الأثنين 4 من شوال 1436 هــ 20 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46977

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

اليونان وأزمة الديون السيادية

يُعد الاقتراض الخارجى احد أدوات السياسة المالية لمنع وتخفيف التقلبات فى الاقتصاد، ولتحقيق التوازن المطلوب عند مستوى التشغيل الكافي، الا أن سوء إدارة القروض يؤدى بدول كثيرة إلى الوقوع فى مشاكل التعثر، وقد شهد العالم أزمات مالية متعددة لعدد من الدول تُعرف باسم «الديون السيادية». والغريب أن نفس الأزمة ونفس العلاقات المتشابكة تتكرر بين الدائنين والمدينين، والمتابع لأحداث الأزمة اليونانية سيدور فى ذهنه الأسئلة التالية:

ما هو حقيقة ما حدث بالفعل فى الأزمة اليونانية؟ وما هو تأثيرها على منطقة اليورو؟

لقد أدت الأزمة المالية العالمية فى 2008 إلى اضطراب فى عدد من الدول الأوروبية، والتى منها اليونان، والبرتغال، واسبانيا، ورومانيا، والمجر، وكان على رأس تلك البلاد اليونان، والتى عانت من زيادة كبيرة فى حجم ديونها الخارجية، وتفاقمت تلك الأزمة ابان الأزمة المالية العالمية فى 2008. فبلغت نسبة الديون السيادية لليونان حوالى 240 مليار يورو، بنسبة 175% من الناتج المحلى الإجمالي، وقامت وكالات التصنيف الإئتمانى بخفض تصنيف اليونان إلى درجات متدنية فى فئة الدول المهددة بالتخلف عن سداد ديونها، مما أدى إلى ارتفاع اسعار الفائدة على الديون اليونانية.

ومع تفاقم الأزمة المالية اليونانية فى عام 2012 تدخل صندوق النقد الدولي، ودول الاتحاد الأوروبي، وقدموا برنامجا للمساعدات، ولكن هذا البرنامج كان مشروطا ببرنامج تقشفى قاس Austerity program، والذى كان نتائجه انكماش فى الاقتصاد اليوناني، وارتفاع معدلات البطالة إلى 25%، وإلى أكثر من 50% بين الشباب.

وبعد كل هذا التقشف عاد الدائنون لمطالبة اليونانيين بمزيد من التقشف، الأمر الذى دفع اليونانيين إلى رفض هذا الطلب؛ حيث أن برنامج التقشف على مدار السنوات الماضية لم يساعد الاقتصاد اليوناني، بل على العكس تماماً، فقد أدى إلى مزيد من الإنكماش. ووفقاً لآخر بيانات المركز الأوروبى للاصلاح، فإن اليونان قامت بتخفيض الإنفاق الحكومى أكثر من أى دولة من دول الاتحاد الأوروبي، كما أنه فى الأحوال المعتادة لدولة تمر بمرحلة أزمة أن تقوم بتخفيض عملتها حتى تقوم برفع معدلات السياحة، وزيادة الصادرات، ولكن لأن اليونان مكبلة فى سياستها النقدية باعتبارها جزءا من دول الاتحاد الأوروبى فلن تستطيع تعديل سعر الصرف، والذى يتحدد من قبل البنك المركزى الأوروبى ECB.

وقد قام رئيس الوزراء اليونانى بذكاء فائق برفض هذا البرنامج من خلال استفتاء شعب اليونان على البرنامج المفروض من قبل صندوق النقد الدولى والدول الدائنة، وبذلك فمن المتوقع أن تمر السوق الأوروبية بمرحلة من عدم الاستقرار، وستعم الخسارة على جميع الدول الأوروبية الضعيفة منها والقوية.

والمتابع للوضع الاقتصادى فى اليونان، سيجد أن بداية جذور الأزمة كانت قبل أن تنضم اليونان إلى منطقة اليورو، فكان يتم النظر إلى اليونان على إنها دولة متوسطة الدخل وذات مخاطر ائتمانية عالية، ولكن بعد انضمام اليونان إلى منطقة اليورو بدأ المستثمرون يشعرون بإنها لم تعد بذات المخاطر الائتمانية المرتفعة، لأن الدول الأخرى فى منطقة اليورو لن تترك اليونان تمر بأى أزمة أو على الأقل ستساعدها.

وبالفعل بدأ المستثمرون فى إقراض اليونان بنفس الشروط التى من الممكن أن يقرضوا بها أى دولة ذات اقتصاد قوى، كما أن توافر الأموال الرخيصة، أو ذات التكلفة المنخفضة، ساهم فى زيادة تدفق القروض على اليونان، وعندما بدأت اليونان فى التعثر فى سداد ديونها، لم تقم المانيا ولا الدول الأوروبية الأخرى بالوقوف إلى جانبها.

ونتيجة للتعثر الذى شهدته اليونان فى عام 2010 بدأت اسعار الفائدة على القروض اليونانية فى الارتفاع، وهذا الارتفاع أدى إلى زيادة عبء السداد، ومما يزيد الأمور حدة هو معدلات البطالة التى تعدت نسبة 25%، وهذه النسبة أعلى من نسبة البطالة فى الولايات المتحدة فى ابان الكساد الكبير.

كما انعكس هذا الوضع الاقتصادى على البنوك التى انخفضت مستويات الودائع فيها إلى مستويات غير مسبوقة، وبدأ اليونانيون فى الاصطفاف أمام ماكينات السحب الآلى لسحب أموالهم، الأمر الذى بات يهدد البنوك بخطر الإفلاس.

وما حدث فى اليونان ما هو إلا نموذج كلاسيكى لأزمة الديون، وهو أنه فى حالة التعثر المبدأى للديون من قبل أى دولة، تُقبل البنوك والمؤسسات المالية لإقراض الدول، بل إن البعض منها يلهث وراء الدول لتقديم القروض، وخاصة فى حالة توافر سيولة لدى العديد من البنوك الدولية، حتى تتفاقم القروض، وتبدأ الدول فى التباطؤ فى السداد، فتقوم البنوك بالتوقف عن الاقراض، وبهذا تمارس مزيدا من الضغوط على الدول التى تكون فى حاجة إلى مزيد من السيولة، للقيام بسداد أعباء القروض المفروضة عليها.

ويشير جوزيف ستجليتز، الاقتصادى المعروف والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، أن العالم يدفع ثمناً باهظاً دائماً فى اعادة هيكلة الديون؛ حيث إن غياب القوانين الدولية بشأن مشاكل التعثر عن السداد تؤدى إلى سوء أداء سوق الديون السياسية ، والتأخر عن معالجة المشاكل عند ظهورها.

ومن المفترض أن تقوم الدولة بالاقتراض من أجل زيادة معدلات التكوين الرأسمالي، ومن ثم دفع عجلة النمو، مما يترتب عليه زيادة معدلات الانتاج، ومن ثم خفض الدين تدريجياً. ولكن فى الواقع فإن العديد من الدول التى تقوم بالإقتراض توجة التمويل إلى استثمارات فى قطاعات سريعة الربحية، أو تمويل عجز الموازنة العامة للدولة؛ ويُعد الدين غير مستدام إذا ما استمر فى الارتفاع، بحيث تستهلك أعباء خدمة الدين عائدات التنمية المتوقعة.

فأولاً هناك حاجة للنظر إلى برامج اعادة الهيكلة واعادة الجدولة على فترات أطول حتى تتمكن الدول من التقاط الأنفاس. وقد وجه مجموعة من الاقتصاديين على رأسهم بيكيت. ، وساكس، ودانى دوريك، رسالة إلى المستشارة ميركل لحثها على اتخاذ إجراء تاريخى وموقف قيادى لتخفيف الأعباء عن اليونان، مما يحمى الاقتصاد الأوروبى ايضاً.

كما يهاجم الأوروبيون الشعب اليونانى ويتهمونه بأنه شعب قليل الإنتاجية، ولذلك فإن العديد من المقالات الأجنبية للمفكرين الأوروبيين يتحدثون عن تفاقم العديد من المشاكل المعروفة والتى على رأسها الإنفاق الحكومى المرتفع، والفساد، والبيوقراطية، وارتفاع معدلات التهرب الضريبي. ويرون إنه من عدم العدالة أن فاتورة اصلاح الوضع فى اليونان يقوم بدفع ثمنها الأوروبيين، أى أن الأوروبى غير اليونانى سيتم اقتطاع المزيد من دخله الضريبى لسداد العجز اليوناني.

كما يرى البعض أن دول الاتحاد الأوروبى ستتدخل لإنقاذ اليونان من أزمتها، لأن تخلفها عن السداد وتفاقم الأزمة فيها سيكون له انعكاسات كبيرة على اليونان ودول اوروبا، كما سينعكس بالسلب على قيمة اليورو، ناهيك عن انتشار الأزمة إلى دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي. وقد حدث ذلك بالفعل، فبعد ختام مفاوضات استمرت 17 ساعة؛ وافقت 19 دولة من منطقة اليورو على خطة مساعدات ثالثة لليونان، تتراوح قيمتها بين 82 - 86 مليار يورو على مدار خمس سنوات مقابل خطة اصلاحية للاقتصاد اليوناني.

ولكن يبقى السؤال، هل انتهت مشاكل منطقة اليورو عند هذا الحد؟ وتتلخص اجابتنا فى أن أزمة اليونان ما هى إلا انعكاس لمشاكل منطقة اليورو بأكملها.

عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية


لمزيد من مقالات د.هالة حلمى السعيد

رابط دائم: