الأربعاء 20 من شوال 1436 هــ 5 أغسطس 2015 السنة 140 العدد 46993

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

نخاع المقاومة:
قناة السويس والإبداع فى الصحافة والفنون والآداب

د. محمد عزالعرب
ملخص الحلقة السابقة ركزت حلقة "مباراة كاملة: التأميم.. استعادة الحقوق وتمويل السد" على أن ثمة تأثيرات استراتيجية لقرار تأميم قناة السويس على الداخل المصرى، أبرزها استعادة الإيرادات من القناة التى نهبتها القوى الاستعمارية، بما يمكن توظيفها فى تحقيق الأهداف الوطنية،

 بحيث كان مشروع السد العالى أحد المشروعات الرئيسية فى اتجاه إنجاز التنمية الاقتصادية وتطوير الإيرادات المائية والحماية من ويلات الجفاف وجموع الفيضان وتوليد الكهرباء وتطوير الصناعة، بما جعله مشروعا شعبيا قوميا لتغيير مصير ومسار مستقبل بلد بأكمله، وهو ما يبرر اختياره كأعظم مشروع بنية أساسية فى العالم فى القرن العشرين.




"إذا كانت الحاجة هى أم الاختراع، فإن الحرية هى أم الإبداع".. هذه المقولة تعكس حال الإبداع المصرى بعد ثورة يوليو 1952 وقرار تأميم قناة السويس، وهو ما ظهر جليا فى مقالات صحفية وأعمال مسرحية وروايات أدبية وأعمال سينمائية وأفلام تسجيلية ودراما تليفزيونية وأغنيات وطنية، وهى لشخصيات برزت فى مجالات مختلفة، وفى توقيت واحد، على نحو ما تجسد فى مواهب محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين وإحسان عبدالقدوس ويوسف إدريس وصلاح جاهين ومرسى جميل عزيز وكمال الطويل ومحمد الموجى وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وعبدالرحمن الأبنودى، والتى تشكل فى مجملها مدارس إبداعية جديدة تعبر عن مطامح جيل جديد وطبقة جديدة فى البلاد، بما أهلها لأن تقود "نخاع المقاومة والتحدي" للشعب المصري.

هذه هى الفكرة المحورية التى يدور حولها فصل "قناة السويس والإبداع فى الصحافة والفنون والآداب" الذى كتبته د.إيمان عامر أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، بالاشتراك مع أ.أحمد السماحى الكاتب الصحفى بالأهرام، ضمن فصول كتاب "قناة السويس: التاريخ والمصير والوعد"، وهو إصدار تذكارى علمى تحليلى وثائقى تقدمه مؤسسة الأهرام لقارئها بمناسبة افتتاح قناة السويس الجديدة، وكتب التقديم له الأستاذ محمد حسنين هيكل وشارك فى كتابة بقية فصوله أ.أحمد السيد النجار، الخبير الاقتصادى ــ رئيس مجلس إدارة الأهرام، ود.عماد أبوغازى، الأستاذ بكلية الأداب بجامعة القاهرة، وأ.سيد إبراهيم غبيش الذى قام بتجميع أكبر عدد من الوثائق الخاصة بالقناة.

وينطلق المؤلفان د.إيمان عامر وأ.أحمد السماحى من إبراز مدى تأثير القناة فى الوجدان الشعبى المصري، عبر أعمال صحفية وأدبية وفنية مختلفة، شملت الصحافة والكاريكاتير والفنون التشكيلية والمسرح والرواية والسينما والمسلسلات والشعر والزجل والأغنية، إذ إن الإبداع هو رفيق الألم. فمن المعاناة ينظم الشعراء قصائدهم ويسطر المبدعون مؤلفاتهم ويكتب الصحفيون مقالاتهم، لاسيما أن مشروع حفر وتأميم وإغلاق وإعادة افتتاح وتطوير قناة السويس كان مليئا بالصعاب، وسجل حالة كفاح ممتدة مر بها المصريون، فى أزمنة متعاقبة، استطاعت أن تفرز شخصيات يجمعها الحب العميق والتقدير الفائق للتحرر والاستقلال، أو "أقصى عقوبة فى حب الوطن".

وهنا، تمثل قصة القناة مكانة محورية فى الضمير الإنسانى عموما، وفى الوجدان المصرى خصوصا، وهو ما يبرز جليا فى مصادر وكتابات تقليدية وغير تقليدية، فالتاريخ الرسمى لقناة السويس تناولته العديد من الدراسات بمختلف اللغات، أما التاريخ الشعبى فهو ما نوَّد إبرازه من خلال بعض صورٍ وأعمالٍ أدبية وفنية تعطينا صورة أوضح عما تعنيه القناة فى وجداننا، صورة أقل رسمية وأكثر حميمية.


 

1- الصحافـة:

صبيحة إعلان تأميم القناة خرجت الصحف المصرية لتنقل ردود الأفعال العالمية تجاه التأميم فرصدت اجتماع إيدن بكبار القادة العسكريين البريطانيين والاتفاق على اجتماع وزيرى خارجية بريطانيا وفرنسا، إضافةً إلى المناقشة العاصفة التى حدثت بين سفير مصر فى باريس ووزير خارجية فرنسا.

وكتب أنور السادات مقالًا للتعليق على هذا الخبر بعنوان «قادر وفاجر»، حكى فيه كيف فقد وزير خارجية فرنسا رشده أمام سفيرنا فى باريس، كما احتج فيه على تصريح انجلترا بأن حرية الملاحة فى القناة أصبحت مهددة بعد التأميم؟! وتساءل: «إنى أسأل المُغالِّط إيدن كيف أصبحت حرية الملاحة اليوم فى خطر والقناة فى مصر منذ قامت الثورة وتحت سيطرة مصر منذ قامت الثورة فهل تصور الحصيف إيدن أن جنوده الذين كانوا على القنال هم الذين يحمونها؟! إذا تصور هذا فهو أحمق... وأما أن هذا القرار تعسفى فإن ذلك أمر يدعو إلى السخرية والهزء... وعلى ما يقول المثل العامى عندنا قادر.. وفاجر!!».

وفى مقال آخر بعنوان «خطة القراصنة» استعاد السادات خطة جلادستون رئيس وزراء بريطانيا للاستيلاء على أسهم مصر فى القناة كجزء من خطتها للاستيلاء على مصر. وفى مقال ثالث بعنوان «انبشوا قبوركم» تذكر السادات خطة دزرائيلى رئيس وزراء انجلترا للحصول على أسهم مصر فى القناة وقال: «لقد نبشت الديلى إكسبريس بالأمس قبر دزرائيلى لأنه لم يعمل حساب ظهور عبد الناصر وقت أن عقد الصفقة. وأنا أنصح الديلى إكسبريس أن تنبش كل قبور رؤساء وزراء بريطانيا الاستعماريين لأن البناء الذى أقاموه على جماجم وحريات وأرزاق الشعوب يتهاوى اليوم كأوراق الخريف أمام إرادة الشعوب».

وكشف السادات عن رغبة بريطانيا فى قتل وتجويع الشعب المصرى بمحاولاتها منع مصر من بناء السد العالي، وإخضاعها بالقوة نتيجة لعقدة خبيثة أتلفت نفوسهم ودفعتهم إلى الجنون بعد تأميم القناة. ثم سأل فرنسا وانجلترا عما تدعيانه من قيام الحلفاء الغربيين بعمل مشترك للرد على التأميم حتى يكونوا ضامنين للحق والعدالة؟! رغم قيام حزب العمال فى بريطانيا بتأميم صناعة الصلب والمواصلات وكثير من المرافق. وأثبت فى مقاله أن ما يطالبون به لأنفسهم ينكرونه علينا.

وفى مقال لكامل الشناوى بعنوان «بأظافرنا حفرناها» احتج على موقف انجلترا وفرنسا من التأميم، وذلك على بطلان مزاعمهما بأن الملاحة فى القناة سارت طبيعية ولم تتأثر بقرار التأميم واقتبس عبارة من خطبة التأميم لعبد الناصر بأن «القناة قطعة من مصر، ندافع عنها ونحميها إلى آخر قطرة من دمائنا». ويقول: «إن التأميم جعل القناة لمصر، القناة التى حفرها آباؤنا بأظافرهم وبنوها بجماجمهم وخسرت فيها مصر ملايين الجنيهات طوال مائة عام. إن الماء الذى يجرى فى القناة ليس ماءً خالصًا، إنه ذوب عرقنا ودمائنا، ولقد آن أن يتحول العرق والدم إلى سد عال يتدفق فيه الرخاء لبلادنا ويرفع عنها غوائل الاستعمار».

ليتنى مصرية!

وفى مقال أحمد الصاوى محمد رصد رد فعل الشعب المصرى بل والعربى أيضًا فى مؤازرة قرار التأميم وعودة الحق لأصحابه، حتى إن بعض الأجانب تأثروا بخطاب التأميم، فيذكر الصاوى أنه رأى سيدة مالطية تحمل الجنسية الإنجليزية وقالت: «ليتنى كنت اليوم مصرية لتتضاعف فرحتى ويتضاعف كبريائي». فيذكر أحمد الصاوى فى مقالٍ آخر ثقته فى شعب مصر ومقدرته ووطنيته وموارده المادية والمعنوية معًا، «لو دقينا شوية زلط وكسرنا شوية طوب! أجل سنبنى بها السد العالي».


 

أما الدكتور طه حسين فكتب يعترف باعتزازه وإيمانه بالسياسة الخارجية المصرية كما لم يؤمن أو يعتز من قبل، ويرى أن ما تخوضه البلاد فى تلك الأيام بمثابة مغامرة جديدة لامتحان مصر كما سبق وامتحنت بالاحتلال البريطانى من قبل، ويدعو كل مصرى لترديد عبارة «عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان» حتى يعبر هذا الامتحان العسير الذى يفرضه الغرب علينا «فليس المرء وحده هو الذى يُكرم أو يُهان وإنما الشعوب أيضًا تُهان أو تُكرم عند الامتحان».

أما محمد حسنين هيكل فمضى يسأل السير أنتونى إيدن رئيس وزراء بريطانيا عما طالب به أمام مجلس العموم البريطانى بأن يكون هناك إشراف دولى على قناة السويس بوصفها معبرًا مائيًا يهم العالم كله، ومضى يسأل «ماذا عن جبل طارق؟!، ماذا عن باب المندب؟ ماذا عن الدردنيل؟ ماذا عن قناة بنما؟ أليست كلها مضايق أو معابر تهم العالم كله؟ لماذا إذن لا يطالب لها سير أنتونى إيدن بإشراف دولي؟! يريدون إشرافًا دوليًا على الملاحة فى القناة باعتبارها معبرًا مائيًا يهم العالم كله... نعدكم أن نفكر ولكن على شرط... شرط واحد صغير وهو أن توضع جميع المعابر المائية فى العالم وجميع المضايق تحت إشراف دولي، جبل طارق وباب المندب والدردنيل وبنما. بعدها وليس دقيقة واحدة قبلها نعدكم بأن نفكر فى أن تكون القناة تحت إشراف دولي».

وفى مقالٍ آخر بعنوان «رقعة على بنطلوني» يقول هيكل: «سأضع رقعة على بنطلونى حين ينحل! سأضع رقعة على كم سترتى عند الكوع إذا بلى وتمزق! حتى لا أدفع مليمًا واحدًا فى صوف إنجليزى... فلنمتنع عن استهلاك أى شىء تصنعه بريطانيا التى جمدت الأرصدة الإسترلينية لمصر ولنرد لبريطانيا عقابها المزعوم! كسادًا وبوارًا ووقف حال!..ودعونا نطبق هذا الإجراء أيضًا على فرنسا.. فرنسا بائعة الأزياء.. بائعة العطور.. بائعة الشمبانيا.. بائعة الهوى!!».

كلنا عبدالناصر

أما إحسان عبد القدوس فجاء مقاله (هذا الرجل هو الشعب) مقارنًا بين ما حدث فى أعقاب تأميم الدكتور مصدق بترول عبدان، وكيف أوقعت قوى الامبريالية بين الشعب ومصدق للقضاء على قرار التأميم وكيف استخدمت الجنرال زاهدى ليحقق خطتها وكتب مُعلِّقًا: «ولكن أمريكا وبريطانيا لن يجدا - زاهدى - آخر فى مصر، لن يجدا فى مصر إلا رجلًا واحدًا.. هو الزعيم.. وهو الشعب.. هو جمال عبد الناصر.. وكلنا جمال.. كلنا هذا الرجل.. هذا القلب.. هذا العقل.. هذه الإرادة».

2- الفنون التشكيلية:

جذبت قناة السويس اهتمام الفنانين التشكيليين الذين تفاعلوا مع نبض الشعب فعبروا عن هذا التفاعل من خلال رسوماتهم وأعمالهم الفنية، ويقتنى متحف الفن المصرى الحديث عملين من أهم الأعمال التى عبرت عن قناة السويس، افتتاحها والذى عبر عنه الفنان عبد الهادى الجزار عام 1965 فى عمل بالألوان الزيتية عرضه 183.5 سم وارتفاعه 301.5 سم جسد فيه ملحمة تاريخية قام بها أبناء الشعب المصرى فى إنجاز هذا الممر المائى الدولى المهم.

وإذا عدنا إلى الوراء عدة سنوات نرى كيف أبدع الفنان محمود سعيد فى رسم وقائع الاحتفال بافتتاح القناة فى لوحة رسمها عام 1947 ضمت مجموعة من الشخصيات العالمية الشهيرة التى حضرت افتتاح هذا الحدث العالمى مع الشعب المصري، وقد جسدها بأسلوبه النحتى وكثافة اللون والظل ووضع شخوص اللوحة حسب أهميتها فى البعد المنظورى للعمل، وتبدو قناة السويس فى الخلفية تزخر بالسفن حاملة أعلام الدول المختلفة.

3- المسـرح:

تمثل الأعمال المسرحية جانبًا مهمًا من جوانب التفاعل مع الوجدان، وقد برزت أهم تلك الأعمال بعد ثورة يوليو 1952 وبخاصة خلال فترة العدوان الثلاثى كواحد من أهم تداعيات تأميم القناة.

كورباج أفندينا

كانت بداية الأعمال المسرحية التى قدمت بعد ثورة 1952 مباشرة، وتعبر عن سخط الشعب المصرى على الخديو مسرحية «كورباج أفندينا»، من تأليف رشاد حجازي، وإخراج نبيل الألفي، وبطولة (محسنة توفيق، فاطمة عمارة، أبوالفتوح عمارة، محمود صبحي، أمينة شريف، صلاح المصري)، وتدور أحداثها حول كفاح الشعب المصرى ضد الاستعمار الإنجليزي. وقد طلبها الرئيس جمال عبدالناصر عام 1956 ليُعرض فصل منها فى حفل توديع الضباط قبل ذهابهم لتأميم القناة، مع فصل آخر من مسرحية «الأيدى الناعمة» التى ترمز لأيدى الباشاوات، وتدعو للثورة على استغلالهم وطبقيتهم، والمسرحية كانت لتوفيق الحكيم وإخراج يوسف وهبي.

كفاح الشعب

كان العمل الوطنى الثانى الذى عرض عقب قيام الثورة مباشرة «كفاح الشعب» من تأليف محمود شعبان وأنور فتح الله، إخراج نبيل الألفي، بطولة (عبدالرحيم الزرقاني، محمد السبع، برلنتى عبدالحميد، سعيد أبوبكر، عدلى كاسب)، والذى عرض عام 1952، حين تصدت لانفعال خاص بالمقاومة الشعبية فى مدن القنال، وكانت أول مسرحية مثلت على مسرح دار الأوبرا، كما أنها المسرحية التى فتحت أبوابها للجمهور مجانا أثناء العدوان الثلاثى على مصر فيما بعد.

صوت مصر

ألفها ألفريد فرج، وكانت تتناول حركة المقاومة الشعبية فى بورسعيد - أيام العدوان الثلاثى الغادر عليها - وتوضح كيف تصهر المعركة الأفراد فى بوتقتها، وتغير مفهومهم السياسى والاجتماعي، وتوحد بين القلوب، وتحفز المشاعر، وتشحذ الهمم، كما تعكس صورة التفانى فى الدفاع عن أرض الوطن من جانب الرجال والنساء على السواء.

معركة بورسعيد

هى مسرحية تتكون من ثلاثة فصول، الفصل الأول هو «صوت مصر»، والثانى «مش هانسلم» من تأليف محمد عبدالرحمن خليل، إخراج فتوح نشاطي، والثالث «حياة الخيانة» لنعمان عاشور، إخراج نبيل الألفي، وتأتى أهمية هذا العرض نظرا إلى الروح الثورية النضالية التى اتسمت بها النصوص الثلاثة، والتى كتبها ثلاثة كتاب شباب فى هذا الوقت، وتلك الروح الحماسية التى تمتع بها جميع المشاركين فى تقديم هذه العروض التى عبرت عن صمود الشعب المصرى فى مواجهة العدوان الثلاثى على مصر، وشارك فى البطولة (أمينة رزق، حسين رياض، سناء جميل، عمر الحريري، فاخر فاخر، كمال حسين، فاروق سليمان).

4- الروايـة:

ولكى نرصد الوجدان الجمعى المصرى تجاه التأميم، ليس لدى المصريين فقط، ولكن من عاشوا فى مصر وذابوا فى كيانها، لابد أن نتذكر العمل المهم للأديب اليونانى العالمى «ستراتيس تسيركاس» الذى عاش فى مصر فترة طويلة وألف روايته «نور الدين بومبة» والتى ترجمت للعديد من اللغات بمناسبة تأميم القناة، مستعرضًا فيها الحركة الوطنية المصرية تجاه استغلال الأجانب لمصر، وقد ترجمها إلى العربية «ينى ميلاخرينودي».

والتحليل الذى تتضمنه القصة يؤدى من وجهة نظر أجنبيين عاشا فى خضم أحداث هذا المجتمع المصري، فهما ينتقدان الاحتلال البريطانى لمصر والاستغلال الأجنبى لها، ففى هذه القصة نرى ملحمة شعب يناضل من أجل حريته. وقد كان نور الدين بومبة مجرد مواطن عادي، ولكن بسبب اعتداءات الإنجليز واستفزازاتهم يتحول من مجرد مراكبى مسالم إلى إنسان ينتقم لشرفه وعرضه، ويلتحم انتقامه الشخصى بالأحداث الوطنية التى مر بها الشعب كله لنيل استقلاله، ويصبح نور الدين فى النهاية بطلًا يقسم الناس باسمه، حتى إنهم ظلوا يرفضون التصديق بأنه مات رغم أن الإنجليز أعدموه بالفعل، وذلك لأن الشعب يمضى متشبثًا بالرمز والأمل. ويؤكد الكاتب فى قصته حبه لهذا الشعب ومشاركته لقلقه وتطلعاته وأحلامه، فهو ليس نضالًا مصريًا فحسب، بل هذا نضال الشعوب المحبة للحرية والسلام بأجمعها.

أما رواية إحسان عبد القدوس «لا تطفئ الشمس»، والتى كتبها فى جزءين، فقد جعل من بطلها «أحمد» رمزًا يمثل جيل الفترة الملكية وكيف تحول من السلبية إلى الالتحام مع التيار الثورى والتطوع فى المقاومة الشعبية والاندماج مع الحركة الفدائية فى أعقاب تأميم القناة.

دولة داخل دولة!

وقدَّم يوسف السباعى فى رواية «نادية»، بجزءيها، الرؤية المصرية لتأميم القناة على لسان البطلة نادية، مصرية الأب فرنسية الأم، وهى تناقش أصدقاءها الفرنسيين فى فرنسا حول مشروعية وأحقية مصر فى القناة. فعندما استمعت نادية إلى خطاب عبدالناصر عبر الأثير وهى فى فرنسا وهو يعلن تأميم شركة قناة السويس، دهش أحد أصدقائها «جابي» وسألها: لماذا تؤممون القناة وهى ملككم؟ فردت عليه بأنها «كانت ملكنا اسمًا ولكنها ملك الناس كلهم عدانا فعلًا... لقد كانت دولة داخل دولة!».

ورغم أن معظم الروايات التى ظهرت فى تلك الفترة تم إنتاجها كأفلام فى فتراتٍ لاحقة، فإن الروايات كانت أكثر تأثيرًا وقت صدورها.

5- السينما:

يعد الفيلم تاريخيًا إذا ما صوَّر الأحداث التاريخية التى وقعت فى مرحلة أو أكثر من مراحل التاريخ، كما أنه الفيلم الذى يعرض سيرة بطل من أبطال التاريخ. ولعل الخديو إِسماعيل وعصره قد لقيا بعض الاهتمام من السينما، ولكن بشكل عكسي.

ألمظ وعبده الحامولى

صور هذا الفيلم الخديو كشخصية شريرة مبتذلة شهوانية. فالفيلم محاولة صريحة لإدانة أسرة محمد عليّ والتقليل من أهمية إنجازاتها، وتصوير لواحد من حكامها البارزين على أنه زير نساء، ويعكس ذلك المنظور السياسى للفيلم أكثر من التاريخ.

وبداية الفيلم تعكس رؤية السينما للخديو فبينما هو (حسين رياض) يجالس إحدى الجميلات يأتيه ديلسبس حاملًا عقد قناة السويس ليفاوضه بشأنه، بينما يرى الخديو أن مجالسة فتاته أهم من مفاوضة ديلسبس، ويبدو من هذا الأمر مدى محاولة الفيلم للتقليل من منجزات إِسماعيل. ولم يحاول التعرف على منظوره الحضارى ولا على منطوقه الإنسانى أو العقلاني، ولعل هذا المنظور لعائلة محمد عليّ يوضح محاولات الثورة تغيير صورة التاريخ تمامًا، خاصةً المتعلق بأسرة محمد عليّ وطمس منجزاتها قدر الإمكان. ولكن من الضرورى أن نذكر أيضًا ارتباط شخصيتى سعيد واسماعيل بانهيار الاقتصاد المصري، وتدفق الأجانب على مصر وفقدان مصر لأسهمها فى القناة، وتورطها فى القروض وكل التداعيات التى أدت إلى فقدانها استقلالها.

شفيقة ومتولى

حتى نستطيع بيان مدى تأثير القناة فى الوجدان الشعبى المصري، نذكر كيف تم إدخال مسألة القناة والمعاناة التى عاناها المصريون من جراء حفر القناة فى الملاحم الشعبية التى تحولت إلى أفلام سينمائية ومنها فيلم «شفيقة ومتولي». فنحن فى هذه القصة نرى المعذبين فى الأرض من الفقر والحاجة، حيث تدور الأحداث فى الصعيد، حين يطلب متولى للتجنيد ضمن آلاف الأفراد من قرى مصر لحفر قناة السويس.

فى لقطات مؤلمة ومحزنة نرى كيف يجرى أبناء القرية، بينما تسقط الحبال على رقابهم وأيديهم لتسوقهم مكتوفين إلى أماكن السخرة وحفر القناة، ورغم العدد الهائل الذى تم جمعه يصرخ أحد المكلفين بجمع الأنفار فى شيخ البلد: «كمان.. كمان»، فيرد شيخ البلد: لم يعد هناك فى البلد غير الولايا.. هاتاخدوهم؟!! وتبقى شفيقة وحدها حتى تدفعها إحدى نساء القرية لمصاحبة الطرابيشى بك صاحب العزبة، أحد أعوان الاستعمار، وتدرك أنه ليس إلا سمسارًا لتجنيد الأنفار لحفر القناة وهو الذى أخذ أخاها متولى إلى هناك. ونرى عبارات توضح معاناة شفيقة عندما تقف لتتأمل الأفق من بعيد فتخاطبها واحدة من نساء القرية «بتبصى على إيه ياشفيقة هو اللى بيروح فى حبالهم بيرجع ثاني؟».

كما يُظهر الفيلم معاناة المجندين فى السخرة وسخطهم على ما يقوم به الفرنسيون من استغلال لكل إمكانيات البلاد من أجل حفر القناة، وفى حوار بينهم يتحدث هؤلاء عن العبيد الذين أحضرتهم فرنسا من السودان عبر درب الأربعين ليشاركوا فى حفر القناة (بدل اللى ماتوا فى الوبا) ويقول أحدهم ملخصًا كل ما يعرفوه عن مسألة القناة: «الفرنساويين جايبنهم ما هى القنال بتاعتهم والانجليز واقفين لهم بالمرصاد زى ناقر ونقير عايزين يلهطوا هما كمان من الأنجر».

ناصر 56

يمكن تناول الفيلم من منظور سياسى حول قرار مصيرى أعلنه عبد الناصر، وهو تأميم القناة. وتبدأ أحداث الفيلم بلحظة تاريخية فى يوم الجلاء البريطانى عن مصر 18 يونيو 1956 وقيام عبدالناصر بإنزال العلم البريطانى ورفع العلم المصرى لأول مرة فوق مبنى البحرية، ولكن رغم جلاء الإنجليز نجد أحد العاملين فى هيئة قناة السويس يقابل عبد الناصر ويخبره أنه قد تم طرده من الشركة، فيشعر عبد الناصر أنه لا يزال هناك إنجليز فى الوطن يتمثلون فى سيطرتهم على الشركة.

ويسجل الفيلم مشاهد عديدة تسجيلية تعكس كيف بدأت الفكرة فى قلب وعقل عبد الناصر، وكيف صارت قابلة للتطبيق. كما أن الفيلم مزج بين الواقع والخيال فهناك شخصية الأم الصعيدية التى تأتى بكفن أحد أبناء القرية الذين استشهدوا أيام حفر القناة لعبد الناصر الذى ثأر لهم أخيرًا. ولعل ذكاء عنوان الفيلم يعكس الحالة التاريخية فى تلك الآونة، فقد رأى البعض أنه يعنى بأن الرئيس يعيش تلك الأيام باعتبار أنها مصيره ومصير الوطن معًا. وربما كان العنوان يعنى أن المؤلف اختزل تاريخ عبد الناصر كله فى قرار التأميم عام 1956، وذلك يعنى ما لهذا القرار من أهمية كبرى فى تاريخ عبد الناصر إن لم يكن الأهم على الإطلاق.

«بورسعيد»

يعد من الأفلام التى قدمت فى ظل العدوان الثلاثى على مصر بعد تأميم قناة السويس. ويرصد الفيلم المقاومة الشعبية لأهل القناة ضد العدوان الغاشم، وشبكة الجاسوسية التابعة للمخابرات الإنجليزية. وكانت تعمل بها الفتاة «بات» والتى قامت بدورها «ليلى فوزي». ويقود «الأُومباشى طلبة» والذى قام بدوره «فريد شوقي» مجموعة المقاومة. وتدور الأحداث ما بين التصدى العظيم من رجال المقاومة للعدوان والمؤامرات الدنيئة التى يقودها الخونة والجواسيس.

الفيلم تم تقديمه بناء على طلب من الزعيم جمال عبدالناصر الذى اجتمع فى مكتبه مع الفنان فريد شوقي، وطلب منه تقديم فيلم وطنى عن كفاح مدينة بورسعيد ومدن القناة، ووفر له كل الإمكانيات الحربية التى تسمح بتقديم فيلم مشرف عن نضال هذه المدينة الباسلة. وعندما سأله الراحل فريد شوقى عن سر اختياره له تحديدا لتقديم هذا الفيلم، رد عليه الزعيم ضاحكًا: لأنك نجم جمهور الترسو ووحش الشاشة، وأنا يهمنى معرفة الجمهور البسيط العادى بكم التضحيات التى خاضها شعب بورسعيد ضد الاحتلال.

أبناء الصمت

تناولت أفلام حرب أكتوبر التى قدمت بعد الانتصار مباشرة مجموعة من البطولات التى حققها جنودنا وأبطالنا على خط القناة، من هذه الأفلام يأتى فيلم «أبناء الصمت» الذى تبدأ أحداثه فى 22 أكتوبر 1967، حيث أغرق المصريون المدمرة «إيلات» الإسرائيلية، مما أصاب جنود العدو بالجنون، فقام بضرب مدينة «الزيتية» بالسويس، ومن هنا تبلغ حرب الاستنزاف ذروتها مع العدو الإسرائيلى، والجنود على حافة القناة، يقومون بإنزال خلف خطوط العدو فى سيناء، ويعد هذا الفيلم ملحمة من ملاحم النضال فى تاريخ الشعوب المكافحة، واستمرت هذه العمليات مع هؤلاء الجنود الفدائيين إلى يوم العبور فى 6 أكتور 1973 وتحطيم خط بارليف، ويرصد الفيلم تحركات وحياة مجموعة من الجنود فى مدن القناة مع قائدهم.

أفلام توثق عبور القناة وانتصار أكتوبر

لا يمكن ونحن نتحدث عن أفلام حرب أكتوبر، والتى قدمت تضحيات أولادنا الأبطال على خط النار، وفى مدن القناة، أن ننسى فيلم «الرصاصة لا تزال فى جيبي» قصة إحسان عبدالقدوس، سيناريو وحوار رأفت الميهى - رمسيس نجيب، وإخراج حسام الدين مصطفى، من بطولة نجوى ابراهيم، محمود ياسين، حسين فهمي، يوسف شعبان، وأيضا فيلم «الوفاء العظيم» بطولة نجوى ابراهيم، محمود ياسين، سمير صبري، كمال الشناوي، وفيلم «بدور» بطولة نجلاء فتحي، هدى سلطان، محمود ياسين، محمد رضا.

حكايات الغريب

من الأفلام التى حققت نجاحًا كبيرًا رغم أنه فيلم تليفزيونى «حكايات الغريب» الذى قدم عام 1992، وتدور أحداثه فى مدن القناة خاصة السويس، ويحكى ملحمة وطنية تتضمن أحداثًا تاريخية مابين نكسة 1967، وعبور 6 أكتوبر 1973. والفكرة الجوهرية فى الفيلم هى أن مصر التى استنهضت كل همتها ووطنيتها وقدرات أبنائها على التضحية والفداء لاستعادة الأرض المحتلة والكرامة فى حربها الوطنية، قد غابت بعد تلك الحرب، وهى صرخة من كاتب وطنى كبير لاستعادة روح الوطنية والصمود والبطولة التى تجلت فى انتصار أكتوبر العظيم وبخاصة فى الدفاع الشعبى الأسطورى عن مدينة السويس. والفيلم قصة الأديب الكبير جمال الغيطاني، سيناريو وحوار محمد حلمى هلالي، إخراج إنعام محمد علي، بطولة محمد منير، شريف منير، محمود الجندي، هدى سلطان.

18 فيلما تسجيليا توثِّق لتاريخ القناة

سجل المخرج «مجدى الهواري» الذى يعكف حاليًا على الإعداد لفيلم وثائقى عن قناة السويس الجديدة، بعنوان «الحلم المصرى العظيم»، اسمه فى سجل مخرجى الأفلام التسجيلية الذين قدموا أفلامًا عن قناة السويس، الهوارى وفريق عمله يواصلون تصوير مشاهد الحفر والتجهيز للمشروع الجديد، حيث من المقرر أن يتضمن الفيلم كل الأحداث المهمة فى المشروع من لحظة إشارة البدء التى أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي، مرورًا بعمليات الحفر والتجهيز للقناة، وصولًا إلى الافتتاح الرسمى لها، وحتى مرور أول سفينة فيها.

وفيلم «الحلم المصرى العظيم» لم يكن أول الأفلام التسجيلية التى قدمت عن قناة السويس، فقد سبقه فى الماضى مجموعة ربما تكون قليلة فى عددها لكنها تبقى متميزة على مستوى القيمة الفنية والتاريخية، فرغم عدم جماهيرية السينما التسجيلية بالنسبة لمعظم أفراد الشعب المصري، لكنها استطاعت أن توثق الكثير من الأحداث المهمة التى مرت بها القناة باعتبارها أهم ممر ملاحى فى العالم منذ بدء حفرها، مرورًا بقرار الرئيس جمال عبدالناصر تأميمها عام 1956، وصولًا لقرار الرئيس محمد أنور السادات بتحويل يوم 5 يونيو 1975، والذى أراد بهذا التاريخ أن يستبدل بذكرى نكسة 67 ذكرى يوم سعيد فى حياة المصريين بإعادة الملاحة للقناة فى هذا اليوم.

من أهم الأفلام التسجيلية «تأميم القناة» مدته خمس دقائق إخراج عبدالمنعم شكري. وفيلم «عادت القناة» 13 دقيقة، إخراج محمود سامى عطالله، ومحمد عبداللطيف، والذى يتحدث عن مدينة السويس بعد حرب أكتوبر المجيدة وإعادة فتح القناة للملاحة، باعتبارها أهم ممر مائى فى العالم. وفيلم «قناة السويس» إنتاج قناة النيل للأخبار 13 دقيقة، إخراج عز الدين سعيد، ويرصد الفترة الزمنية فى عمر مصر منذ قرار تأميم القناة عام 1956 حتى نصر أكتوبر 1973.

وفيلم «حفر قناة السويس» إخراج أشرف موسي، إنتاج عام 1995، مدته 22 دقيقة، ويستعرض معاناة المصريين وتضحياتهم الكبيرة من أجل حفر القناة. وفيلم «قناة السويس والعالم الخارجي» إخراج ناهد الإبياري، ويوثق فى 16 دقيقة ما مر بقناة السويس وتأثيرها على العالم الخارجي، كونها تقع فى مركز العالم، وتربط شماله بجنوبه وشرقه بغربه.

6- المسلسلات:

لا شك أن المسلسلات، خاصةً التى قدمت فى الفترة ما بين تأميم القناة والعدوان الثلاثي، قد لعبت دورًا مهمًا ليس فقط فى التعبير عما يعتمل فى الوجدان المصري، ولكن أيضًا فى تعبئة الشعور العام والصمود فى مواجهة تحديات ما بعد التأميم. ومن تلك المسلسلات مسلسل «طريق الألغام» الذى كتبه نعمان عاشور وقُدِّم فى الإذاعة المصرية فى فترة العدوان الثلاثي. وأيضًا مسلسل حمل اسم «دماء على الصحراء» وأذيع فى تلك الفترة الحرجة، وتعرض لمعاناة المصرى منذ حفر القناة حتى تأميمها وما تلى ذلك من عدوان على أراضيه.

مسلسلات رغاوى الصابون

ورغم أن الدراما هى الأكثر قربًا من الجمهور، والأكثر تأثيرًا، والأكثر فى عدد الساعات المهدرة فى كم أعمال درامية لكنها تتميز بالإسفاف والسطحية، وكان الأجدر أن ينتبه القائمون عليها خاصة من التليفزيون الرسمي، ويقدموا أعمالًا درامية كثيرة جدًا عن التضحيات ومراحل الكفاح التى مرت بها قناة السويس، بدلا من تقديم أعمال أطلق عليها البعض «مسلسلات رغاوى الصابون». لكن يبدو أن الأمر كان مقصودًا طوال العقود الثلاثة التى تولى فيها زمام الأمور الرئيس الأسبق حسنى مبارك، حيث كان المسئولون عن الثقافة والإعلام يتفننون فى إبعاد الأعمال الجادة الهادفة، وقضايا المهمشين من العمال والفلاحين والجياع، وتقديم كل ما هو سطحى وتافه لتغييب وعى الأجيال الجديدة.

بوابة الحلوانى

سعى لإنصاف فترة القرن التاسع عشر الذى تم مسخه سينمائيًا لحساب السياسة. وعلى الرغم من أنه ليس دراما تاريخية مباشرة، إلا أنه احتوى على رموز مهمة، فبوابة الحلوانى أو الفرما هنا هى بوابة مصر سياسيًا واقتصاديًا التى نفذ منها الأجنبى أو الاستعمار. ولأول مرة يخرج المشاهد وهو متعاطف مع شخصية إِسماعيل، حيث ظهر لأول مرة فى صورة بطل تاريخى مأزوم طموح للإصلاح فى مجتمع تقليدي. والمؤلف يقدم رؤية من خلال أعماله الخاصة بقصة القناة، ومنها هذا المسلسل حيث يقدم قناة السويس على أنها محور السياسة المصرية طوال الأعوام الماضية منذ ظهرت فكرة حفر القناة.

ويمكن القول إن هذا المسلسل هو العمل الفنى المصرى الوحيد الذى تحدث بعمق ونضج ومهنية عن كل ما يتعلق بمشروع حفر قناة السويس. كما تناول تاريخ مصر من خلال خطين دراميين، الأول يتناول فترة حكم إِسماعيل باشا، وجسد دوره الفنان الراحل محمد وفيق، والخط الدرامى الثانى تناول الحياة اليومية للمصريين من خلال عائلة الحلوانى التى عاشت فى قرية فرما التى أصبحت مدينة بورسعيد بعد حفر قناة السويس، وما يطرأ على حياة هذه الأسرة، وباقى أهالى المنطقة بسبب الاستيلاء على أراضيهم لحفر قناة السويس، وأيضا إجبار أولادهم للعمل فى ما كان يسمى (السخرة) لحفر القناة.

وينقل المسلسل صورة شبيهة بالواقع ليوميات المجتمع المصرى خلال بدايات القرن، بما فى ذلك تداخل الطموحات السياسية والاقتصادية للأفراد، وكذا الصراعات القائمة من أجل إقصاء الآخر والاستفراد بالهيبة والسلطة، وعلى الجانب الآخر يعرض قصة حياة وحب كل من عبده الحامولى والمظ اللذين أداهما على الحجار وشيرين وجدي.

سرايا عابدين

كان آخر الأعمال التى تناولت حفر قناة السويس مسلسل «سرايا عابدين» تأليف الكاتبة الكويتية هبة مشارى حمادة، إخراج عمرو عرفة، ويحكى المسلسل حياة الخديوى إِسماعيل بعد تسلمه العرش وحياته الاجتماعية بشكل مغلوط مزِّورًا التاريخ، ويعتبر العمل صورة مشوهة من المسلسل التركى «حريم السلطان»، لكن ما يهمنا هنا أنه تناول فى الحلقة (19) من الجزء الثانى حقبة تاريخية هى الأهم فى تاريخ مصر، وهى فترة حفر قناة السويس وما صاحبها من انتهاك لإنسانية بسطاء الفلاحين المصريين الذين تم القبض عليهم بطريقة وحشية، ومن ثم تسخيرهم للعمل فى حفر قناة السويس فى ظروف غير آدمية.

لكن الخديوى إِسماعيل أعلن رفضه بكل قوة لحصاد مشروع قناة السويس لأرواح المصريين فى لقائه مع فرديناند ديليسبس الدبلوماسى الفرنسى وصاحب مشروع حفر قناة السويس التى ربطت البحرين المتوسط والأحمر. وقام زعيم المحروسة الخديوى إِسماعيل بإبلاغ على باشا وإِسماعيل المفتش بإلغائه تمامًا لنظام السخرة ورفضه لانتهاك حقوق المصريين فى الحياة الكريمة، وتتوالى الأحداث و المغامرات داخل دهاليز سرايا عابدين و يواصل الخديوى إِسماعيل تحديه لكل المؤامرات التى تحاك حوله من أجل إسقاطه من فوق عرش المحروسة.

7- الشعر والزجل:

من المصادر المهمة الأخرى والتى تعكس الوجدان الشعبى وردود الأفعال الشعبية تجاه الحدث التاريخى «الشعر». وهو يعتبر من أهم المصادر التاريخية فنحن جميعًا نتذكر أشعار الإلياذة والأوديسا وأهميتها فى تاريخ أوروبا القديم، وكذلك الشعر الجاهلى الذى يعتبر المصدر الأساسى لتاريخ العرب قبل الإسلام. ومن ذلك نذكر الأشعار التى كتبها عبد الله النديم يصف أحوال مصر نتيجة لتورط إِسماعيل فى الديون والقناة.

8- الأغنية:

للأغنية مكانة خاصة فى صياغة وجدان المصريين والتعبير عنه، لذا كان لابد أن نتوقف قليلًا على حافة جسر الذكريات الجميلة لنستعيد الذكريات والقصص والحكايات والمفارقات التى كانت وراء الأغنيات التى عبرت عن المصريين بافتتاح وتأميم وإعادة الملاحة لقناة السويس، كما جاءت على لسان شعراء وملحنين فضلًا عن أداء بطولى رائع لأساطين الطرب المصرى والعربي.

فى 17 نوفمبر 1869 تم افتتاح قناة السويس فى حفل ضخم يشبه حفلات ألف ليلة وليلة، دعى إليه «الخديو إِسماعيل»ملوك وأباطرة العالم ليوجه الأنظار إلى مصر عن طريق الفنون الرفيعة، وقد عهد إِسماعيل باشا إلى «مريت باشا» مدير الآثار أن يختار من الآثار الفرعونية نص موضوع يصلح لأن يكون رواية أوبرا، فوضع مريت باشا قصة «عايدة» المشهورة، وأرسلت إلى الموسيقار الإيطالى «فيردي» لتلحينها حتى يشهدها ضيوف مصر عند افتتاح القناة، لكن «فيردي» لم يكن انتهى من تلحين أوبرا «عايدة» عند افتتاح القناة، فتم استبدالها بأوبرا «ريجولتو» «لفيردى أيضا، ولقد كان من مفارقات القدر أن تمثل أوبرا عايدة على دار الأوبرا المصرية يوم عودة جثمان الخديو إِسماعيل باشا عام 1895!

أوجينى تتمايل طربًا

لم يقتصر حفل افتتاح القناة هذا على «أوبرا ريجولتو» فقد دعى الخديو المطرب المصرى الكبير «عبده الحامولي» ليغنى بصوته العذب الجميل بعض أغنياته لضيوف الحفل، فغنى مجموعة كبيرة من أشهر أغنياته العاطفية ختامها بأغنيته الشهيرة «شرفت يا نور العين» واستبدل كلمة «شرفتوا» بـ شرفت، وسط إعجاب الحضور الذين كانوا يتمايلون طربًا على صوته بمن فيهم إمبراطورة فرنسا نفسها «أوجيني» التى كانت عروس الافتتاح، رغم عدم فهمهم لما يغنيه الحامولي، ويومها لم يغن أى أغنيات خاصة بالقناة لانتشار شائعة قوية تؤكد أن الحفل سيقتصر فقط على «أوبرا ريجولتو»، ولن يحضر الحفل أى مطربين مصريين، وبالتالى لم يجهز «سى عبده» أى أغنيات خاصة لهذا الحدث الهام.

ونظرًا لعدم ذيوع وانتشار الأغنية الوطنية، واقتصار الغناء فى هذا الوقت على اللون العاطفى المهترئ، ظهرت بعض الأهازيج الوطنية البسيطة التى رددها الشعب مثل: «يا عزيز يا عزيز كبه تاخد الانجليز- العسكر فى الطوابى يارب انصر عرابى - الميه فى الأبريق يارب خد توفيق - يا توفيق يا وش النمله مين قالك تعمل دى العمله»، وغيرها من الأناشيد التى تعبر عن روح السخرية المعروفة عند الشعب المصري، لكن هذه الأغنيات لم تبلغ النضج من حيث الكلمة واللحن، وجاءت ثورة 1919 بعثًا جديدًا للعزيمة والإرادة المصرية القوية التى لا تقهر أبدًا، وهب سيد درويش بعمل ثورة غنائية بألحانه وغنائه لكل فئات وطبقات المجتمع المصري، وأخرج التخت الشرقى الرصين من صالونات القصور إلى الشارع، وقدم كل أشكال وألوان الغناء الذى يعبر عن أحوال الناس ومعيشتهم.

ولأن إدارة شئون القناة كانت تحت القيادة الأجنبية، ولم تظهر أية بطولات مصرية فى مجال الملاحة وأعمال الدعم اللوجيستى الخاصة بالقناة، فقد تأخر الغناء للقناة كثيرًا بحكم حالة الغموض تلك، حتى قام جمال عبدالناصر بتأميم القناة فى 26 يوليو عام 1956 بعد أن رفض البنك الدولى تمويل الحكومة المصرية لبناء السد العالي، وكان تأميم قناة السويس سببًا للعدوان الثلاثى على مصر، وما إن ألقى عبدالناصر خطابه الشهير الذى قال فيه نصًا: «تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية، وينتقل إلى الدولة جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات، وتحل جميع الهيئات واللجان القائمة حاليًا على إدارتها».

لحظة فارقة

كانت لحظة فارقة فى عمر وطن تتشكل قواه الثورية التى أشعلت الشوارع والبيوت بالفرحة، وعلت الزغاريد فى كل مكان، وكان لابد للأغنية كعادتها أن تشارك فى احتفال مصر بعودة القناة، وكان طبيعيًا أن تكون سيدة الغناء العربى أم كلثوم هى صاحبة المبادرة الوطنية، وبدورها اتصلت بعد خطاب التأميم مباشرة بالموسيقار الكبير محمد الموجى أو «المنقذ» - كما كانت تطلق عليه لسرعة انتهائه من تجهيز أى لحن يكلف به، وتقديمه فى أفضل صورة - وطلبت منه تجهيز أغنية بأقصى سرعة تعبر عن فرحة المصريين بتأميم القناة، بعد نجاحهما معًا فى أغنيتهما الوطنية «نشيد الجلاء»، واتفق الاثنان على أن تكون الأغنية الجديدة من كلمات صلاح جاهين، وبالفعل انتهى الموجى من تلحين الأغنية فى أيام قليلة، وردَّدت الجماهير المصرية والعربية مع صوت أم كلثوم أغنية «فرحة القنال».

«دع سمائى» ترهب بريطانيا

فى التاسع من أكتوبر 1956 وقع العدوان الثلاثى على مصر، وكانت القناة هى هدف المؤامرة، وتحرك شعب مصر القوى لرد ذلك العدوان الأحمق، وفى الوقت الذى كان العدو يقذف بطائراته بورسعيد الباسلة، ذهبت المطربة الثائرة فايدة كامل إلى كشك «مدبولي» فى ميدان سليمان باشا بوسط البلد تقلب فى دواوين الشعر، فوقعت عيناها على قصيدة فى ديوان زميلها فى كلية الحقوق الشاعر «كمال عبدالحليم» يقول مطلعها: «هذه أرضى أنا/ وأبى مات هنا/ وأبى قال لنا مزقوا أعداءنا»، طارت فايدة فرحا بهذا النشيد، ولكن كيف تتصل بمؤلفه لإخراج هذا العمل إلى النور، وفجأة وجدت الشاعر كمال عبدالحليم يمر من أمامها فى نفس المكان، فقبضت عليه، وأخذته مباشرة إلى مكتب محمد حسن الشجاعى رئيس الإذاعة، وهما فى الطريق. ولم يقتصر غناء فايدة للقناة على هذه الأغنية فقدمت أغنية «دهب القنال».

أمم جمال

وعلى ذات الدرب وبشكل مختلف، بعد العدوان الثلاثى مباشرة طلب الرئيس جمال عبدالناصر من الفنان فريد شوقى تخليد كفاح بورسعيد من خلال فيلم سينمائي، يقوم ببطولته نظرًا لحب الشعب المصرى لأفلامه، على أن تغنى هدى سلطان أغنية ضمن أحداث الفيلم تتغنى بالقناة، فأنتج فريد فيلمه الشهير «بورسعيد»، وحتى تحقق الأغنية المطلوبة أكبر دوي، بحث فريد شوقى عن الشاعر عبد الله شمس الدين، صاحب الكلمات الحماسية، وصاحب أيضا نشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدي»،الذى كان يردد باستمرار فى هذه الفترة، وقام الملحن الكبير محمود الشريف بتلحين «أمم جمال لا تخف»، وقدمت هدى الأغنية فى بداية الفيلم بناء على طلب الرئيس، واقتطعت الإذاعة القصيدة من الفيلم وبدأت تذيعها بصفة منتظمة، وتعتبر من القصائد القليلة التى قدمتها هدى سلطان باللغة العربية الفصحى

صوت الثورة

وفى هذه الفترة تحول عبدالحليم حافظ إلى بركان من الغضب، وقدم العديد من الأغنيات التى ألهبت حماس الجماهير مثل «تحت راية بورسعيد» و«إنى ملكت فى يدى زمامي»، و"ثورتنا المصرية»، وارتبط صوته بأفراح وأحزان بلده، وكانت الأغانى الوطنية سببًا فى حب الرئيس جمال عبدالناصر له، حيث كان يعتبره ابنًا من أبناء الثورة، لهذا كان من الطبيعى أن يسارع حليم للغناء للقناة، وبعد عودته من بيروت قبل العدوان الثلاثى فى أكتوبر1956، قدم «حكاية شعب» من تأليف أحمد شفيق كامل وألحان كمال الطويل التى قدمها فى حفل وضع حجر أساس مشروع السد العالى فى يناير عام 1961 وحكى بصوته قصة الشعب المصرى مع المحتل البريطانى حتى تأميم القنال وانتصار مصر على العدوان الثلاثي.

قنديل الغناء المصرى

يعتبر المطرب الجميل الرائع محمد قنديل هو أكثر أبناء جيله من المطربين غناءً لأى مناسبة قومية مرت فى تاريخ مصر المعاصر، لهذا كان من الطبيعى بعد خطاب التأميم أن يسارع ويحكى بصوته ويهدى للجماهير أجمل وأشجى مجموعة من الأغنيات التى تحدثت عن القناة، سواء كانت أغنيات منفردة أو صورًا أو برامج غنائية، وكانت البداية مع أغنية «مرشد القنال» كلمات عبدالفتاح مصطفى وألحان عزت الجاهلي. كما قدم صورة غنائية مدتها نصف ساعة تحمل عنوان «قصة القنال»، وشاركه الغناء سيد إِسماعيل، وحورية حسن، وعصمت عبدالعليم، وهى من أجمل الصور الغنائية التى عبرت عن حفر قناة السويس.

من خلال مراجعة الأغنيات التى ترددت خلال فترة ما بعد التأميم أو العدوان الثلاثى الذى أعقبه، يمكن أن نرصد مشاعر الشعب إزاء ذلك، فلا ننسى هنا الجهود التى بذلها الشعراء والفنانون فى كتابة الأناشيد الحماسية بالفصحى والعامية وتم تلحينها، ومنها قصائد بيرم التونسى وصلاح جاهين وآخرين. ومنها نشيد زفة لصلاح جاهين.

إعادة الملاحة للقناة

وفى عام 1975 وبعد قرار الرئيس السادات بإعادة الملاحة الدولية للقناة ظهرت العشرات من الأغانى تحتفل بالحدث الذى حول القناة مجددًا إلى عروس، ففى الحفل الساهر الكبير الذى أقيم فى مدينة السويس فى السابع من يونيو من العام نفسه أى بعد يومين فقط من خطاب الرئيس السادات بمناسبة إعادة افتتاح قناة السويس بعد إغلاق لمدة 8 سنوات، وحضره الرئيس، وقدم فقراته الفنانون «تحيه كاريوكا، نادية لطفي، فريد شوقي، كمال الشناوي، عمر الحريري، عزت العلايلي»، يومها بدأ أسطورة الغناء العربى عبدالحليم حافظ الحفل بأغنيته «عاش اللى قال» التى يحيى فيها الرئيس السادات على قرار العبور وفيها تحدث عن القناة قائلًا: «عاش اللى قال للرجال عدوا القنال»، وقدم لأول مرة أغنيته الجميلة «المركبة عدت» كلمات الشاعر مصطفى الضمراني، وألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب.

العيد الرابع للملاحة

وكانت آخر أغنيات القناة فى القرن الماضى فى العيد الرابع لإعادة الملاحة، وبالتحديد يوم 5 يونيو 1979، وفى حفل ضخم أقيم فى معسكر الجلاء بالإسماعلية حضره الرئيس الراحل محمد أنور السادات، غنى مجموعة من المطربين فى هذا الحفل وهم وردة، فايزة أحمد، سيد مكاوي، ياسمين الخيام، شهرزاد، محمد نوح، والمونولوجيست أحمد غانم، كما غنى سيد مكاوى أغنيتين من ألحانه وغنائه وكلمات كمال عمار هما «بستان مصر»، و«يا سادات»، وغنت ورده «إحنا الشعب»، وشدت ياسمين الخيام بأغنية «تعيش يا سادات»، وغنى محمد العزبى «هز الهلال يا سيد والشعب هو السيد».

الحلو ومدحت وآمال

ومازال بحر الغناء للقناة متواصلًا فخلال الفترة الماضية قدم مدحت صالح وخالد عجاج «دويتو غنائي» بعنوان «قناة السويس»، وشدا محمد الحلو بأنشودة «الحلم المصري»، وغنى هشام عباس أغنية «بالعرق والدم»، وغنى المطرب اللبنانى وليد توفيق بأغنية «يباركولك الحبايب»، كما قدم مجموعة أخرى من المطربيين أغنيات لمشروع القناة الجديدة، من هؤلاء آيات نبيل، ومجد القاسم. ويحسب لكثير من المطربين خاصة لطيفة ومحمد الحلو، ونادية مصطفى، وعلى الحجار، وغادة رجب غناؤهم للعمال فى المراحل الأولى لحفر القناة.
 

الحلقة المقبلة

عتبة جديدة: مستقبل قناة السويس بعد 6 أغسطس

> رغم ما يقال عن أن الإبداع هو رفيق الألم، ورغم أن مشروع وحفر وتأميم قناة السويس كان مليئا بالإبداع والألم، لكن الدراما التليفزيونية تعتبر هى أقل مجالات الفنون التى قدمت أعمالًا درامية عن قناة السويس، فبالرغم من أنها تناولت عبر 55 عامًا هى عمر البث التليفزيونى الذى بدأ فى عام 1960 الكثير من الموضوعات والقضايا والشخصيات الشهيرة إلإ أنها لم تقترب من شاطئ القناة إلا فى عدد محدود جدًا يعد على أصابع اليد الواحدة... >
 

كتاب : قناة السويس

التاريخ والمصير والوعد

تقديم : الأستاذ محمد حسنين هيكل

المحرر : أحمد السيد النجار

الناشر : مؤسسة الأهرام

تاريخ النشر: أغسطس 2015

 

 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق