الخميس 10 من شعبان 1436 هــ 28 مايو 2015 السنة 139 العدد 46924

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المجرم

د. أحمد السعيد مراد
بلباسه الأبيض المميز والمتألق وبشعره اللامع المصفف بعناية، عدّل من وضع نظارته الأنيقة والتى تضفى عليه مهابة ووقارا, احتفظ بيديه داخل جيبيه وهو يسأل صاحب الجسد المسجى الذى لا يكف عن التلوى أمامه قائلا:

هل هناك آلام مصاحبة لعملية التبول؟

بأبلغ علامات التمعر على وجهه خرج صوت محمود مكتوما وهو يقول :

هو مغص فقط يكاد أن يفتك ببطني

ظلت يدا هيثم محتفظتين بدفئهما داخل جيبى معطفه المهندم والتفت للممرضة المصاحبة له وقال لها :

جلوكوز 5% وأمبول زانتاك وريد

وذهب مسرعا ليكمل قراءة المقالة النارية المتعلقة بكادر الأطباء, وانتهى منها ووجهه يحمل تأففا ونقمة, وبطرف عينه لمح محمود وهو ما زال يتلوى بفراشه مع قطرات المحلول التى تتدفق بانتظام إلى وريده

وليقضى على مشاعر الملل التى يضج بها فتح التلفاز ليجد مباشرة فى مواجهته برنامج (من المجرم؟)

كان المجرم, بوجهه الجامد الخالى من المشاعر وبعينيه اللتين تحملان حمما نارية مكبوتة تنتظر الوقت المناسب لتنهمر على من يواجهها, يتحدث بصوت منكسر واضح جدا فيه الاصطناع .. قائلا:

انتظرت حتى خرجت زوجته لعملها فى موعدها المعتاد وصعدت إلى الشقة وطرقت الباب ليأتينى صوته الهادئ متسائلا من الطارق.. فأجبته بأنه أنا.. فلم يتردد فى فتح الباب لى فهو يعرفنى جيدا.. ولم تخف عنى دهشته حينما فتح لى وكنت أشعر بتساؤله ما الذى يدفع نجارا لزيارته فى هذا التوقيت المبكر ولا توجد بيننا أعمال مشتركة الآن.

رحب بى كعادته مع الجميع فقلت له بأنى أريده فى أمر خاص.. فأشار لى بالدخول فسبقته إلى غرفة الصالون التى أعرفها جيدا وبعد إغلاقه للباب لحق بى وهو يدفع عجلتى كرسيه المتحرك وسألنى مباشرة عن دافع الزيارة، فضحكت وقلت له: ألن تسقينى كوبا من الشاي؟

ضحك مترددا وقال بأن زوجته قد خرجت.. فقمت واقفا بأنى على استعداد لإعداده, وبكل بساطة أشار تجاه المطبخ وقال تفضل.. فذهبت إلى المطبخ وأخذت أبحث عن أكبر وأمضى سكين به, وعدت إليه وأنا أحمله ملوحا به ورأيت على وجهه أمارات عجيبة كأنما قد رأى شيطانا أمامه ولكن بالطبع لم أهتم..

ارتفعت صرخة قوية من فم محمود جفل لها هيثم ونظر نحو مريضه ليصطدم بصره بجسد الممرضة الواقفة خلفه والتى تتابع معه الجريمة التى تعرض لها الرجل القعيد.. أفسحت له مجال الرؤية ليسأل محمود قائلا:

ما بك؟ ألم تختف آلام المغص؟

بصوت يقاتل الآهات ويميل إلى البكاء قال محمود:

لقد ازدادت يا دكتور.

نظر هيثم نحو شاشة التلفاز ليجد الوحش يستطرد فى شرح جريمته، فقال للممرضة بصوت يسابق أحرف المجرم:

احقنيه بأمبول بسكوبان مركب بالوريد بسرعة.

وأنصت بتركيز ليتابع تلك التفاصيل البشعة:

قال لي: خذ ما تشاء من حُلِى زوجتى ومعى ألفا جنيه هم لك، ولكن لا تقتلنى وأقسم بالله إنى لن أبلغ عنك ولن أشكو من فقدان أى شئ.

كانت الممرضة قد عادت لوقفتها المتجمدة كأن على رأسها الطير وهى تنصت كذلك بتركيز كامل للرجل وهو يقول:

ولكن لم أقبل بذلك وقلت له: عرضك مرفوض.

فبكى أمامى كالأطفال وتهدج صوته وهو يقول: أرجوك دعنى أتصل بأمى لأصالحها فقد كنت على خلاف معها آخر مرة حدثتها فيها.

ولكن رفضت طلبه وأحطت رقبته بذراعى بقوة احتقن لها وجهه وهو يحاول التملص مني.

كان محمود يتلوى على سريره هذه المرة لسبب مختلف غير المغص الذى يعانى منه.. فقد احتقن وجهه بقوة وغزا جسده احمرار عجيب دفع بحمم نارية رفعت الألم بكل خلية من خلاياه لمستوى غير مسبوق أعجزه حتى عن الصراخ طالبا للنجدة.. بينما المجرم يقول:

ودفعت السكين بقوة لأذبحه ولكن السكين لم يكن ماضيا فظل يتلوى ويتحشرج كثيرا, وظللت أصارع وأصرعه بالسكين جيئة وذهابا لكى أنتهى منه وجسده كله ينتفض بقوة عجيبة حتى أن قدميه المشلولتين قد تحركتا معه.

كان محمود يتشنج بقوة وجسده كله يرتج كأنما يصطلى فى الجحيم، سيصبح من حسن حظه أن يسقط من فوق سريره عسى أن ينتبه الطبيب أو الممرضة إليه إثر صوت اصطدامه بالأرض بعد أن أخرسته مصارعة الموت.. ولكن كان كل انتباههما مع المجرم وهو يقول:

ظننت بأنى قد انتهيت منه فتركته ليسقط على الأرض, ولكن فوجئت به ما زال ينتفض ويحاول مد يده ليكتم شلال الدم المتدفق من رقبته.. ولكن مع السيل المنهمر منه أيقنت بأن محاولاته هذه ستبوء حتما بالفشل، فتركته يصارع لحظاته الأخيرة ملقيا باللوم على زوجته التى لم تحد سكينها جيدا وجعلته يعانى هكذا, وذهبت لأغسل يدى من بقايا دمه حتى أتمكن من جمع الغنائم التى أتيت لأجلها, وعند عودتى وأثناء تجفيف يدى رأيت انتفاضته الأخيرة وسط بركة الدماء المنهمرة منه وشهق الشهقة الأخيرة وعيناه شاخصتان تطالعان تفاصيل السقف.. ثم سكن جسده للأبد.

لم يتمالك هيثم منع دمعته التى فرت هاربة من مقلته فمسحها بسرعة قبل أن تلحظها الممرضة, ولبشاعة الجريمة أغلق التلفاز فلم يعد يطيق رؤية وجه هذا المجرم.

وابتسم عندما رأى محمود يغط فى نوم عميق واستسلام تام مما يعنى تخلصه من كل آلامه

وأزاح جانبا بقايا أمبول بسكوبان المركب الذى حقنت به الممرضة محمود متجاهلا التحذير المكتوب عليه بخط دقيق :

(قد يسبب محتوى الأمبول حساسية فائقة تودى بحياة المريض)

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق