الثلاثاء 12 من صفر 1437 هــ 24 نوفمبر 2015 السنة 140 العدد 47104

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

النائـــب العــــام والاختفــــــاء القســـــرى

انفطر القلب عندما استمعت الى أم أخبرتنى أنها تتصل بابنها المختفى منذ اكثر من عامين على رقم هاتفه المحمول لتقول له فى كل عيد بما فى ذلك عيد ميلاده : كل سنة وانت طيب . تصمم على قول التهنئة وهى تغالب الدموع واليأس وصوت الرسالة المسجلة : هذا الرقم مغلق أو غير متاح . وكانت الأم وهى والدة المهندس حديث التخرج محمد خضر على محمد (24 سنة) قد جاءت الأربعاء الماضى من بورسعيد لتنضم الى قائمة من الأمهات والآباء تقدمت الى مكتب النائب العام الجديد المستشار نبيل صادق بما أعتقد انه أول بلاغ جماعى بشأن ظاهرة الاختفاء القسري.

لم يكن من حظ هؤلاء الآباء والأمهات لقاء النائب العام ليستمع اليهم بنفسه .لكن اصبح هناك بلاغ يحمل رقم 19763 بتاريخ 18 نوفمبر 2015 يتضمن ان مقدميه وقع عليهم أشد الآلام والاضرار من اختفاء فلذات أكبادهم وقرة عيونهم فأصابهم ذلك بالأمراض ولقى ربه من امهاتهم وابائهم من لقى وعاش فى الحزن والمرض والآلام منهم من بقى . وهذا البلاغ الجماعى يضم عشر حالات اختفى أولها فى 8 يوليو 2013 ومعظمها فى 14 أغسطس من نفس العام وآخرها فى 13 يناير 2014 . وبين هذه الحالات 3 طلاب و خريجان جامعيان و طبيب جراح و محام وترزى ومحاسب ومبيض محارة . وتتراوح اعمارهم بين 58 و 22 سنة . ووفق ماورد من بيانات فى البلاغ فان الأهالى يعتقدون أن ذويهم المختفين جرى القبض عليهم فى شوارع مدينة نصر باستثناء حالتين :واحدة امام منزل المختفى فى الزقازيق والأخرى من مدرسة خاصة بناهيا فى الجيزة.

ولقد علمت من المحامى إبراهيم متولى رئيس رابطة ذوى المختفين قسريا وهو أيضا والد احدهم أن لديه قائمة تزيد على الألف مواطن وبها معلومات مفصلة عن أهليهم وتاريخ الاختفاء وربما مكانه ومناسبته . ولكننى اعلم شخصيا بأن العديد من الاشخاص قد اختفوا حتى قبيل أحداث الحرس الجمهورى ورابعة . فالظاهرة حاضرة بالشهادات والشواهد منذ يناير وفبراير 2011. وخلف كل اسم اختفى شبكة من العلاقات الأسرية والانسانية من جيران واصدقاء وزملاء ومعارف . والأهم قصص معاناة طويلة فى التنقل والبحث عبثا بين المستشفيات والمشارح وأقسام الشرطة والسجون والنيابات .

ولا نملك إلا التشبث بالأمل مع كل هؤلاء ثقة بان النائب العام الجديد سيهتم لأنه انسان و أب ورجل قانون ولأنه تولى فى محكمة النقض مسئولية العلاقات الدولية وقام بتمثيل مصر فى محافل خارجية عدة سمحت له بالاطلاع على خطورة وحساسية ملف الاختفاء القسرى من واقع العديد من الخبرات التاريخية المهمة ،بما فى ذلك تجارب دول أمريكا اللاتينية وبخاصة الأرجنتين وشيلى . وهذا حتى لو لم تكن مصر وقعت بعد على اتفاقية الأمم المتحدة لحماية الاشخاص من الاختفاء القسرى والتى دخلت حيز التنفيذ عام 2010 .وهو أمر على خلاف حال دول افريقية منها بوركينا فاسو والسنغال و عربية كتونس . وقد نصت الاتفاقية على ان هذه الجريمة تنتهك جملة حقوق الإنسان منها الحق فى الحياة والأمن الشخصى و المحاكمة العادلة و عدم التعرض للتعذيب واساءة المعاملة. كما قررت انه لا يجوز التذرع بأى ظرف استثنائى كان ولو بحالة الحرب او انعدام الاستقرار السياسى لتبرير الاختفاء القسري.

وليس من مصلحة عاقل أو وطنى فى مصر ألا نفتح هذا الملف ونحققه ونعالجه بأنفسنا وان نسرع بالانضمام الى هذه الاتفاقية الدولية . ولأن انكار الظاهرة لم يعد ممكنا أو مقبولا بعدما شكل المجلس القومى لحقوق الانسان لجنة خصيصا اصبحت تدرس 57 شكوى تقدمت بها عائلات وفق ما ابلغنى به الصديق جورج اسحق رئيس لجنة الحقوق المدنية والسياسية بالمجلس . وقد تفضل مشكورا بأن أخطرنى كذلك بان تقريرا بهذا الشأن سيصدر فى غضون أسبوعين أو ثلاثة. و يقينا فان ماجرى هذا الصيف مع اختفاء الفتاة إسراء الطويل من كورنيش المعادى الى سجن القناطر علم به العالم بأسره . ولقد كنت لا أعرف هل يمكن ان نطلق على ماكان مع زميلنا الصحفى بأخبار اليوم محمد البطاوى اختفاء قسريا أم لا؟ . فقد ظل أهله ونقابته لأيام بعد القبض عليه فى منزله فجر يوم 17 يونيو الماضى لا يعرفان أين هو الى أن تقدم الزميل يحيى قلاش نقيب الصحفيين ببلاغ الى النائب العام السابق استخدم فيه مصطلح الاختفاء القسرى ( بحسب بيان صدر عن النقابة فى 22 يونيو الماضى ) . وربما لهذا السبب أو لحسن حظ الزميل الصحفى صدر بعدها تصريح من مصدر أمنى لوكالة انباء الشرق الأوسط يحدد مكان احتجازه.

البلاغ الجماعى أمام النائب العام الاسبوع الماضى ينضم الى عديد البلاغات الفردية السابقة. وليس أمامنا إلا ان نأمل مع ذوى المختفين قسريا أو من يشتبه فى اختفائهم على هذا النحو فى أن ينحاز ضمير الأب والقاضى المستشار نبيل صادق الى كل هذه المعانى .وأيضا الى ممارسة صلاحياته بمقتضى الدستور والقانون . وربما يتطلب الأمر من سيادته تخصيص قاضى تحقيق لاستجلاء هذا الملف برمته . ولأنه هو المحامى العام الأول عن عموم المجتمع المصرى بأسره .

Karemyehia2014@gmail.com
لمزيد من مقالات كارم يحيى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة