الأربعاء 6 من شوال 1436 هــ 22 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46979

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الشرق الأوسط الجديد
والإتفاق النووى الإيرانى والعرب

اتصل بى مستشار الأمن القومى الأمريكى عام 2004 عندما كنت سفيراً لمصر فى الولايات المتحدة، مقترحاً أن تشارك مصر فى إجتماع

قمة حول إنشاء شرق أوسط جديد، يشمل الدول العربية ويمتد حتى باكستان وافغانستان، بحجة أن دولنا مصدر للإرهاب الذى يهدد الولايات المتحدة وحلفائها، وبإعتبار أن المعادلة التقليدية للشرق الأوسط اى عربى وأسرائيل وإيران، ومشاكلهم الإقليمية لم تعد تتفق مع الواقع، أو تسهل على حل مشاكل المنطقة، فأعتذرت عن حضور مصر تلقائياً، مبرراً موقفى بأن الشرق الأوسط الذى نعرفه جوهره عربى ويضم إيران وإسرائيل، وأن تحميلنا مشاكل الباكستان وأفغانستان ليس هو السبيل لإستقرار المنطقة ولن يصلح حالها.


ومنذ أسابيع قليلة فى ربيع 2015، ذكر لى مسئول إيرانى مقرب نم أصحاب القرار فى بلاده أن مصر تعتقد خطأً أن المنطقة جوهرها عربى، فى حين أن الشرق الأوسط الجديد يختلف عن ذلك تماماً، فالهوية الرئيسية للمواطن لم تعد مرجعيتهم العربية القومية أو الوطنية، والعالم العربى منقسم على نفسه، والثقل السياسىوالأمنى والإقتصادى الأن ليس بين إيدى عربية.


شرق أوسط كبير عام 2004، وشرق أوسط جديد عام 2015، كلاهما غير عربى الهوية!


مؤامرة كبرى أم مجرد توافق مصالح بين أطراف غير عربية؟!


لا أعتقد أنها مؤامرة كبرى فعنصر السرية فيها معدوم، كما أنها ليست مجرد توافق مصالح، فهناك شواهد كثيرة على إزدواجية فى المعايير وإتصالات غير معلنة، وتعاون ضمنى بين أطراف يفترض أنها متنازعة، والأمر هنا يشمل وإنما يتجاوز الولايات المتحدة وإيران، ويشمل إسرائيل وتركيا وأحياناً بعض الدول العربية.


والأهم من تحديد هذا أو ذاك، أن نتيقن أن عالمنا العربى فى خطر، وأن نصارح أنفسنا بالأسباب، ثم نعمل على إتباع منهج مختلف، وأن نجد طريقا جديدا لحماية أنفسنا وسعياً لبناء مستقبل أفضل.


أعتقد أن من أهم أسباب الفراغ العربى القائم، الركود الفكرى السياسى، فمصر قامت بدور تاريخى وخالد فى مساعدة العديد من الدول العربية على الاستقلال عن الإستعمار الأوروبى، وأنشأت مع 6 دول أول منظمة إقليمية على مستوى العالم، وهى جامعة الدول العربية، وقادت العرب على أساس مفهوم القومية العربية، إلا أننا لم ننجح أو ينجح غيرنا من العرب فى مواكبة التغيرات الدولية بتحريك وتطوير المفاهيم السياسية العربية، وبحيث تستند إلى عمود فقرى أساسى وهو الهوية القومية العربية المشتركة، وإنما يرتبط بها وينمو معها ترس متنامى من المصالح المشتركة، أنقسم العالم بعد الحرب العالمية الثانية بين المعسكر الإشتراكى والرأسمالى، مع الإحتفاظ بمساحة دول حركة عدم الانحياز، ثم تطور إلى عالم القطبين، ثم القطب الأوحد، والأن أصبح عالما متعدد الأقطاب مع إستمرار القطب الأمريكى الأقوى والأوسع إنتشاراً.


أما العالم العربى، فظل حبيساً بالحديث عن أمجاد الماضى، والمخاطر والمؤامرات الخارجية، يحلم بعودة المثلث المصرى السورى السعودى الى أمجاده، دون إتخاذ خطوات عملية لتنمية المصالح العربية المشتركة، أو دعم قدراتنا الوطنية والإقليمية، وتولت أجيال جديدة من الشباب العربى موقع المسئولية السياسية والإقتصادية، جيل يركز على مصالحه الوطنية أو دون الأقليمية، أو مع العالم الخارجى، بعد أن أصبحت التجارة البينية العربية لا تتجاوز 18% من التجارة العربية مع الخارج، وتنحسر 80% من تلك التجارة البينية بين دول مجلس التعاون الخليجى.


والسبب الثانى لتردى الوضع العربى هو إعتمادنا المبالغ فيه على الغير، وفى أغلب الأحيان على دول أو جهات خارجية، والأمثلة غير الإقتصادية لذلك كثيرة، منها العلاقة المصرية السوفيتية فى الستينيات، ثم علاقتنا مع أمريكا فى العقود الأخيرة من القرن الماضى، وينطبق نفس الشئ على عدد من الدول العربية والتى مرت بتجارب مشابهة فى الشرق أو الخليج العربى، إعتماداً مبالغ فيه على الغير فى قضايا الأمن القومى ادى بطبيعة الحال إلى تدنى الكفاءات والقدرات العربية فى التعامل مع القضايا الإقليمية السياسية والأمنية، فليس من محض الصدفة أن الأوضاع فى ليبيا وسوريا واليمن وداعش والنزاع العربى الإسرائيلى أوكل شأنها السياسى والمفاوضات إلى جهات أمنية كانت الأمم المتحدة أو الإتحاد الأوروبى أو الولايات المتحدة.


وللأسف الغياب أو التغييب العربى عن الأحداث، لازال مستمراً وشهدناه فى المفاوضات الدولية مع إيران حول برنامجها النووى، دون مشاركة أطراف عربية، وعكسته ردود الفعل العربية العامة والمماطلة على توصيل الأطراف إلى إتفاق والتى تراوحت بين التهويل المبالغ فيه بمخاطر الإتفاق أو الترحيب الرسمى التقليدى والذى لا يخفى قلقا دفينا، أو الإعلان عن النية فى دراسة نصوص الإتفاق كأنها كانت خفية أو سرية، أو إبداء الترحيب من منطلق أنه لا يمكن إغضاب أمريكا.


سبق أن نشرت مقالاً عن الإتفاق النووى الإيرانى فى صحيفة الأهرام قبل لقاء القمة الأمريكى الخليجى. لذا لن أعرض مضمونة مرة أخرى، وإنما يكفى القول أن الإتفاق هو عبارة عن صفقة تبادلية، لإطالة المدة المطلوبة لتخصيب إيران لمواد نويية مشعة تستخدم للأغراض العسكرية إذا قررت ذلك، وفرض قيود على النشاط الإيرانى وإجراءات تفتيش على مرافقها لمدة 15 سنة، مقابل رفع العقوبات الإقتصادية والعسكرية والسياسية على إيران تدريجياً، أى ترييح إيران إقتصادياً وإعادتها إلى الحياة السياسية الدولية كعضو كامل الصلاحية.


يعكس التوصل إلى هذا الاتفاق قناعه سياسية دولية بقدرات إيران النووية الذاتية، والتى نمتها رغم فرض العقوبات عليها، ويقين بأن إيران قادرة على تخصيب كميات كبيرة من اليورانيوم فى غياب موافقة إيرانية على ضبط النفس، ويعكس الإتفاق إيضاً قناعة إيرانية بأنه بصرف النظر عن تنامى وزنها السياسى الاقليمى، وبرنامجها النووى والقدرات، فمن مصلحتها قبول هذه القيود وإستعادة وضعها الدولى، لكى تتحرك سياسياً وإقتصادياً بشكل أفضل وأكفأ.


بهذا المفهوم أعتقد أن الأطراف التفاوضية حققت ما سعت إليه، والإتفاق من الناحية الفنية أفضل من مخاطر غياب أى خطوات مرحلية، وإنما القصور الحقيقى فى الإتفاق ومخاطره الجمة، تقع فى غياب أى نية جادة للتعامل مع مخاطر الإنتشار النووى فى الشرق الأوسط، والتى تشمل وتتجاوز إيران، ولن تكون مجدية دون التعامل مع البرنامج النووى الإسرائيلى، ولانية لدى الجابن الأمريكى أو غيره من الدول الأجنبية للتعامل مع هذا الملف، لقناعتهم أن الوضع العربى والإعتماد المبالغ فيه على الولايات المتحدة لن يسمح بإتخاذ إجراءات أمنية عربية حقيقية، وأن الغضب والتصريحات العربية ليست سوى زوبعة فى فنجان، وليس من محض الصدفة أن أول محطة توقف لوزير الدفاع الأمريكى اشتن كارتر فى جولته لتطمين الحلفاء هى إسرائيل، وقبل السعودية والأردن، وانها لا تشمل مصر رغم رئاستنا للقمة العربية طوال هذا العام، فمن ثم نمثل جميع العرب، والتعاون المفترض بين الدولتين فى مكافحة الإرهاب فى الشرق الأوسط.


والمطلوب عربياً التعامل مع واقعنا الإقليمى بما فيه الإتفاق النووى الإيرانى بجدية وموضوعية، فإصدار التصريحات الرنانة لن يحد من المخاطر أو يصون المصالح، والتهاون فى إستعادة ولو جزء من الإرادة والحراك العربى وإتخاذ خطوات ملموسة على الساحة الإقليمية، وفيما يخص الإتفاق الإيرانى خلال مدة سريانه فيه إخلال بالمسئولية.


وأسجل بكل وضوح وصراحة، الشعب الإيرانى شعب عريق وإيران دولة لهل وزنها وثقلها فى المنطقة، من حقها وكافة دول المنطقة الحصول على الفوائد السلمية للتكنولوجيا النووية، وفقاً للقواعد المنظمة لذلك.


وأسجل وبنفس القوة والصراحة، أن من حق العالم العربى تأمين نفسه ضد كافة المخاطر النووية خاصة إسرائيل، ومن الطبيعى أن يقلق من السياسات الإيرانية النووية والإقليمية، ويطلب ضمانات جادة وخطوات ملموسة لبناء الثقة تدريجياً، كان ذلك بالنسبة لبرنامج إيران النووى، أو مع دول الجوار بالخليج أو فى المشرق.


وبالنسبة للمجال النووى أقترح:


< تمسك الدول العربية بحقها فى تخصيب اليورانيوم وفقاً لمعاهدة عدم إنتشار النووى،


< إنشاء الدول العربية مركزا إقليميا عربيا لتخزين الوقود النووى مع الوكالة الدولية للطاقة النووية، وهناك إعتبارات كثيرة تجعل مصر مؤهلة لتكون مقراً إقليمياً لهذا المركز،


< أن تطالب الدول العربية بضرورة وقف تخزين المواد الإنشطارية والقضاء على المخزون الوطنى منها فى المنطقة بما فى ذلك إسرائيل.


< تصعيد الجهود الدولية لإنشاء منطقة منزوعة السلاح النووى فى الشرق الأوسط بحيث تدخل فى التنفيذ قبل نهاية المدة المحددة لإنهاء سريان الإتفاق الإيرانى الدولى، بما فى ذلك إذا لزم الأمر طرح الموضوع على مجلس الأمن الدولى بعد إنضمامنا إليه مع بداية العام القادم.


وإذا كانت هذه الإقتراحات خاصة بالإتفاق النووى الإيرانى، فالتحدى أمام العالم العربى أكبر بكثير وأكثر تشعباً، ليستعيد العالم العربى ثقته فى النفس وقدر من مصداقيته لدى الغير، الغريب قبل الصديق، وفى هذا السياق، أؤيد ما قمنا به من أخد المبادرة بعمل عسكرى مصرى فى ليبيا وكذلك السعودى مع التحالف مع اليمن، لإثبات الذات وطنياً وإقليمياً على أن يلحق ذلك خطوات ومبادرات سياسية، فالعمل العسكرى وسيلة وليس غاية، وأداة فى أيدى صاحب القرار لتحقق هدف سياسى.


من هذا المنطلق، على الدول العربية الأن أخذ المبادرة فى الساحة السياسية الإقليمية، أما برئاسة مصر رئيسة القمة، أو من قبل دول شمال إفريقيا حول ليبيا دعماً للإتفاق الذى توصل إليه مبعوث الإتحاد الأوروبى، ومن قبل دولة من دول مجلس التعاون الخليجى حول اليمن دعماً للمبعوث الأممى.


ومن الأهمية وضع صيغة عربية للحراك والحلول الخاصة بسوريا، الدولة الشقيقة التى تتفتت من الداخل وينتهك شعبها، بكل ما يحمله ذلك من مآس ومخاطر تتجاوز سوريا وتهدد بتفتيت العالم العربى من الداخل.


وأقترح أن تنظم مصر وعلى أعلى مستوى عدد من الحوارات الإستراتيجية الرسمية مع مجموعات من القادة العرب حسب الموضوع والقضية، لإتخاذ خطوات محددة، وإيجاد فهم عربى أفضل، أو حتى لتحديد سبل التعامل مع تباين المواقف العربية حول عدد من القضايا العامة، حتى وأن تم ذلك بعيداً عن الإعلام فى مناخ ملائم للحوار الصريح، وعلى رأس تلك القضايا:


< مخارج الوضع السورى.


< إستقرار وتأمين الأوضاع فى ليبيا.


< الإرهاب والتطرف الفكرى.


< تقويم المواطنة والحد من الطائفية.


< تنويع الدول العربية لمصادر سلاحها، وتعاونها فى التصنيع الحربى.


< العلاقات مع الدول الشرق أوسطية غير العربية وعلى رأسهما إيران وتركيا و من بعدهما إسرائيل، وقد تردد أخيراً أخبار عن توافر نية إيرانية لإجراء إتصالات مع الدول العربية الخليجية، لتطمينها بعد الإتفاق النووى، وهذا ما أرجو فعلاً أن يتحقق، وإنما يتطلب ذلك إتخاذ إيران اخطوات ملموسة تجاه جيرانها فى مجال الترتيبات الأمنية مع الدول المجاورة لهل على وجه خاص، وبما يعكس جدية أيرانية فى التعامل مع جيرانها على أساس وطنى بعيداً عن الطائفية أو المذهبية.


مؤامرة أم مواءمة، ليس أمام العرب سوي خيار التطوير، والعمل الجاد، والإعتماد على النفس، وتعدد الخيارات، وإستعادة زمام المبادرة السياسية.



لمزيد من مقالات السفير: نبيل فهمى

رابط دائم: