الخميس 29 من رمضان 1436 هــ 16 يوليو 2015 السنة 139 العدد 46973

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الأزمـــة العالميــــة للديموقراطيــــة

الحديث النظرى عن الديموقراطية كنظام سياسى، والتفصيل فى مختلف جوانبها ومفرداتها سهل. غير أن الصعوبة تبدو فى الإعمال الدقيق للمبادئ النظرية موضع التطبيق. يصدق ذلك على الدول المتقدمة والدول النامية على السواء.

غير أنه يمكن القول ان الفجوة بين النظرية والتطبيق التى يمكن ملاحظتها فى كل المجتمعات الديموقراطية المعاصرة بالغة الاتساع فى الدول النامية، إذا ما قورنت بالدول المتقدمة.

وقد لفت نظرى مقالة هامة لعالم الاجتماع الكويتى البارز الدكتور «محمد الرميحى» نشرها فى الأهرام بتاريخ 12 يوليو 2015 وعنوانه اهل ثمة أمل فى صناديق «لانتخابات» أثار فيها مشكلة عالجناها منذ سنوات عن أهمية التفرقة بين آليات الديموقراطية وقيمها.

والواقع أن هناك عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تؤثر سلبا على الممارسات الديموقراطية وتكاد تفرغها من مضمونها.

وإذا كانت بعض النظم السلطوية تحاول الآن ـ تحت تأثير مطالب الداخل وضغوط الخارج ـ الانتقال من السلطوية إلى الديموقراطية، فإن عملية الانتقال تقابلها صعوبات شتى من قبل الحاكمين والمحكومين على السواء. بالنسبة للحاكمين يعز عليهم كثيراً التخلى عن سلطاتهم المطلقة التى تعودوا عليها، والتنازل عن نفوذهم المؤثر، مما من شأنه أن يؤثر على مصالحهم الطبقية إلى حد كبير. ولذلك نجدهم يمانعون ويقاومون عملية الانتقال إلى الديموقراطية بأساليب مباشرة وغير مباشرة.

وهكذا يمكن القول ان السلطوية تقف على رأس قائمة العوامل السياسية المؤدية إلى اتساع الفجوة بين المبادئ النظرية للديموقراطية وبين التطبيق.

غير أنه بالإضافة إلى ذلك هناك عوامل سياسية أخرى، أهمها ضعف الأحزاب السياسية، وانعدام تأثير مؤسسات المجتمع المدنى إذا وجدت فى المجتمع.

ولا شك أن ضعف الأحزاب السياسية يرد فى جانب منه إلى تأثير السلطوية القامعة التى حاربت التعددية الحزبية حتى تنفرد بالمسرح السياسى، وحتى إذا قبلت بها فإنها تضع قيوداً متعددة على حركة الأحزاب السياسية المعارضة لحساب الحزب الحاكم أو المسيطر حتى تفقدها فاعليتها، وتمنع تأثيرها على اتجاهات الناخبين السياسية.

غير أن هناك أسباباً اقتصادية تؤثر بالسلب على تطبيق المثال الديموقراطى، ويتمثل ذلك فى قوة رأس المال، وتأثير رجال الأعمال السلبى على سير العمليات الانتخابية من ناحية، والفقر الشديد لجماعات شتى من الناخبين من ناحية أخرى.

والتأثير السلبى لرأس المال ظاهرة ملحوظة حتى فى بلاد لها تاريخ فى الديموقراطية مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

وإذا كان نفوذ رجال الأعمال قد ارتفع بشدة فى بعض المجتمعات العربية التى تنتقل ببطء من السلطوية إلى الديموقراطية، ومن الاشتراكية إلى الرأسمالية فى ظل إيديولوجية الليبرالية الجديدة، فلنا أن نتوقع التأثير السلبى لدخولهم حلبة السياسة مباشرة أو بالوكالة!

ويبدو هذا التأثير أولاً فى مجال الإنفاق الواسع المدى على الحملات الانتخابية سواء نزلوا الانتخابات بأنفسهم، أو كانوا يدعمون مرشحين معينين، بما يتجاوز أى سقف تضعه الحكومة للإنفاق الانتخابى.

فى مصر ـ على سبيل المثال ـ يتم الاستعداد لإجراء أول انتخابات برلمانية بعد إسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية. وإذا كانت الحكومة ستضع حدا أعلى للانفاق بالنسبة للمرشحين إلا أن الشواهد العملية تشير إلى أن بعض المرشحين سينفقون عشرات الملايين لكى يضمنوا حصولهم على المقعد النيابى الذى سيمنحهم الحصانة، ويكون مدخلهم للدفاع عن مصالحهم الطبقية، وزيادة نفوذهم الاجتماعى. وإذا أضفنا إلى هذه التأثيرات السلبية لرأس المال نزوع عدد من المرشحين الأغنياء لرشوة الناخبين الفقراء عن طريق شراء أصواتهم بثمن يدفع نقداً أو عيناً، لأدركنا كيف أن المساحة تتسع حقاً بين المثال الديموقراطى والتطبيق الواقعى.

غير أنه بالإضافة إلى الأسباب السياسية والاقتصادية التى تحول دون التطبيق الكامل والفعال للمثال الديموقراطى، هناك أسباب اجتماعية وثقافية متعددة.

ولعل فى مقدمة هذه الأسباب الاجتماعية أن «القبلية» تسود إلى حد كبير فى عديد من المجتمعات العربية، سواء فى المجتمعات الحضرية أو الريفية أو البدوية.

و«القبلية» هنا لا تشير فقط إلى انتشار وتعدد وصراع القبائل بالمعنى التقليدى للكلمة، بما يتضمنه ذلك من التشيع لابن القبيلة فى مواجهة أبناء القبائل الأخرى، ولكنها تشير أيضاً إلى الأسر الممتدة والعائلات الكبيرة حيث يتم الانحياز إلى أبناء الأسر والعائلات فى الانتخابات أيا كانت اتجاهاتهم السياسية، وسواء كانوا ينتمون إلى الحزب الحاكم أو الحزب المسيطر أو إلى الأحزاب المعارضة! ومعنى ذلك أن القبيلة أو العائلة هى المحك، وليس البرنامج السياسى الذى يطرحه المرشحون.

وهناك بالإضافة إلى الأسباب الاجتماعية أسباب ثقافية أحياناً ما تكون بالغة العمق فى التأثير السلبى على سلوك الناس. وأبرز هذه الأسباب الثقافية شيوع الاتجاهات الإسلامية السياسية الرجعية والمتطرفة، وتأثيرها على العقل الجمعى من خلال رفع شعارات إسلامية جذابة فى ذاتها، وإن كانت خاوية من أى مضمون سياسى. وأبرز مثال لذلك شعار «الإسلام هو الحل» الذى دأبت على رفعه جماعة الإخوان المسلمين فى مصر. وحين سئل أحد أقطاب الجماعة عن المضمون الحقيقى لهذا الشعار الفضفاض زعم أنهم يقصدون الإسلام لا بالمعنى الدينى ولكن بالمعنى الثقافى، ويقصد الثقافة الإسلامية. وهذا فى الواقع مجرد تبرير لا معنى له، وهروب واضح من تحديد المضمون السياسى لهذا الشعار.

وفى تقديرنا أن خلط الدين بالسياسة وهو ما فعلته بإصرار جماعة الإخوان المسلمين فى سعيها الدءوب لتأسيس دولة دينية تقوم على الفتوى ولا تقوم على أساس التشريع الذى يتم فى مجالس نيابية منتخبة فى انتخابات نزيهة وتحت رقابة الرأى العام، يعد عدواناً خطيرا على المثال الديمقراطى، ومن شأنه أن يؤدى إلى توترات اجتماعية بالغة العنف كما حدث فعلا فى تجربة ممارسة جماعة الإخوان المسلمين للحكم فى مصر.

وإذا أضفنا ـ أخيراً للأسباب الثقافية شيوع الأمية فى الوطن العربى، والتى قد تصل إلى نسبة أربعين فى المائة من مجموع السكان، مما يمنع الناخبين بين الاختيار الرشيد بين البرامج المطروحة فى الساحات السياسية، لأدركنا أن الفجوة مازالت واسعة حقاً بين النظرية الديمقراطية والتطبيق فى بلادنا العربية.

نحن فى حاجة فى الواقع إلى «إعادة اختراع الديموقراطية» بالتخلى عن «الديموقراطية التمثيلية» وتأسيس «ديموقراطية تشاركية» تعبر عن جموع الناس وتحقق مصالحهم الحقيقية.


لمزيد من مقالات السيد يسين

رابط دائم: