السبت 26 من شعبان 1436 هــ 13 يونيو 2015 السنة 139 العدد 46940

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

قانون (ادخلوها فاسدين)

عندما وَصَفْنَا قانونَ تحصين العقود بقانون (ادخلوها فاسدين) لم نكن ندرى أن ذُرِيّةَ أمانة السياسات حُبلَى بقانونٍ هو الأحقُ باللقب بِلا مُنازعٍ .. أعنى القانون رقم (16) المُعَدِّل لقانون الإجراءات الجنائية، الذى دُسّ بين مجموعةٍ من القوانين ليلة افتتاح المؤتمر الاقتصادى الناجح وتم تمريره فى هدوءٍ فلم يلتفت إليه أحدٌ، إلى أن فوجئ الجميع بمُحامى أحد كبار الهاربين يتقدم بطلبٍ للصُلح لرئيس الوزراء مُستنداً لهذا القانون التاريخى بمعنى الكلمة، إذ لأول مرةٍ فى التاريخ الحضارى الحديث منذ عدة قرونٍ فى مصر والعالم يَصدُرُ مِثلُ هذا القانون الشاذ عن النظام العام والعرف الدستورى والمناقض لمبادئ إنشاء الدولة الحديثة كما قال الفقيه القانونى الوطنى الجليل الدكتور/ على حامد الغتيت، إذ يُجيزُ لأول مرةٍ فى التاريخ المُعاصر ما ظل محظوراً دستورياً وهو إجازةُ التسوية الودية والصلح مع مُرتكبى جنايات الاعتداء على مصالح الدولة والمنصوص عليها فى قانون العقوبات وهى جرائم اختلاس الأموال العامة والخاصة والاستيلاء عليها بغير حق/ جريمة الغدر أو طلب أو أخذ ما ليس مستحقاً من غراماتٍ وضرائب/ جرائم محاولة التربح من أعمال الوظيفة والإخلال بتوزيع السلع/ جرائم إحداث الضرر بالأموال والمصالح عمدًا بالإهمال/ جرائم الإخلال بتنفيذ بعض العقود الإدارية وعقد المقاولة/ جريمة استخدام العمال سُخرةً/ جريمة تخريب الأموال الثابتة والمنقولة. أما كيف يتم هذا الصلح رغم وجود أحكامٍ قضائيةٍ تُدينُ السادة اللصوص الهاربين فتلك أُمُ الكوارث، إذ يتم بواسطة لجنةٍ من (الخبراء) يختارهم رئيس الوزراء، وتُحَرِرُ اللجنةُ مَحضراً يُوقعه أطرافُه (ومن بينهم بالطبع مُحامى السيد اللص الهارب) ويُعتبرُ اعتمادُ المَحضَرِ مِن مجلس الوزراء توثيقاً له وبدون رسوم.. ويصبح لهذا المَحضَرِ قوةُ السَنَد التنفيذى .. ويُخطِرُ مجلسُ الوزراء النائبَ العامَ سواء كانت الدعوى قيد التحقيق أو المحاكمة، فتنقضى الدعوى الجنائية وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبات المحكوم بها على المتهمين طالما لم تصبح باتةً بحُكمٍ نهائىٍ من محكمة النقض.

أى أن هذا القانون يُقَلِّصُ اختصاص القضاء الجنائى الأصيل، فينحسر بمقتضاه كاملُ اختصاص جرائم المال العام عن محكمة الجنايات، بل ويسقط محكمة النقض فى اختصاصها مُنفردةً فى إصدار الأحكام القضائية الباتة فى تلك الجرائم.. وبمقتضاه أصبح للسلطة التنفيذية القولُ الفصلُ فى جرائم المال العام لِتَحِّل بذلك مَحل القضاء المستقل.. وبمقتضاه تُصبحُ قراراتُ هؤلاء (الخبراء) ومَحاضرُهم المُعتَمَدةُ من السلطة التنفيذية أقوى من محكمة النقض ذاتها.

فى مصر أم العجائب، لو طُلِب من اللصوص المستفيدين من هذا القانون أن يضعوا لأنفسهم قانوناً لتَحَرّجوا أن يفعلوه بهذه الأريحية وهذه البجاحة.

ويتساءلُ المَرءُ: مَنْ الذى زَرَعَ مُحامياً مغموراً مِن (أصدقاء) أحد الوزراء الهاربين المُدانين عضواً قيادياً فى لجنة الإصلاحات التشريعية الاقتصادية المُناط بها صياغة القوانين التى ترسم لمصر مستقبلها(!). ومَن الذى كَلّف الشخصِ نفسه قَبْلَ ذلك بصياغة قانون تحصين العقود؟!.

مثلُ هذه القوانين لا تجذب استثماراً ولن تأتى إلا بمستثمرٍ فاسد، وتُعتبرُ دعوةً مفتوحةً لكل الفاسدين أن يسرقونا دون خوفٍ من القضاء وأحكامه .. فاللجنة ستُبرئهم .. واللجنة أقوى من القضاء.

منذ اكتشاف هذا القانون من أسبوعين يصرخ كثيرون مِن جميع التيارات (إلا تيار اللصوص طبعاً) مُطالبين بإزالة هذا العار (أذكر منهم الدكتور الغتيت وعادل حمودة ومحمد الشرقاوى وآخرين) وأَضُمُ صوتى لهم لعل أحداً يستجيب .. هذا القانون فضيحةٌ عالميةٌ لنا ومُهينٌ لشعبٍ عريقٍ صَبَرَ على الفقر كثيراً ولم يُفَرّط فى شرفه ولو استأذنوه لَرَفَضَ هذا العار .. قالت العَرَبُ قديماً (تموت الحُرّةُ ولا تأكل بثديها) والمصريون شعبٌ حُرٌ يرفضُ كنوز الأرض ثمناً لسُمعته ومشروعية دولته (أقدم دولةٍ فى التاريخ) .. فما بالُكم والحصيلةُ لن تكون إلا فُتاتاً .. فمَن قاموا بتفصيل هذا القانون المُهين والشاذ وفرضوه أمراً واقعاً سيكونون بلا شكٍ عِمادَ لجنة (الخبراء) التى تفاوض اللصوص الهاربين .. مفاوضات عائلية، جورج الخامس يفاوض جورج الخامس .. ولن تزيد الحصيلةُ فى أكثر التقديرات تفاؤلاً على أربعةٍ أو خمسة مليارات جنيه .. يَالَهُ من ثمنٍ قليل .. ونحنُ لا نشترى بعهدِ اللهِ ثمناً قليلاً.


لمزيد من مقالات م يحيى حسين عبد الهادى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة