الجمعة 24 من محرم 1437 هــ 6 نوفمبر 2015 السنة 140 العدد 47086

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

داليا السعدني سفيرة التصميم المصرية‏:‏
التطوير العمراني في مصر عزف منفرد‏..‏
أتمني التخلي عن نموذج دبي في تصميم العاصمة الإدارية الجديدة
حوار‏:‏ هاجر صلاح
عادت لتوها من إيرلندا‏,‏ بعد مشاركتها في ختام فعاليات أحد المؤتمرات الضخمة بصفتها رئيسة المؤسسة الدولية للتصميم‏,‏ فكانت كعادتها سفيرة التصميم المصرية أمام العالم كما تم تلقيبها مؤخرا‏..‏ المهندسة المعمارية داليا السعدني لا تكتفي بحصد الجوائز الدولية في مجال العمارة والتصميم‏,‏ ورفع اسم مصر في هذا المجال‏,‏ بل قررت خدمة بلدها بشكل أكثر فاعلية‏,‏ بانشاء مؤسسة للتنمية المستدامة‏,‏ وهدفها الرئيسي خدمة الشباب‏,‏ في هذا الحوار‏,‏ تطرح داليا السعدني أفكارا‏,‏ ربما لاتتعلق بشكل مباشر بموضوع التصميم‏,‏ لكن بالتدقيق‏,‏ سنجد أنها وثيقة الصلة به‏,‏ إذ تمس ذلك الوتر الحساس الذي تؤول إليه جميع مشاكل المحروسة‏,‏ والمتمثل في غياب الرؤية والتخطيط‏,‏ أي غياب تصميم واضح للعلاج‏!‏ فإلي الحوار‏..‏ ‏

> حدثينا عن رحلتك لايرلندا ومؤتمر تطوير التصميم الذي شاركت به؟
معظمنا يحصر كلمة التصميم في مجال العمارة, لكن المشكلة الاكبر أن أغلبنا يعتقد بأن التصميم أمر ترفيهي يمكن العيش بدونه, كالماكياج, دون أن ندرك تأثيره علي الافراد والمجتمعات. فعندما نقول مثلا إننا نريد تنشيط السياحة, فهو أمر قائم من البداية للنهاية علي التصميم,بدءا من شكل الفنادق والمزارات, والاماكن غير التقليدية التي سيتم إدراجها علي الخريطة السياحية, وأشكال الدعاية من مطويات وافلام فيديو, والقنوات التي ستعرضها, وهكذا.. بل أن التصميم يدخل في أبسط الاشياء كشكل علب الألبان, فتصميمها هو العامل الرئيسي الذي يحدد تفضيل الناس لها, وليس طعم المنتج, فلنكن صرحاء, كلها متشابهة, لكن يبقي شكل العلبة وسهولة استخدامها والاحتفاظ بها بعد الفتح. لذلك عندما أجري مجلس التصميم البريطاني وهو الاكبر علي مستوي العالم, دراسة علي20 شركة تستثمر في التصميم, وجد أن انفاق1 يورو يجلب20 يورو في اليوم.. لكن للأسف هذا الفكر غير موجود في مصر, اللهم إلا في بعض شركات القطاع الخاص.
فيما يتعلق بمؤتمر إيرلندا و الذي كان يرعاه رئيس الدولة شخصيا, فكان الهدف منه نشر آهمية مجال التصميم, بالاضافة الي توظيف1800 مصمم وتكوين300 شركة صغيرة علي مدار عام, واستطاعوا تحقيق ذلك في8 أشهر فقط, وهناك قمت- بصفتي رئيسة المؤسسة الدولية للتصميم- بتكريم ايرلندا لجهودها في مجال تطوير التصميم, وألقيت محاضرة عن أهمية هذا المجال الذي يشمل أكثر مائة فرع من معمار وموسيقي ورقص وتعبئة وتغليف وأثاث ومجلات وعطور وملابس وغيرها, وحينها أدركت دهشتهم من وجود وجه نسائي مصري شاب في مجال التصميم, فكانوا سعداء للغاية, وعندما قدموني للجمهور لقبوني بسفيرة التصميم المصرية, خاصة أن اسم مصر له سحر خاص ويرتبط لديهم بالحضارة والتاريخ.
> ما الذي كان يثير فضولهم تجاه مصر؟
السؤال الرئيسي: هل أصاب مصر ما أصاب الدول العربية من دمار؟! فكنت أجيب من خلال صور وفيديوهات علي موبايلي لأريهم أن الحياة في مصر طبيعية جدا وليست كما يصورها الاعلام من انفجار للعبوات الناسفة وتفجير للسيارات المفخخة. الامر الثاني الذي حرصت علي إبرازه, هو أننا من الدول الرائدة في المشاريع القومية القائمة علي التصميم, وقدمت عرضا عن مشروع مدن القناة الجديدة والعاصمة الادارية, فعرضت الخرائط وأبرزت أهمية تلك المشروعات وتأثيرها, فحتي نجذبهم للاستثمار في التصميم في مصر, لابد أن يتعرفوا علي توجهاتنا وأهدافنا.
> اذا نستطيع القول بأن مصر استفادت من وجودك في المؤتمر؟
تواجد وجه مصري أثبت لهم خطأ تصورهم عن عدم وجود مصممين مصريين, ودائما كنت أؤكد لهم أن هناك الكثير غيري ممن هم أفضل وأمهر, وأشرت لهم إلي حجم الكومباوندز في مصر, وكيف أصبح الاستثمار العقاري علي رأس مجالات الاستثمار في مصر, فكانت دهشتهم كبيرة. وأعتقد أن ذهابنا إليهم مهم حتي يأتوا هم إلينا لاحقا, لنستفيد من خبراتهم في المشاريع المستقبلية العملاقة, وقد صرحت للاعلام هناك بأن مصر أصبحت ملعبا خصبا للإبداع, وترغب في احتضان كل الافكار الجديدة من مختلف انحاء العالم. وبرأيي: الاستثمار في العقول سيجلب باقي أشكال الاستثمارات.
> كانت لديك تحفظات علي مشروع العاصمة الادارية من حيث التصميم والموقع؟
من ناحية الموقع, يوجد كود دولي لإنشاء العواصم الجديدة, فيجب أن تبعد250 كم عن العاصمة القديمة علي الأقل, فمع الوقت سيحدث امتداد عمراني في تلك المنطقة. هذه واحدة, أما الثانية, فكأننا سننقل الاحتقان والتكدس الحالي إلي نهاية الشارع! صحيح أنني أقدر السبب الاستراتيجي والامني لاختيار الموقع وقربه من قناة السويس, لكن كنت أفضل أن نخرج من دائرة الـ7% التي نحصر أنفسنا بها. ووفقا للماكيت الذي رأيته, فهناك مباني سكنية ومدارس ومولات أي مدينة كاملة تستوعب5 ملايين نسمة, وليس فقط مدينة ادارية, أي ان الهدف هو تفريغ القاهرة من السكان.. المشكلة الحقيقية التي أتمني الانتباه لها مبكرا, هي الشخصية المعمارية للمدينة والتي لا تمت بأي صلة للعمارة المصرية أو تراثها, بل كاني رأيت مدينة دبي جديدة, التي هي في الاصل تقليد لمدينة نيويورك. والمشكلة لا تتعلق بالشكل بقدر ما تتعلق بمواد البناء التي لاتتناسب نهائيا مع بيئتنا, فمعظم أشهر السنة الان طقسها شديد الحرارة, ومع ذلك تم تصميم واجهات المباني من الزجاج الذي نستورده أصلا..أي تكلفة مادية ضخمة, بالاضافة الي تعظيم مشكلة الحرارة, أي ضرورة تكثيف التبريد, وبالتالي مزيد من استهلاك للطاقة, ومزيد من الصيانة, أي اني خلقت مشكلة لا داعي لها, وكل ذلك بسبب التقليد الاعمي.. وتصوري أن يتم الاستعانة بمواد البناء المحلية من طمي وحجر ورخام مصري, وعمل معالجات معينة للتهوية, لتخفيض استهلاك الطاقة. الامر الثاني هو التمدد الرأسي المتمثل في الابراج, رغم انه يتم التوسع في الصحراء, وبالتالي يمكن التمدد أفقيا بسهولة.
> لماذا برأيك جاء التصميم بهذا الشكل, هل بسبب الاستعانة بمصممين أجانب, أم بسبب عقدة الخواجة لدي بعض المصممين المصريين؟
ربما كلاهما, فللأسف من يحافظ من المصممين المصريين علي الشخصية المعمارية المصرية عدد قليل جدا, أو ربما يضطر للتقليد حتي يرضيالزبون, الذي تشكلت ذائقته الفنية والمعمارية وفقا لما يقدمه الاعلام والدراما باعتباره الافضل والارقي والأجمل. رغم أن بلاد العالم كلها تحافظ علي شخصيتها وتراثها, ففي إيرلندا لا يمكن أن يزيد عدد طوابق أي مبني عن خمسة أو أربعة, ويحافظون علي الشكل الخارجي المزين بالقرميد, والشوارع في إيطاليا مازالت تصنع من البازلت كما كان الحال في شوارع الاسكندرية قديما, وفي حين يحتفظ الشكل من الخارج بطابعه القديم التراثي, يكون المبني من الداخل في منتهي الحداثة.
> هل من الممكن تدارك وتلافي تلك السلبيات؟
بالطبع.. فهم مازالوا في مرحلة البنية التحتية.. أتمني أن يعيدوا الشخصية المصرية للمدينة, ليس فقط في الشكل, بل كذلك في مراعاة نمط الحياة المصرية, فالمصريون لن يستخدموا مجفف الملابس بل سيستمرون في نشر الغسيل, فكيف يكون ذلك مع الواجهات الزجاجية؟! التصميم لا يجب ان ينفصل عن الثقافة السائدة, يمكن أن يهذبها لكنه لن يغيرها.
> ما رأيك فيما تم في مشروع تطوير القاهرة الخديوية؟
مجهودات مشكورة.. لكن إذا سألتيني: هل هو كاف؟! الاجابة بالنفي.. فالتطوير لا يعني تغيير البلاط وطلاء الواجهات, وإنما يمكن اعتباره تجميلا, ربما لا توجد موارد كافية, فيضطر المسئولون للعمل وفقا للمتاح, وبالتالي تتم الاستعانة بمقاول عادي, لا يجيد التعامل مع المباني التراثية, وهو علم متخصص في الخارج. أبسط مثال أن الطلاء الجديد تم علي الطبقة القديمة, والتي هي أصلا متهالكة, ومع الوقت ستسقط, فتأخذ الطبقة الجديدة معها! كذلك البلاط الاسمنتي عمره الافتراضي عامين علي الاكثر.
وعن نفسي لم اكن أفضل أن يشمل التطوير مساحة واسعة, بل أن يتم بشكل مدروس ولو في شارع واحد, والتطوير الحقيقي يجب أن يشمل منظومة المكان بأكمله, فاغلق شوارع معينة وأحولها للمشاة فقط, وأوحد واجهات المباني والمحلات, واختار شكلا معينا للافتات الارشادية بحيث يكون هناك طابعا مميز للمكان بأكمله, وأعيد الحياة لمعالم المنطقة المعروفة والمميزة له, أين جروبي الآن ؟! في النهاية لا ألوم أحدا. النية حسنة لكن الأدوات غير متوفرة.. لذلك أدعو لتخصيص الموارد المادية اللازمة لمحافظة القاهرة للاستثمار بشكل أكبر في منطقة وسط البلد بحيث يمكن تحويلها الي منطقة إدارية وسياحية.
> هل كنت مع هدم مبني الحزب الوطني؟
لم أكن مؤيدة لهذا القرار, خاصة أن التقارير أكدت سلامته الانشائية, وبهدمه نكون خسرنا ثروة عقارية كبيرة. كان من الممكن أن يعاد توظيفه, ويفرغ من الداخل, وكنا سنحصل علي مبني جديد تماما بعد تغيير الواجهات وإعادة تصميم البروزات. المشكلة أن التخطيط والتطوير العمراني في مصر مسئول عنها ستة كيانات, وكل منها يعمل بعزف منفرد بتوجه خاص والنتيجة, يحدث تخبط وتعارض أحيانا والجمال العمراني يأتي بالصدفة.
> أخيرا.. ماذا عن مؤسسة أسدي التي تم إشهارها مؤخرا؟ وما هو أصل التسمية؟
التسمية من الفعل أسدي أي يسدي معروفا, وهي مؤسسة أهلية غير هادفة للربح, فكرت في إنشائها حتي أتمكن من خلالها إكمال ما بدأته من مشروعات ومبادرات تحت مظلة كيان متماسك, وهي معنية بستة مجالات, هي تشغيل الشباب وتدريبه وإتاحة فرص عمل له, وكنت قد بدأت ذلك من خلال لقاءاتي بشباب جامعتي بورسعيد و الاسكندرية ضمن مبادرتي مستقبل شباب مصر,والآن أسعي لتطبيق نموذج إيرلندا بالتعاون مع المؤسسة الدولية للتصميم, وللأسف يتخرج لدينا سنويا36 ألف مهندس,وأتساءل لماذا يتم قبول كل تلك الأعداد, مادامت الدولة غير قادرة علي توفير فرص عمل لهم, ولذلك أطمح في توفير كل ما يحتاجه طلاب الثانوية العامة لمساعدتهم في اختيار الدراسة المناسبة لهم والتي ستتيح لهم العمل بعد التخرج.
> ماهي باقي مجالات عمل المؤسسة الاخري؟
نهدف إلي ايجاد سيدات منتجات, وتحديدا في مجال الحرف التقليدية, وايجاد سوق لمنتجاتهن في الخارج, بالاضافة الي مشروع وجه مصر الذي يهدف لتوحيد الشخصية المعمارية للعمران في مصر, بالتعاون مع أساتذة الجامعات المتخصصين, وبالطبع ستكون معنية بمجال التصميم والابداع, من خلال بينالي القاهرة للتصميم الذي بدأ دورته الاولي في العام الماضي, ويعني بتجميع المصممين المصريين في مختلف مجالات التصميم, وأخيرا مجال القيم, بمعني محاربة السلوكيات والقيم السلبية لدينا, من خلال حملات إعلانية, وأفلام وثائقية. أطمح إلي إعلاء الذائقة الفنية والاحساس بالجمال لدي المصريين من جديد, فما فائدة تطوير وتجميل الشوارع ثم نأتي بسلوكياتنا لنخربها ونقضي عليها, وسأعتمد علي تحقيق أهداف المؤسسة علي بـThinktank مركز تفكير, مكون من خبراء في كل المجالات بعيدا عن أي صبغة سياسية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق