الأربعاء 23 من شعبان 1436 هــ 10 يونيو 2015 السنة 139 العدد 46937

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الإمام الأكبر فى حوار لـ «الأهرام»: لسنا مؤسسة «كهنوتية» لا تقبل النقد

أجرت الحوار: مــروة البشـير
د.أحمد الطيب
حين تغيم الرؤية وتختلط المفاهيم فى العقول ولا نعرف فى أى الاتجاهات نسير، لا بُدَّ أن نحتمى بالمرجعيَّة الثابتة التى لم تتغير على امتداد تاريخها الطويل، نتمسك بردائها لتَعبُر بنا أزمة الفكر وعشوائية الرأى التى لا تُؤدِّى إلا إلى طريق مظلم،

فذلك قدَرُها ودورها، وتلك أمانتها التى حملتها على عاتقها منذ وجودها.. تنير للناس طريق الحق دون غلوٍّ أو تفريط، بحكمة وعلم وبصيرة، إنها مؤسسة الأزهر الشريف التى حملت ما تنوء الجبال به من أمانة العلم، تُبحر بالناس فى خضمِّ بحر لُجيٍّ يغشاه موجٌ من الجهل، من فوقه موجٌ من التشدُّد، من فوقه سحابٌ من التشكيك، لترسو بهم فى النهاية إلى برِّ أمانٍ يجدُ طالب الحق فيه ضالَّتَه، ويهتدى فيه السالكُ إلى الله إلى طريقِه، ويستوضح السارى فى ظلام التعتيم سبيلَه.

فى حوارٍ شامل لـ«الأهرام» اتَّسم بالصراحة والمكاشفة، تناول فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف القضايا الراهنة المتعلقة بدور الأزهر، وتجديد الخطاب الدينى ومحاربة الإرهاب، وتطوير المناهج التعليمية الأزهرية ومحاولات البعض الهجوم على الأزهر، حيث أكَّد فضيلته أنَّ تجديد الخطاب الدينى بالنسبة للأزهر هو قضية عِلميَّة منهجية، وكان الأزهر أوَّلَ مَن نادى وأثار هذه القضية منذ سنوات، وأنَّ التجديد لا يعنى هدم ثوابت الدين.

وأكد شيخ الأزهر أنَّ تهميش دور المؤسسات الدينية مع تراجُع أدوار غيرها من المؤسسات أسهم فى تغلغُل الأفكار المتطرفة، وشدَّد على أنَّ مواجهة الإرهاب وتلك الأفكار ينبغى أن تكون شاملةً، بمساهمة كلِّ هذه المؤسسات، ودعا فضيلة الإمام الأكبر إلى ضرورة أن يتحمَّل الإعلام مسئوليَّاته ويُرشِّد دوره فى الحِفاظ على مُقومات المجتمع وتدعيم التسامُح والاعتدال مع ضرورة دعم الدولة للإعلام الرسمى ليحقق أهداف الدولة الاستراتيجية، وأكد لنا ثقته فى أن داعش وغيرها إلى زوال.. وأن الأزهر ليس مؤسسة «كهنوتية» لاتقبل النقد ..وإلى نص الحوار

 

بداية.. ما هى رؤيتكم لدعوة تجديد الخطاب الديني؟

يفخر الأزهر أنَّ هذه الدعوة أطلقها منذ سنوات، ونادى بها علماء الأزهر وعملوا عليها بالبحث والدراسة والرسائل العلمية والندوات لسنواتٍ عديدة، ولكنها لم تكن تحظى بالأولوية فى خضمِّ المشكلات والقضايا الأخرى، ثم جاء الرئيس عبدالفتاح السيسى وتبنَّى هذه القضية وأخرجها من ضِيق التهميش والتجاهُل إلى سَعة الاهتمام، وجعلها قضية وطنية ذات أولوية وضرورة يدرك الأزهر أهميتها منذ وقت طويل.

وعلى الرغم من أن دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى تجديد الخطاب الدينى منحت الجهود المبذولة فى هذا المجال اهتمامًا شعبيًّا ودفعت بها إلى صدارة القضايا التى يتم التركيز عليها إعلاميًّا، إلا أن هذا الاهتمام الإعلامى ترتَّب عليه مشكلة لم تكن فى الحسبان تتلخص فى أنَّ هذه القضية ليست قضية جماهيرية وشعبية يستطيع الجمهور والإعلام أن يُشارك فى مناقشتها لأنها قضية علمية بالدرجة الأولى بالغة التعقيد والتخصص، لا يمكن لغير المتخصصين أن يكون لهم دور فى مرحلة البحث والدراسة والتنقيح، وإنما دور الناس والإعلام يأتى فى مرحلة التنفيذ وفحص ومتابعة نتائج التنفيذ لما تم إنجازه.

والأمر المهمُّ الذى نريد أن نُؤكِّده هو أن التجديد لا يعنى الهدم والتبديد، ولا يعنى الخضوع لدعاوى لا تقل تطرفًا تنتهز الفرصة لتشويه كل ما هو دينى أو تراثي، على النحو الذى نرى مظاهر عدَّة له، وهذه المحاولات المعادية للتراث الإسلامى هى نفسها من أقوى دوافع التطرُّف والإرهاب، بما تطرحه من مغالطات وسفسطاءات، وما تفتعلُه من معارك خالية من المضمون وما تثيره من استفزاز غير مأمون العواقب لدى الشباب الذى يحترم دينه.

كما أن التجديد هو خاصة لازمة من خصائص دِيننا الحنيف، وعملية مُستمرَّة ومتوالية ومتجددة للانتقال إلى منهجٍ جديد وإحياء الاجتهاد فيما يخدم هذه الأمة، وأمره محسوم فى الإسلام لأن النصوص التى تؤخذ منها الأحكام الشرعية محصورة ومحددة، أما الأمور المستجدة فهى فوق الحصر والعد، ومن هنا فلا بد من اجتهاد العلماء، حتى يمكن أن تناسب الشريعة العصور والأزمان.

وقد ذكرتُ أخيرا أنَّ جهد تجديد الفكر الدينى هو جهد جماعى تتضافر فيه جهود المؤسسات الدينية فى بلدان عربية وإسلامية أخرى إلى جانب مؤسسات الإعلام والثقافة والتعليم والمؤسسات القانونية وغيرها.

ماذا تم حتى الآن فى لجنة تطوير التعليم لتصبح المناهج الأزهرية مواكبةً لتطورات العصر الحديث؟

انتهت لجنة تطوير التعليم (ما قبل الجامعي) فى الأزهر الشريف من مراجعة دقيقة للمناهج الدراسية، شارَك فيها عدد كبير من خبراء المناهج ومن مختلف التخصصات العلمية والتربوية، ولم يكن عمل اللجنة كما يُخيَّل إلى بعض الناس مقتصرًا كما يقال- على حذف بعض الفقرات أو الموضوعات التى قد تُثير التباسًا، بل كان تطويرًا عامًّا وشاملاً ينطلق من فهم العمليَّة التعليميَّة بوصفها تخضع لمتغيرات مُتسارعة تقتضى مواكبتها بتعديل الموضوعات وطرائق العرض، وتضمين المناهج للقضايا المعاصرة التى ترتبط بحياة الطلاب والناس وواقعهم، وبشكلٍ عام فإنَّ تطوير المناهج عملية مستمرَّة، وهذه سمةُ أيِّ نظام تعليمى يطمح إلى النجاح.

وبعد أيام قليلة سوف ننتهى - بإذن الله - من كتاب الثقافة الإسلامية الذى عزمنا على تطبيقه كمُقرر عام لطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية بأقسامهما المختلفة بهدف تحصين الطلاب ضدَّ الأفكار المتطرفة والمفاهيم المغلوطة حتى نحميهم من استقطاب أيٍّ من الجماعات التكفيرية المتطرفة.

ما الدور الذى يمكن أن تلعبه جامعة الأزهر فى تجديد الخطاب الديني؟

مرحلة الجامعة هى مرحلة بالغة الأهمية للقائمين على الأزهر؛ لأنها المرحلة التى يتبلور فيها الخريج علميًّا ونفسيًّا، كما أنَّ التجديد يَشمَلُ فى جانب منه الأساتذة والباحثين فى كليَّات الدعوة وأصول الدِّين والدراسات العربية والإسلامية والشريعة بأقسامها المختلفة، وكذلك فى كليات اللغة العربية، وحتى فى الكليات العِلميَّة مثل الطب والهندسة، باعتبار كلِّ هؤلاء طلابًا وباحثين وأساتذة يُمثِّلون الحصن الحصين ضد التطرُّف، والقاعدة القادرة على إنتاج الخطاب الدِّينى الملائم ونشره بين الناس، وتتجاوز نظرة الأزهر هذه الأبعاد إلى التركيز على الباحثين بدرجتى الماجستير والدكتوراه، وتوجيه أبحاثهم إلى القضايا المتعلقة بالتجديد، وكذلك عقد المؤتمرات والندوات المتخصصة، وتشجيع طلاب الدراسات العُليا على دخول هذا المجال فى رسائلهم العلمية، وتخصيص مجلات عِلميَّة للدراسات والبحوث التى تُناقش التجديد فى كل مجالات المعرفة بما فيها الخطاب الديني، وتخصيص جوائز لأفضل الإسهامات التى يتقدم بها الطلاب والأساتذة أيضًا، وتشجيع الجامعة بطلابها وأساتذتها على الانخراط فى أنشطةٍ جماهيريَّة تتصل بالجماهير وتخاطبهم بأسلوب مُعتدِل.

وأنا أعتبر أنَّ ما ذكر فى هذه النقطة تكليف وتذكير بما يجب أن يتم فى مجال تجديد الفكر والخطاب الدِّينى من جميع المسئولين بالأزهر، وقد التقينا واتفقنا على محاسبة جميع المقصرين أيًّا كانوا، وعدم التَّردُّد فى استبعاد أى مقصر أيًّا كان منصبه.

تابعتُ ندوة الأزهر عن تجديد الفكر والعلوم الإسلامية، وعرفت خلالها أن فضيلتكم لكم أحاديث ومقالات وكتب منشورة عن قضية تجديد الفكر والخطاب الدينى وضرورته منذ أكثر من عشر سنوات.. فلماذا يتحدث البعض عن التجديد وكأنه قضية مطروحة اليوم فقط؟

التجديد كما قلت عملية دائمة ومستمرة يقوم بها الأزهر الشريف وعلماؤه، وفى اعتقادى أنَّ الزخم الإعلامى حول قضية تجديد الفكر والخطاب الدينى هو ما جعل المتابعين للشأن العام يعتقدون أن تجديد الفكر الإسلامى قد بدأ اليوم فقط، وفى الواقع ما يتم الآن هو استكمالٌ وإضافةٌ على جهودٍ لم تنقطع ولكن زادت وتيرتها لظروف اقتضتها طبيعة المرحلة.

كيف يُمكن للأزهر استعادة مكانته التاريخية فى نشر الإسلام الوسطى عبر العالمين العربى والإسلامي؟ وبماذا تردُّون على حملة الهجوم والنقد بتراجُع دور الأزهر فى مواجهة التطرُّف والإرهاب؟

الأزهر لم يفقد مكانته حتى نسأل عن كيفية استعادتها، ويشهد على ذلك مكانته فى قلوب المسلمين فى العالم أجمع، وهناك ما أودُّ توضيحه هنا وهو: التفرقة بين مكانة الأزهر فى قلوب الخاصة والنخبة العامة وعقولهم، داخل مصر وخارجها، وبين مكانة الأزهر فى بعض وسائل الإعلام الخاصة.

وفيما يتعلق بمكانة الأزهر فى خارج مصر وبجميع دول العالم بالشرق والغرب وفى قلوب وعقول النُّخبة وعامَّة الشعب المصري، فإنه يُمثِّلُ بالنسبة لهم قلعةَ الإسلام المعتدل الصحيح، وهو الملاذ الآمن ضد كلِّ موجات التطرُّف والإرهاب والإلحاد، وهو مَلاذ المصريين فى كلِّ أوقات المِحَنِ والشدائد، ولعلك تذكرين دور الأزهر فى حماية الوطن ووحدته الوطنية والتلاحُم مع أشقَّائنا الأقباط ووأد الفتن التى يشعلها المتربصون بينهم وبين المسلمين ووثائق الأزهر، ووقفته إلى جانب ثورة 30 يونيو ودوره فى إنجاحها، ودوره الحالى فى إنجاح المصالحات المجتمعية فى الداخل والخارج؛ وعلى سبيل المثال دوره فى المصالحة الأخيرة بأفريقيا الوسطي.

وبخصوص حملات الهجوم والنقد فعندنا فى الأزهر هيئات تتابع كل ما يُكتب فى هذا المجال، ولا ندعى أن أداءنا هو الأفضل والأكمل، فالكمال لله وحده، ولا أنكر أننا نجد، قليلًا، من بين هذه الانتقادات يصدر عن رغبة صادقة فى الإصلاح أو تدارك الأخطاء، وما ينبهنا إلى بعض جوانب القصور، وفى هذه الحالة فإننا نبادر إلى الاستفادة من مثل هذه الآراء، وربما ندعو أصحابها ونناقشهم ونلتمس منهم مزيداً من النصح. وعلى الجانب الآخر نجد أن هناك من يخوض حروبًا هدفها التشويه وزعزعة ثقة الناس فى أزهرهم الشريف، ولا نجد فى الكتابات التى تنحو هذا المنحى غير الافتراءات والتلفيقات، ولا يوجد فيها ما يمكن الاستفادة منه لأنها تعتاد اختلاق الأكاذيب والشائعات.

> الأزهر بصدد إصدار وثيقة حول آليَّات وضوابط تجديد الفكر والخطاب الديني.. كيف يُمكن أن تُسهِم هذه الوثيقة فى جهود التجديد؟

نعقد فى الأزهر لقاءات مع عددٍ كبير من المثقفين والمفكرين والعلماء والإعلاميين من أجل المشاركة فى صياغة وثيقة تَصدُر من الأزهر الشريف، وتتناول آليات وضوابط إصلاح الفكر الدينى وتجديده، ويُشارك فى صياغة هذه الوثيقة عدد من العلماء والباحثين الثقات بجوار عددٍ من المفكرين والمثقفين والكُتَّاب من كل الاتجاهات الفكرية والسياسية والثقافية، والذين يعرضون رؤاهم ومقترحاتهم حول آليَّات وضوابط تجديد الفكر والخطاب الدِّينى خلال الحلقات النقاشية التى يتبنَّاها الأزهر.

ما تفسير فضيلتكم لما تشهده مصر من موجة إرهاب غير مسبوقة؟

التطرف والإرهاب صورةٌ من صور الجرائم الجنائيَّة التى تتخذ من الدين ستارًا وتوظفه ليكون مبررًا للخُروج على القانون وعلى المجتمع، والدين هو المجنيُّ عليه جنبًا إلى جنب مع ضَحايا الجريمة الإرهابية، ولعلنا نُذكِّر بأن مصر لم تواجه الإرهاب خلال العامين الماضيين أو العقد الأخير فقط؛ لأن معركتها معه تمتد إلى ما يزيد على أربعة عقود، وكان من ضحايا هذه الموجات الإرهابية الشيخ الذهبى والرئيس الأسبق محمد أنور السادات - رحمهما الله - ولم يتوقَّف بعدها، وخلال هذه العقود كان موقف الأزهر الشريف ثابتًا، وهو التصدِّى بالحُجَّة والبرهان والدليل الشرعى لكل الأفكار والجماعات التى تبنَّت أفكارًا خاطئة وحاولت الترويج لها، وقد أكَّد الأزهر الشريف دائمًا ترسيخ الوسطية والتسامح ونبذ العنف والكراهية التى اتخذتها الجماعات الضالة منهجًا وأسلوبًا، سواء تجاه الأديان والمذاهب والحضارات والشعوب الأخرى، أو تجاه المسلمين الذين لا يُشاركونهم تطرُّفهم وتشدُّدهم.

وقد حدث تطورٌ مهم فى مصر خلال العقود الماضية؛ إذ لوحظ أنَّ وجود الدولة فى المناطق العشوائية التى تضخَّمت بصورة مذهلة أصبح غير قائم، فهناك مناطق تضمُّ مئات الألوف لا يُوجَد لها نقطة شرطة ولا يوجد بها مستشفيات لوزارة الصحة أو للتموين أو التعليم والإسكان، وكان لابد أن يكون هناك مَن يحل محل الدولة فى كل هذا، وجاءت هذه الجماعات المتطرفة وعملت داخل هذه المناطق لتُتاجر بهذه الخدمات وتؤثر بالمال والنفوذ والدعم وتقديم الخدمات فى عقول قاطنى هذه المناطق، والآن نحن ندفع ثمنَ انسحاب الدولة من داخل هذه المناطق، وعلى المسئولين أن ينتبهوا لملء هذه الفراغات وإلَّا فسوف نفاجأ بمن يملؤها من جماعات أخرى ونعود لنقطة البداية.

وما مسئولية الأزهر فى مواجهة ذلك؟

القضية لا تتعلق بالأزهر فحسب أو بالمؤسسات الدينية وحدها، لأن كل جهات التنشئة الاجتماعية والنفسية تتحمل جزءًا من المسئولية، وعلى رأسها مؤسسات التعليم والمؤسسات الإعلامية والمؤسسات الثقافية والفكرية، ومؤسسات الشباب، ولا ينفصل موضوع التطرف أيضًا عن الظروف الاقتصادية والمشكلات المعيشية والبطالة، وكذلك البيئة السياسية التى لا تستطيع استيعاب الشباب وإعطاءه مساحة للتعبير عن ذاته والمشاركة فى شئون مجتمعه. كل ذلك يُسهم فى ارتفاع وتيرة تأثر الشباب بالأفكار المتطرفة، ولا ننسى أيضًا أن الغرب بأطماعه وتدخلاته فى شئون الدول الإسلامية وتزايد نزعات التطرف فيه يمنح الجماعات المتطرفة فى الدول العربية والإسلامية ذرائع ومبررات لتجنيد الشباب الغاضب على ما تتعرض له بلدانه من انتهاك ومن اعتداءات.

وهل تراجع دور المؤسسات الدينية قد أسهم فى تغلغل الأفكار المتطرفة؟

لابد من الاعتراف أن جميع مؤسسات الدولة قد أصابها بعض الوهن والضعف خلال السنوات الطويلة الماضية ،ولذا يجب علينا العمل على تصحيحه وإصلاحه، ولكن بشكل عام فالأزهر لم ولن يتوانى عن القيام بمسئولياته وبدوره فى مواجهة التطرف والإرهاب واحتواء شروره، ومنع الأفكار الفاسدة من أن تجد لها طريقاً إلى قلوب الشباب وعقولهم، وهو ما نبذل الجهود من أجله، وبرهان ذلك كان واضحًا فى أحداث السنوات الأخيرة فى مصر، فقد تصدى الأزهر للأفكار المغلوطة ولمحاولات اختطاف الدين الإسلامى من جانب جماعات العنف المسلح، وقد جمع المصريين على كلمة سواء حين أصدر الوثائق المتعددة التى حملت اسمه - «وثيقة الأزهر» - وفيها تتجلى وسطيته واعتداله وقدرته على استيعاب جميع القوى تحت مظلة جامعة، كما واصل الأزهر رسالة الدفاع عن الشعب المصرى فى ثورة الثلاثين من يونيو، وينشط علماء الأزهر فى مواجهة أفكار الإرهاب ودعاته بشكل يومى غير أن هناك حالة من التجاهل الاعلامى لهذه الجهود.. ونحن لا نزعم أننا حققنا كل الأهداف المرجوة، فمازال أمامنا الكثير، ويحتاج الأزهر من أجل إنجاح رسالته إلى دعم الدولة والمجتمع والتفاف الشعب حوله.

إنَّ جهودنا الحالية تجرى على مستويات عدة، وتشارك فيها المؤسسات البحثية وكبار العلماء وقطاع الوعظ بتقديم المؤلفات والدراسات التى تُظهر فداحة جرائم تنظيمات الإرهاب مثل القاعدة وداعش، سواء من جهة ما ينسبونه زوراً إلى الدين الإسلامي، أو من جهة الممارسات التى لا علاقة لها بالإسلام، وما تجرّه على المسلمين من ويلات. وقد ركَّز الأزهر فى نشاطاته العلمية والدعوية على كشف زيف الفكر الإرهابى واسترداد المفاهيم التى شوهها هذا الفكر وبيان الصواب فيها، مثل: الجهاد والحاكمية والتكفير والهجرة والخلافة وغيرها مما يتسبب الفهم الخاطئ لها فى معاناة أوطاننا من جرائم الميليشيات المتطرفة. وهناك أمر لابد من توضيحه للجميع يتعلق ببعض الفتاوى أو الأحكام التى أصدرها هذا الفقيه أو ذَاك فى العصور الخوالى ويتخذها البعض ذريعة للهجوم عليه أو يتخذها البعض حجة ليبرر بها تطرفه وتشدده، فهذه الفتاوى إنما صدرت لمواجهة ظروف استثنائية لا يمكن القياس عليها الآن، وقضية التكفير أصدق مِثال على دعوانا هذه، حيثُ نرى جماعات الإرهاب المسلح اليوم تستند إلى أحكام تنقلها عن ابن تيمية وابن كثير، رحمهما الله، تنص على أن النُطق بالشهادتين لا يكفى للحكم بإسلام الشخص، بَل لا بد من اقتران العمل بهما والخُضوع الكامل لأحكام الإسلام، والالتزام »بالدفاع عن الجماعة والدولة الإسلامية والشـريعة، فإذا خرج المسلم، أو المسلمون عن هذه الشـروط فهم كفار يَجب قِتالهم.. وجَليّة القَول فى هذا الفهم المغلوط أن ابن تيمية، رحمه الله، إنما قال ذلك الكلام فى القرن السابع والقرن الثامن الهجريين، وكان مشغولًا بالمعارك العنِيفَة الدامية بين المسلمين، وغارات التتار الذين أسقطوا بغداد واستولوا على الشام ووصَلوا إلى مصـر التى هزمتهم فى عين جالوت.. وكان التتار فى ذلك الوقت يظهرون إسلامهم ويبطنون كفرهم، وكان حُكام الدويلات المسلمة لا يجدون حرجًا من الاستعانة بهم فى السيطرة على ما تبقى فى أيديهم من البلاد، وفى هذه الظروف تحديدًا قال ابن تيمية ما قال من أنه لابد من اقِتران العمل بالشهادتين حتى يمتاز المسلم عن غيره من المتظاهرين بالإسلام الذين يكيدون للمسلمين ويقتلونهم.. والسؤال هو: كيف يصح قياس مجتمعاتنا الإسلامية الآن على مجتمعات اختلط فيها المسلم بالكافر والمنافق، والعرب بالتتار والمغول؟! وهل يمكن أن يسوى فى الحكم الواحد بين المجتمعات المسلمة فى القرن الحادى والعشـرين وبينها فى القرنين السابع والثامن الهجريين؟!

ومن ضمن جهود الأزهر ما يعقده من ندوات وما يحركه من قوافل دعوية تجوب مصر من شمالها إلى جنوبها.

كما ينسق الأزهر الجهود على مستوى الدول العربية والإسلامية، ويعقد المؤتمرات والندوات، ويسافر علماؤه إلى كل أنحاء العالم لمخاطبة سياسيى الغرب وإعلامه وجامعاته وبرلماناته ومؤسساته الدينية وأحزابه ومراكز الدراسات والبحوث فيه، لإيضاح حقيقة الإسلام.

كيف يمكن فضح زيف أفكار وتفسيرات هذه التنظيمات الإرهابية للدين؟

إن تشخيص المرض هو نصف العلاج كما يقولون، وقوة الدولة وإحكام سيطرتها على جميع ربوعها وتوفير الأمن والاستقرار ودعم الجيش والشرطة وتوحيد الدولة خلف قيادتها العنصر الرئيسى والفاعل فى الوقت الراهن فى المواجهة مع الإرهاب، ويتزامن هذا مع ضرورة تصحيح وتجديد الخطاب الإعلامي، فلا يتصور أن تكون الدولة فى حالة حرب وتسيل دماء الشهداء دفاعًا عن هذا الوطن فى الوقت الذى يبحث فيه الكثير من وسائل الإعلام عن كل هو مثار للخلاف وكل ما هو غريب وشاذ.

وأقولها بكل أمانة ووضوح إن إعلام الدولة رغم إمكاناته المادية والفنية المحدودة، هو الإعلام الأكثر مسئولية والتزامًا، ومن هنا وجب تقديم كل الدعم له لتطويره ومنحه القدرة على المنافسة، وكل دول العالم لها وسائل إعلامها التى تعمل على تحقيق أهدافها الاستراتيجية سواء من صحف أو قنوات فضائية ومراسلين فى كل أنحاء العالم ومراكز أبحاث تقدم مشورتها وآراءها للرأى العام فى صورة تقارير تجعل الصحف الخاصة تسير خلفها، وأرى أن تصحيح وتجديد الخطاب الإعلامى ودعمه يجب أن يحظى بأولوية قد تسبق تجديد الخطاب الدينى الذى هو أحد مكونات تشكيل الوعى الوطنى والوعى العام للشعوب وليس كل مكونات الوعى العام والوطنى لأنه حتى إذا تم تجديد الخطاب الدينى بدون الخطاب الإعلامى يراوح مكانه، فإن التغيير المطلوب لن تتحقق أهدافه كاملة، وهذا ما يدفعنا إلى الإسراع لإنهاء أعمال افتتاح قناة الأزهر الفضائية لتكون قبلة للناس لمعرفة الدين الصحيح المعتدل وكشف زيف وأباطيل هذه الجماعات والتصدى لها واستثمار تجديد الخطاب الدينى لإيصاله إلى كل شرائح المجتمع. ولدينا رجال مخلصون يصلون الليل بالنهار حتى تفتتح قناة الأزهر فى أقرب وقت وتساند فيها دول شقيقة داعمة لرسالة الأزهر الشريف.

وما هو حكم الدين على الجماعات الإرهابية التى تمارس القتل والإفساد باسمه؟ وكيف تعامل الإسلام مع جماعات الخوارج عبر العصور الإسلامية المختلفة؟

فيما يخص الجماعات الإرهابية فقد بينت كتب الفقه من خلال النصوص الشرعية كيفية التعامل معها حسب أحوالها وخطورة الأفعال التى تمارسها. والجماعات الارهابية القائمة «مفسدون فى الأرض وبغاة»، وبالتالى فإن ردع هؤلاء وحسابهم على جرائمهم واجب شرعي، على ولاة الأمر تنفيذه لصيانة أمن الناس وحفظ أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وهذا يقتضى كشف مزاعمهم التى يتذرعون بها حتى لا ينخدع الناس بما يروّجون له من تستر كاذب بالدين وهم أبعد ما يكونون عن تعاليم الشرائع كلها وليس شريعة الإسلام السمحة فقط. ويلزم أن يسارع أولو الأمر فى الدول العربية والإسلامية إلى مواجهة هؤلاء فكريًا وعسكريًا ووقف ما يمارسونه من تخريب وقتل وحشى وإفساد فى الأرض ونشر للفتنة بين المسلمين، وعلى الأنظمة العالمية كلها أن تصطف مع العالم العربى من أجل القضاء على هذا الوباء الفكري، وخلاصة القول إن التصدى بقوة السلاح للبغاة أمر معلوم فى شريعة الإسلام، وأن هذا من أوجب الواجبات على المسئولين والحُكَّام.

ونتغافل عن ذلك لنتحدث عن زواج الصغيرة، وحكم المرتد، وعذاب القبر، وغيرها، ونترك بناء العقول الشابة التى اختطفتها قوى الإرهاب والتطرف.

هناك من يحاول العبث والتشكيك فى ثوابت العقيدة الإسلامية مثل عذاب القبر وكتب التفسير، وغيرهما، فما هو رد الأزهر على تلك المحاولات التى تهدد السلم الاجتماعى وتثير البلبلة لدى العامة؟

الوطن فى محنة حقيقية يحاول أن يتجاوزها بقوة بعد ثورة الثلاثين من يونيو، لذا فالموضوعات الدينية التى ينبغى مخاطبة الناس بها يجب أن تتناسب مع تطلعات شعب يدخر كل وقته وطاقته وجهده وعرقه لبناء حياة جديدة ومستقبل مشرق، وتحديد الموضوعات الدينية حسب الأولويات- يمثل أهم محاور تجديد الفكر الديني، لأنه ليس من المفيد لأحد الآن أن نتناول موضوعات لا تصبّ فى صالح البناء، وإنما تصيب المواطنين حالة اغتراب كاملة.. اغتراب عن الزمن وعن العصر الحالي، وعن المشكلات التى تواجه الوطن. والأهم من مناقشة عذاب القبر الآن، على سبيل المثال، أن نناقش أفكار الجهاد والحاكمية والتكفير التى يتسبب الفهم الخاطئ لها فى معاناة أوطاننا من جرائم الميليشيات المتطرفة.

وإلى أى حد يتفاءل فضيلة الإمام الأكبر بانحسار الظواهر الدينية المتطرفة كداعش وغيرها؟

لا يبدو أن التطرف والإرهاب يمكن أن ينحسرا قريبًا، فلا تزال العناصر والعوامل التى تغذيهما قائمة، وقد تعاظمت قوتهما وخطرهما إلى الدرجة التى تجعل القضاء عليهما قريبًا أمرًا صعبًا. لذا يجب أن نعد أنفسنا لمواجهة قد تطول، وأن نعمل على علاج جذور المشكلة اجتماعيًا واقتصاديًا وفكريًا، غير أن ما أثق فيه هو أن داعش ونظائرها إلى زوال، فالمتأمل لتاريخ الإسلام يجد أن جماعات ضالة ومنحرفة كثيرة، كانت تظهر ويتعاظم خطرها، لكنها لا تلبث أن تتبدد كشجرة خبيثة اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار. وإن شاء الله بتكاتف الجهود والعمل بإخلاص نحو هدف واحد مشترك سوف تنجح جهود القضاء على هذه التنظيمات وأشباهها.

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تصاعدت الدعوات فى الغرب وبعض وسائل الإعلام الغربية لتحاول الربط بين الإرهاب والإسلام.. كيف تفنّد هذه الدعوات؟

هناك جهات وأحزاب وتيارات فكرية ذات أهداف سياسية فى الغرب تخوض حملة شرسة منذ عقود، وليس فقط منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر، بهدف تصوير الإسلام دينًا للعنف والقتل، ولو عدنا إلى أوائل التسعينيات من القرن الماضي، على سبيل المثال، لوجدنا تصورًا لمستقبل العالم تم طرحه تحت عنوان «صراع الحضارات»، من جانب الكاتب الأمريكى صمويل هنتنجتون، وانتشر هذا التصور أو هذه الفلسفة المغلوطة انتشار النار فى الهشيم، وهذا التصور كان يحمل روحًا عدائية تجاه الإسلام بشكل خاص من بين الديانات الكبرى فى العالم، حدث هذا ولم تكن أحداث الحادى عشر من سبتمبر قد وقعت بعد.

وعلينا ألا ننسى أنَّ تاريخ التحامل على الإسلام تيار قديم وممتد فى الفكر الغربي، يمتزج فيه تعصب موروث من العصور الوسطى ومصالح سياسية واقتصادية فى العصر الحاضر تتحقق بهذه الادعاءات التى تخفَّت طويلًا تحت ثوب البحث العلمي، فيما هى ترسم بدأب صورة مشوهة للإسلام والمسلمين. وللبرهنة على أثر التعصب الموروث من عصور سابقة نُذكِّر هنا باستخدام الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش الابن لتعبير «الحرب الصليبية» فى مستهل هجماته المتوالية على منطقتنا تحت زعم محاربة الإرهاب.

ويمكن الوقوف على بعض مظاهر الصورة المشوهة فى كتابات مستشرقين مشهورين منذ عقود طويلة، وكان هؤلاء ومَنْ وراءهم يبحثون عن المبرر أو الفرصة ليُعمِّموا فكرهم وينشروه على النحو الذى نراه الآن، وجاءت هجمات الحادى عشر من سبتمبر لتمنح هذه الاتجاهات والتيارات المبغضة للإسلام فرصتها الكبرى. لقد قدم تنظيم القاعدة هذه الفرصة على طبق من ذهب لتشويه الإسلام وتدمير صورته، ودفع المسلمون والدول العربية والإسلامية الثمن، وهذا هو عينه ما يفعله تنظيم داعش الآن.

وتفنيد هذه الدعوات ليس بالأمر الصعب إذا كان الطرف الذى يتهمك خالص النية أو يبغى الوصول إلى الحقيقة، فكل المؤسسات الإسلامية الكبرى وكل علماء الإسلام الكبار يؤكدون منذ عقود أن ما تفعله جماعات القتل والعنف ليس من الإسلام فى شيء، وتخوض الدول العربية والإسلامية حروبًا شرسة ضد الإرهاب فكريًا وعسكريًا وأمنيًا.

ولا يعنى هذا أننا بلا أخطاء.. بالعكس، فالمسلمون أول من يقرّ بوجود مشكلات تحتاج إلى الحل، وعلماء المسلمين هم من طرحوا مصطلح «الإصلاح».

وماذا فعل الأزهر الشريف للرد على هذه الحملات المسعورة؟

مشيخة الأزهر معنيَّة بتصحيح المفاهيم، وبالحوار الإيجابى مع كافة التيارات والاتجاهات الفكرية، وفى مؤتمرات عالمية عديدة، ومن يطلب الحوار لا نصده، مهما كانت توجهاته الفكرية، وأكبر دليل هو موافقة الأزهر مؤخرًا على طلب مقابلة السيدة مارين لوبان، رئيسة حزب الجبهة الشعبية بفرنسا، التى طلبت اللقاء والتقيتُ بها، رغم ما هو مشهور عنها من مواقفها المعادية للإسلام، وذلك لبحث الأمور المتعلقة بالمفاهيم الخاطئة والمغلوطة عن الإسلام، والتطرف الفكرى والعنصرية التى يشكو منها بعض مسلمى أوروبا، ودار حوار بيننا أعلنت خلاله مارين لوبان احترامها الإسلام والمسلمين، وطالبتُها خلال اللقاء بضرورة مكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا فى أوروبا إذا كانوا جادين فى حوار حضارى مثمر وفعَّال.. فالأزهر يفتح أبوابه ليحاور الجميع ويوضح لهم الصورة الحقيقية للإسلام.

وهناك جهود إعلامية حسب المتاح وحسب التعاون- ينشط فيها عدد كبير من خريجى الأزهر وأساتذته وشيوخه، الذين يسعون من خلال برامج دينية فى القنوات الفضائية ومحطات الإذاعة إلى تغليب صوت الاعتدال والحكمة، وتخليص الإسلام ممن يحاولون استغلاله لهدف سياسى أو من هؤلاء الذين قادتهم أهواؤهم وضلالاتهم إلى تبنى تفسيرات خاطئة وكارثية تجرّ الويلات على الإسلام والمسلمين، وتحفل الصحف والدوريات داخل مصر وخارجها بإسهامات أساتذة الأزهر وعلمائه التى تنطلق من رؤية إسلامية إلى مناقشة مختلف شئون الحياة وقضايا المجتمع وهمومه، كما يصدر عن الأزهر جريدة صوت الأزهر التى يكتب فيها العديد من علماء الأزهر ،ومجلة الأزهر التى تصدر عن مجمع البحوث الإسلامية.

ماذا تم حتى الآن بشأن حوار الأديان الذى دعا إليه الأزهر الشريف بالتعاون مع الفاتيكان؟

حوار الأديان هو نشاط متواصل ومستمر يشارك فيه الأزهر عبر كثير من الوسائل والقنوات والمؤسسات، ولا يقتصر الأمر على «مركز الحوار»، الذى كان يسمى فى السابق باسم «لجنة حوار الأديان»، بما يعنى توسيع المفهوم ليشمل المؤمنين بالأديان السماوية وأتباع العقائد غير السماوية وغير المتدينين، ويرأس هذا المركز عالم جليل، هو الدكتور محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف الأسبق .

بالنسبة إلى الحوار مع الفاتيكان تحديدًا، والذى كان يتم مع «المجلس البابوى لحوار الأديان»، وهو ما أعتقد أن السؤال يقصده، فقد اضطررنا لتجميده من جانبنا فى أبريل من عام 2011، بناء على ما رأيناه وقتها من تكرار هجوم البابا السابق بينديكت السادس عشر على الإسلام وتصريحاته السلبية بشأنه، ومزاعم من جانبه بأن مسلمى الشرق الأوسط يضطهدون المسيحيين الذين يعيشون بينهم، ويضطرونهم للجلاء والهجرة إلى الغرب، وذلك إثر حوادث إرهابية استهدفت بعض الكنائس وفى العراق وفى مصر وبعض المسيحيين، وقد تصدينا لها، وقد اعتبرت تصورات البابا فى ذلك الوقت تدخلًا واضحًا فى الشئون الداخلية لدول عربية وإسلامية، وقد رأينا أن تصريحاته ومواقفه لا تخدم أجواء الحوار ولا تشجع عليها، وأنه ليس معنى ترحيبنا بالحوار أن نقبل تمرير مثل هذه الاتهامات أو نتجاوز عنها. ومع استقالة البابا بينديكت ومجيء البابا فرنسيس قبل سنتين تقريبًا لمسنا بوادر جديدة مختلفة للغة أكثر إيجابية، ولذا استقبلنا وفدا من الفاتيكان فى مشيخة الأزهر الشريف ، وأعلمناهم بأننا لا نمانع فى استئناف الحوار معهم شريطة أن نتفق على منطلقات الحوار وأهدافه، لأنه ليس من المجدى أن يكون الحوار لمجرد الحوار ،وبعد زيارة الرئيس السيسى للفاتيكان وإعلانه ضرورة التواصل بين الأزهر والفاتيكان للتصدى للإرهاب، كلفت وكيل الأزهر بالتوجه إلى الفاتيكان والمشاركة فى مؤتمر «مكافحة العبودية وسبل الرق الحديثة»وألقى كلمة الأزهر فى حضور بابا الفاتيكان ورؤساء الأديان المختلفة .

تمثل العلاقة القوية بينكم وبين البابا تواضروس الثانى حصن أمان للوحدة الوطنية المصرية، كيف يمكن للتعاون بينكما أن يلعب دورًا فعالاً فى مواجهة الفكر المتطرف والتعصب؟

البابا تواضروس رجل وطنى وهو امتداد لرموز الكنيسة المصرية التى يتوارث رموزها والقائمون عليها إعلاء الحس الوطنى فوق كل الاعتبارات، والحرص على مصر وعلى وحدة النسيج المصري.

وتجمعنى بالبابا تواضروس علاقة ود وتفاهم واحترام متبادل، ولدينا فهم مشترك لأخطار التطرف والتعصب على مستقبل مصر بمسلميها ومسيحييها، ووعى عميق متبادل بأن ثمة قوى تتربص بمصر فى الداخل والخارج، وتحاول جاهدة استثمار أى فرصة لإثارة الفتنة ونفخ نيران الكراهية والتهويل والتضخيم من أى حادث عارض، وأحسب أن العلاقة بين الأزهر والكنيسة نجحت فى احتواء كثير من المشكلات، وفوتت الفرصة على المتربصين.

لعب بيت العائلة دورًا مهمًا فى الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع اندلاع الفتنة الطائفية.. كيف يمكن توظيف بيت العائلة فى تحقيق التلاحم المجتمعي؟

بيت العائلة المصرية فكرة فى مكانها وزمانها الصحيحين.. ولها حضورها من الأصل فى نفوس المصريين، وهى تشير إلى أنَّ من طبيعة البشر أنْ يختلفوا وأن تنشب نزاعات بينهم لهذا السبب أو ذاك.. هذا أمر حتمي.. والسؤال: كيف نتعامل مع هذه الاختلافات؟ رؤيتي، وهى نابعة من التقاليد التى تربيت عليها فى صعيد مصر، أن كثيرًا من الخلافات تجد طريقها إلى الحل بطريقة أسهل وأيسر وأكثر إرضاء للجميع تحت سقف يضم المتخاصمين جميعًا، ويتم الاحتكام إلى رجال أثبتت الأيام حكمتهم وصواب نظرتهم وقدرتهم على إعطاء كل ذى حق حقه بسلطة الهيبة المعنوية ووقوع المخطئ تحت طائلة «ارتكاب العيب» لا تحت طائلة العقاب.. أى الوقوع فى إدانة أخلاقية معنوية أمام عموم الناس وأمام الأهل والأقارب.

كان هدفى من «بيت العائلة المصرية» هو نقل هذه الفكرة إلى مجال العمل العام، والذى تنشب فيه خلافات قد لا تكون الطرق التقليدية ملائمة لحلها بما يكفي، أو قد تحل جزءًا منها فقط دون النفاذ إلى أعماق المشكلات أو مداواة النفوس والقلوب بمحاولة تألُّفها.

من هنا طرحت هذه الفكرة فى أعقاب حادث إرهابى استهدف كنيسة لإخوتنا الأقباط، رأيت أن الحكماء والعقلاء من المسلمين والمسيحيين، من الأزهر والكنيسة ومن غيرهما، يمكن أن يؤدوه فى مجال تأليف القلوب وإزالة أسباب الألم أو الغضب أو سوء الفهم.وبكل تأكيد يبقى دور القانون الذى يُحاسِب المجرمين والمحرضين فى غاية الأهمية مادام وقع الاعتداء بالفعل. وقد استطاع بيت العائلة الحد من هذه التجاوزات والتغلب على كثير من المشكلات بين المسلمين وإخواننا الأقباط.

اثير مؤخرا فى احدى الجرائد الخاصة ان مستشاركم القانونى هو من اختار المشاركين فى لقاء المثقفين لإصدار وثيقة التجديد ..ماحقيقة الأمر؟

ـ للأسف بعض وسائل الاعلام اعتادت تعمد الكذب على الأزهر، وهذه ليست الشائعة الوحيدة، فهناك شائعات استقالتى التى تطلقها هذه الجرائد كل فترة، وقد حاول البعض بجدية اختلاق المعارك بين الأزهر والأوقاف من جهة، وبين الأزهر ووزارة الثقافة من جهة أخري، وعندما عجزوا عن هذا وذاك راحوا يحاولون الآن اختلاق أخبار وسَبْق وتفرُّد عن معركة بين الأزهر والرئاسة، أما بخصوص المستشار القانوني، فهو من معاونى الاكفاء الذين يتعرضون لحملة إعلامية ظالمة لا علاقة لها بواقعهم،وأعتمد عليه ضمن فريق من المخلصين للأزهر، وكانت له مساهمات وطنية قيَّمة فى صياغة الدستور ممثلاً عن الأزهر الشريف، يعرفها الكثيرون، ليس فقط على مستوى نصوص استقلال الأزهر وإنما على كافة المستويات وهذا بشهادة كل من عمل معه فى لجان الدستور ورأيته بنفسى فى العمل . والقرب من شيخ الأزهر ليس ميزة لنعاقبه عليها خصوصًا وأنا أثقل الجميع بالأعمال والأعباء، وأقولها واضحة: إن جميع القرارات بالمشيخة تمر عليّ أولًا قبل اعتمادها، وليس هناك أبدًا استبعاد أحد أبناء الأزهر، فالأزهر أبوابه مفتوحة للجميع والأزهر بجميع قطاعاته وأبنائه جزء من الدولة وداعم لها ومنخرط معها فى معاركها ضد الإرهاب والفكر المتطرف. وجهود ذلك القاضى الشاب أثبتت قناعتى بضرورة الاستعانة بالشباب وقدرتهم على العمل الجاد .

تعرضت مؤسسة الأزهر الشريف لهجوم متكرر من جانب التيارات المتشددة، التى تحاول مصادرة دور الأزهر وتحييده لنشر أفكارها والأخذ بزمام الخطاب الديني، فهل أثر ذلك على دور الأزهر؟

كان قدر الأزهر دائمًا أن يواجه فريقين أحدهما مُفْرِط متشدد فى أحكامه، والآخر مفرِّط يستغل أى فرصة سانحة للهجوم على الدين وأحكامه، وكلاهما متطرف، لذا لا يروق لهما طريق الأزهر الوسطيّ.. كما أن هناك، للأسف، حالة سائدة عند البعض منذ يناير 2011 وهى الرغبة فى هدم المؤسسات والانتقاص منها، ومحاولة خلخلة الدولة وتجريدها من رموزها وقوتها، سواء كانت هذه الرموز أشخاصًا أو مؤسسات، وبسبب كل هذا فقد طالت حملات التشويه جميع المؤسسات وجميع الشخصيات العامة تقريبًا وإذا سمحنا لأنفسنا بالانشغال بمحاولات الهجوم علينا فقط فلن نقوم بدورنا، لذا فنحن نستمر فى طريقنا ونتجاهل محاولات الانتقاص منا مهما تفنَّن أصحابها فى تدبيجها وترويجها.

تعرض فضيلتكم شخصيًا لانتقادات وهجوم من جانب بعض الأصوات، فكيف تعاملتم مع هذه المزاعم والانتقادات؟

لسنا مؤسسة كهنوتية لا تسمح بالنقد، وليس لأحدنا قداسة حتى لا يوجه إلينا النقد ولكن المشكلة الحقيقية تكمن فى الصورة الإعلامية التى يصدرها البعض عن الأزهر الشريف، وهى صورة تختلف عن الصورة الحقيقية وتتجافى عنها، وتقلب الحقائق فى أحيان كثيرة؛ لذا يحدث أحيانا أن يهاجمنا البعض، وحين نبدأ فى الإجابة عن استفساراته وتوضيح ما خفى عنه يكتشف أن المعلومات التى بنى على أساسها انتقاده كانت فى غير محلها.

الأزهر مؤسسة للجميع، وقلت كثيرًا إنه ملك للمصريين جميعًا، وأبواب المؤسسة مفتوحة للنقاش والحوار ومن لديه أفكار أو اقتراحات تفيد المؤسسة نرحب به، وأنا أنتهز الفرصة وأطالب من خلال جريدة الأهرام العريقة كلَّ المفكرين والمثقفين بأن مَن يجد لديه المقدرة على طرح برنامج أو رؤية تُساعد الأزهر فى معركته الشرسة ضد الإرهاب والأفكار المتطرفة فعليه أن يتقدم بها إلينا.. وأبواب الأزهر مفتوحة دائمة لكل من يمد يدَّ العون، فالقضية قضية أمة وليست قضية أشخاص.

وأريد أن أوضح أن الحملات التى تشنها بعض وسائل الإعلام على الخطاب الدينى بحسبانه المسئول الأول والأخير عن ظهور داعش وأخواتها وبنيها وحفدتها هى حملات تتصف بالسطحية، وهى إذ تختزل أسباب ظهور هذه الجماعات فى سبب واحد هو الخطاب الدينى فإنها تتغافل أو تتعامى عن عوامِل أخرى مهمة. إن الإخفاقات المتتالية التى عاشها هذا الجيل على أكثر من مستوى أسهمت إسهامًا واضحًا فى شعور كثيرين بالإحباط واليأس، وبخاصة الإخفاقات السياسيَة والاقتصادية والنفسية، والخِطاب الدينى وحده لَيس هو الحَل، بل هو جزء من حل المشكلة ولابد أن يعرف كل خطاب دوره والواجب عليه فى هذه القضية حتى يمكننا أن نصل إلى حل جذرى لها.

فضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب يتسم بالهدوء.. وهو نادر الكلام والتصريحات ويتجنب الانفعال إزاء الهجمات التى يشنها البعض على الأزهر.. فى ظل التحديات الحالية من انتشار الإرهاب والعنف وفوضى الفتاوى وغيرها، أى منهج تتبعه للتعامل مع تلك المسائل؟

منهجى هو العمل وعدم الالتفات لمحاولات الهجوم عليَّ، ولديَّ اقتناع راسخ تعلمته من كلمات لعميد الأدب العربى طه حسين تقرر بأنَّ أكثر الناقدين والمهاجمين هم من الذين لا يعملون ولا يريدون للناس أن يعملوا، وسأكشف لكِ عن أمرٍ.. خلال الشهور الماضية، وبينما كانت حملة الهجوم على الأزهر على أشدها، كنا نعكف على دراسات وأبحاث من أجل إنشاء مرصد إعلامى باللغات الأجنبية يرصد جميع ما يكتب عن الإسلام فى المصادر الأجنبيـة بما تشمله من صحـف وشبكات إخباريـة ووكالات أنباء وقنوات تليفزيونيـة ودوريات علمية ومراكز بحوث ودراسات، وهو يتتبع كل ما يتعلق بالإسلام بشكل عام، ومؤسسة الأزهر الشريف بشكل خاص، مع تجهيز ردود شرعية على كل ما يثار من قضايا فكرية، فضلًا عن اهتمامه الخاص بما يصدر عن التنظيمات المتطرفة من خطاب وفتاوى موجهة لشباب الأمة من الرجال والنساء لاستقطابهم باسم الدين، وتفنيد فتاواهم وتحليلها والرد عليها.

إلى أى حد حرص فضيلتكم على التواصل مع البيئة التى نشأ فيها فى صعيد مصر والتقرب من المواطنين البسطاء؟

لم أنفصل يومًا عن أهلى فى الصعيد، وأحرص دائمًا على الوجود معهم وعلى أن أكون بينهم، حيث يكون الجميع سواء، وحيث لا توجد فروق ولا بسطاء وعظماء، والجميع على درجة واحدة من الاحترام والاهتمام، وهذا جزء أساسى فى ثقافة صعيد مصر، يعرفه مَن عاش فيه، وزياراتى المُعتادة كل فترة لأهلى فى الأقصر من أهمِّ الأسباب فى اتِّصالى المباشر بهموم المُواطنين والاستماع إليهم بشكل مباشر والشعور بآمالهم وآلامهم وبحقوقهم على من يسمون أنفسهم: الخاصة والنُّخبة، فأنا لا أعيش فى برج عاجي، بل أعتزُّ دائمًا أن أعيش بين البسطاء لأنى واحدٌ من هؤلاء البسطاء الذين لا أرضى عنهم بديلًا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 3
    ( Egyptian Dr ( 1
    2015/06/10 10:08
    0-
    0+

    القرآن الكريم كما أنزل على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)
    هو الاساس، بلغه سهله تصل الى العامه، من رسول الله الى العامه. دعى الناس الى عباده الله واستند الى وجود الخالق بامثله بسيطه متصله بالانسان ويدركها عقله ووضح الطريق الى الله من خلال تعاملات البشر مع بعض وسلوكهم فى الحياه. وبالتالى هذه القيم موجوده بوجود الانسان لذلك فهى تصلح لكل زمان ومكان. فهى تصلح فى زمن السلم وزمن تعرض الوطن الى الخطر. لا نريد تفسير للقران ، لا نريد من يفسر كلام الله على لسان رسوله الكريم. هذا هو الكتاب المقدس والكلام المقدس. اجتهادات البشر فى التفسير وخلافه واختلافها فى بعض الاشياء أدخلت عنصر بشرى ومن هنا تكمن المشكله . ومن هنا لابد للأزهر ان يعيد حساباته فى توصيل كلام الله الى افراد المجتمع ويكف بعض منتسبيه فى الاستفاضه فى الشرح والتفصيل وربط القرآن بالعلم الحديث وخلافه، كى نفوت الفرصه على ضعفاء النفوس
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 2
    عبدالسلام محمد وحيد عمري
    2015/06/10 08:16
    0-
    0+

    الداء والدواء
    المتأمل في حوار الأهرام وأطروحاتها مع فضيلة العالم التقي النقي الإمام الأكبر /أحمد الطيب – شيخ الأزهر الشريف يجد أن فضيلته أجاب بموضوعية وشفافية وشخص الداء ووصف العلاج الناجح ولكن لابد من إصدار كتب من الأزهر ترد على القضايا الفكرية عند أصحاب الشطط والفكر المنحرف مثل اعتقادهم أنهم الفئة الناجية أو اتهامهم للمذهب الأشعري بالضلال مع إعادة طبع كتاب بيان للناس من الأزهر الشريف وتوزيعه وسرعة تشغيل قناة الأزهر وبث برامج هادفة تتصدى للأفكار المنحرفة والاهتمام بالتعليم الابتدائي في الأزهر مع شكرنا لجريدة الأهرام الرائدة في طرح الموضوعات التي تعالج أدواء المجتمع ومن ثم وضع الخطط العلاجية ومن الموضوعات الشائكة والقضايا الملحة تطوير الخطاب الديني ومعروف أن الأمر يدور بين الثابت والمتغير فالثوابت راسخة كالعقيدة ومكارم الأخلاق والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وحسن التعامل مع المسلم وغير المسلم ومراعاة الضرورات الخمس حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل ،أما مجال التجديد يكون في المتغير كفقه الواقع والمسائل المستحدثة والفهم الصحيح للدين وتنقية الكتب من الشوائب والشطحات التي تتعارض مع يسر الإسل
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق
  • 1
    صالح عبد الحميد
    2015/06/10 07:41
    0-
    0+

    مسؤلية الجميع
    تجديد الخطاب الدينى مسؤلية جميع الهيئات والمؤسسات فى الدولة وعلاج مشكلات الفراغ السياسى والتخلف الاقتصادى والخدمى وتواجد الدولة الرسمى والشعبى فى مختلف الانحاء احد وسائل وشغل هذا الفراغ الذى ملئته جماعات التطرف لاغراضها الخاصة والمشبوهة
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق