا من طلاقها ليحافظ على شيء ما يبقى في قعر فنجان نخوته ، فسلبت منه قائمة بنصف ما صنعه طيلة سبع سنوات أمضاها كالثور مغمض العينين في حقول الريف الأوروبي .

في تلك الأثناء رفعت (هنا) الفنجان و رشفت رشفة سريعة تذوقت معها طعم البن (المخصوص) الذي عرفته في بيت جدتها و أحبته فصار أُنسها،ثم صدرته مفتونة إلى كل مكان تمكث فيه لتظل تحتسيه و تتذوق نكهته الممزوجة ببعض المرارة الممتعة التي تشبه ما ألفته من شراب تجرعته سنوات على يد صاحب برج (الدلو) .

ارتاحت (هنا) قليلاً لمذاق البن الذي تعودت عليه ،فمدت يدها ممسكة بهاتفها المحمول و أخذت تقلب بين الصور المخزنة في ذاكرته حتى استقرت على صورة طفلها (شهاب) والذي اختارت اسمه بعناية لإيمانها بأنه من أسماء السعد لبرجه الفلكي (الحمل)، ولكنه لم يحظ بحظ وفير كما حسبت، فبعد مولده بعامين انفصلت عن أبيه لعدم توافق خصالهما ولإصرار (عادل) على استضافة أمه المسنة ما تبقى من عمرها في بيتهما، فما أطاقت (هنا) انتقاداتها اللاذعة وصار الشجار شيئاً روتينياً كباب حظك اليوم يتذيل صفحات الجرائد اليومية .

عاد (كامل) إلى قائمة الطعام والمشروبات من جديد، لكن سرعان ما نحاها جانباً رافعاً هامته ينظر باهتمام بالغ صوب شاشة التلفاز التي تعرض برنامجاً يتحدث فيه أحد المنجمين عن توقعاته للعام الجديد، فابتسم مستهزئاً وتذكر يوم احتفل برأس السنة مع حبيبته الأولى (سارة) وتمنيا أن يجمعهما بيتً واحد، وكان هذا الأمر في خلديهما يكاد يكون محسوماً، فقد كشفت إحدى زميلات (سارة) عن باطن كفيهما وفكت طلاسمه وتنبأت لهما بأنهما سيكونان في بيت واحد بعد عامين وسينجبان ثلاثة أطفال، وقبل انقضاء العام الأول كانت (سارة) في بيت زوج آخر بعدما رفض أبوها زواجه منها !

لم يكن (كامل) هو الشخص الوحيد الذي لفت انتباهه حديث المنجم، فقد تابعت (هنا) كل ما يقوله بشغف وظلت تتساءل في نفسها :- ماذا عن برج الجوزاء ؟! لماذا لا يتحدث عن نصيب برج الجوزاء في العام القادم ؟!

وبينما (هنا) في حالة شغف بما يقال, لم تنتبه لحركات يدها, فصدمت بساعدها فنجان القهوة فهوى على الأرض وغطى صوت تهشمه على كل الأصوات بالمكان، فالتفت الجميع صوبها ليكتسى وجهها بحمرة الخجل، فيما ارتسمت ابتسامة عجيبة على وجه (كامل) والذي هب نحوها يحذرها أن تطأ بقدميها على البقايا الحادة المتهشمة حتى لا تنجرح، ثم قال لها بنبرة حانية يهدئ من روعها :- معلش .. دلق القهوة خير .. مالكيش نصيب فيها .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق