الجمعة 22 من جمادي الاولى 1436 هــ 13 مارس 2015 السنة 139 العدد 46848

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

من غرائب «المكتوبجى» إلى عجائب «المُصوِّرجى»

د.محمد كامل القليوبى
«المكتوبجى» لفظ من كلمتين، «مكتوب» باللغة العربية، و«جى» الملحقة به باللغة التركية بمعنى عمل أو مهنة، ويعنى بهذا اللفظ مراقب الجرائد والصحف في المملكة العثمانية،

 وقد عنى برصد ما يرتكبه هذا «المكتوبجى» من غرائب الأفعال، الصحفى الكبير المجدد والكاتب الروائى سليم سركيس (1869 ــ 1926) وهو في تقديرى من الأسماء التى لم تحتل المكانة التي تستحقها في تاريخ الأدب والصحافة في مصر رغم الدور الكبير الذى لعبه في كليهما، ولقد وُلد سليم سركيس ببيروت عام 1869 لعائلة تعمل بالصحافة، وعمل مع عمه خليل فى جريدة «لسان الحال» التي كان يصدرها، ولكنه وإزاء معاناته من عنت «المكتوبجى» التركى العثمانى «رئيس قلم المراقبة»، اضطر إلى مغادرة لبنان والسفر إلى فرنسا عام 1890 حيث التقى بالأمير أمين ارسلان وبعض رجال حزب «تركيا الفتاة» المعارض للدولة العثمانية، وأصدر معهم جريدة «كشف النقاب» ثم انتقل بعد ذلك إلى لندن، حيث أنشأ جريدة «رجع الصدى» التى لم تعمر طويلا فغادر لندن إلى الإسكندرية عام 1894 ليؤسس جريدة «المشير» الأسبوعية التى أثارت بانتقاداتها اللاذعة حفيظة الدولة العثمانية فحكمت عليه غيابياً بالإعدام، ونقل سركيس نشاطه إلى القاهرة فأصدر مجلة نسائية نصف شهرية بعنوان «مرآة الحسناء» وقام بنشرها باسم الآنسة ريم، وبعد إصداره لثلاثة وعشرين عددا منها، رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لخمس سنوات أصدر فيها صحيفتى «الراوى» و«البستان» وروايته «القلوب المتحدة في الولايات المتحدة» عام 1904، ثم عاد إلى مصر عام 1905 ليصدر مجلة «سركيس» التى استمر في إصدارها حتى وفاته عام 1926، وأثناء ذلك كان يكتب في عدد من الصحف المصرية الكبرى مثل «الأهرام» و«المؤيد»، كما عمل فى السنوات الأخيرة من حياته كسكرتير خاص لأمراء آل لطف الله فعهدوا إليه بالمهمات الأدبية والسياسية..وعلى الصفحة الأولى لكتاب «غرائب المكتوبجى» الصادر عام 1896 على نفقة جريدة «المشير»، يعرف سليم سركيس كتابه بأنه «يتضمن ما عرفه محرر المشير بنفسه وما بلغه من رصفائه فى تركيا عن مراقبة الجرائد في المملكة العثمانية»، وهو فى واقع الأمر وخلافاً لتقاليد إهداء الكتب، يتضمن شماتة وفضحاً وطعناً فى جلالة السلطان عبدالحميد الأعظم كما يذكره سليم سركيس وبنبوءة مبكرة فى ذلك الوقت بالنهاية الطبيعية لقمع الشعوب وقهر الحريات، فيسجل في إهدائه الذى كتبه منذ مائة وتسعة عشر عاما ما يلى:


«مولاى


يسوءنى أننى من جملة رعاياك لأنه يسوء في أن أكون عبدًا، وأنت عودتنا أنك تعتبر الرعية في منزلة عبيد لك بدلاً من أن تتبع الحقيقة وهى أن تكون عبدًا لنا، ولما كنت لا أستطيع التخلص من هذه التابعية فعلي الأقل أحاول أن أعلن للناس أننى عبدك رغماً عنى وهذا كل ما أستطيع أن أفعله الآن.


ولكن كما أن الدول المتمدنة قد ألغت الاسترقاق والنخاسة وأعطت العبيد السود حريتهم، كذلك قدر الله العلي آلحكيم أن أخرج من مملكتك سعيدا وأن أقيم فى حمى حكومة مصر العادلة، فمن هذا القطر الذى أصبح سعيدا من يوم تقلص ظل نفوذك عليه أعرض لمسامعك الشاهانية ما أشكوه أنا ويشكوه سائر رصفائى فى تركيا من السياسية الخرقاء التى تتبعها جلالتك، واصرح لك غير خائف ولا وجل بأن سياستك هذه تسوق بلادك ورعيتك إلى خراب عاجل وسقوط سريع.


إن ترقيك يا مولاى إلى عرش أجدادك قد أوجد عدة ضربات أصيبت بها الدولة العثمانية ومن جملة تلك الضربات قتل العقول، الأمر الذى تفردت فيه عن سواك من السلاطين «......» فإ كنا لا نقوى الآن على مقاومتك بالقوة، فإننا نحاول مقاومتك بالبرهان، فإن لم تضع اليوم لأصوات عقولنا اضطرك الإهمال يوماً ما إلى الإصغاء لصوت جهورى هو صوت الشعب والعياذ بالله من الشعب إذا اتحذ واتفق وأراد أن يدرك غاية شريفة معلومة فيها خيره فإن السلاطين لا تكون أمام ذلك البحر الزخر والتيار القوى إلا


كريشة فى مهب الريح خافقة..


لا يستقر لها حال من القلق


فاشفق يا مولاى على نفسك..


من ذلك اليوم الرهيب


ولأن لا أحد ينصت لدروس التاريخ التي لم يثبت فشلها عبر عشرات القرون من الزمن وحتى الآن، تحققت نبوءة سركيس وزالت ما سميت بدولة الخلافة العثمانية التى التى استمرت لمدة 600 عام، ثم أصبحت عرضة للانهيار والتفسخ، فانتهت سياسياً عام 1922، وأزيلت كدولة عام 1923 بتوقيع معاهدة لوزان وانتهت نهائيا في العام التالي بإعلان الجمهورية التركية التى كان مصطفي كمال أتاتورك هو أول رئيس لها، وأصبح الرئيس عبدالحميد الخليفة الثانى بعد المائة، والسلطان الرابع والثلاثين الذى أهداه سركيس كتابه على هذا النحو المهين، آخر خلفاء الدولة العثمانية وآخر سلاطينها في نفس الوقت.


وفي الواقع فإذا كان السلطان سليم الأول قد قام بغزو مصر عام 1517، وقام بنهبها وتجريفها على نحو غير مسبوق، حيث لم يكتف بنهب ثرواتها وتحفها الفنية وكنورزها التاريخية فحسب، بل حمل في سفنه 2000 من رجال الحِرف والصناعات إلى تركيا حتى بطلت فى مصر خمسين صنعة حسبما يقرر ابن إياس، وكان من بين ما تم تجريفه أيضا نقل الخلافة الإسلامية من القاهرة إلى الآستانة بعد أن أجبر آخر الخلفاء العباسيين الذين نزحوا إلى مصر بعد أن اجتاح هولاكو خان التترى بغداد عام 1258 وقام بنهب وحرق وقتل أغلب سكانها بما فيهم خليفة المسلمين، علي أن يتنازل له عن الخلافة، فإن مصر قد لعبت دورا كبيرا فى تحلل وتفكيك الدولة العثمانية عندما قام والى مصر محمد على باشا بتوجيه ضربات عسكرية موجعة إليها، وقام باحتلال عدد من ولاياتها حتي اضطرت الدول العظمى وقتها إلى شن هجوم كاسح قامت به البوارج الحربية الإنجليزية والنمساوية والعثمانية مما أجبر الجيش المصرى بقيادة إبراهيم باشا على العودة إلى مصر، ولكن الولاية العثمانية على مصر تحولت بعدها إلي ولاية اسمية، ولم تعد تخضع للرقيب العثمانلى «المكتوبجى» سيىء السمعة، مما جعلها ملجأً وملاذًا لكل صاحب رأى حر كما ينوه بذلك سليم سركيس فى مقدمة كتابه.


و«المكتوبجى» الذى اختصه سليم سركيس بإيراد غرائب أعماله، والذى لا تصدر نسخة من جرائد بيروت إلا بعد أن ترسل له نسخة منها قبل الطبع، هو عبدالله أفندي نجيب الذى يورد سركيس أربعا وخمسين طرفة من غرائبه نذكر منها ما يلى:


- بعد أن صدرت «لسان الحال» يومياً بأيام قليلة جاءتنا رسالة برقية من صديق باريزى تنبئ بمقتل المسيو كارنو رئيس جمهورية فرنسا في ليون من خنجر كازاريو الشقى، فنشرت التلغراف إلا أن المكتوبجى حذف خبر قتله وأمرنا أن نقتصر علي ذكر موته بقولنا «انتقل إلي رحمة ربه»، لأن ذكر قتل الملوك يخيف الأتراك لأنه يخيف سلطانهم فاضطررت إلى أن افعل ذلك مكرها.


- إن محرر الجريدة في بيروت لا يجوز له أن يذكر كلمة «جمهور» بل يجب أن يقول «الشعب» أو «القوم» وفي الإعلانات يقال عادة «نعلن حضرة الجمهور» فيحذفها المكتوبجى ويضع محلها «القوم» وذلك خوفاً من اشتغال أفكار القراء بالجمهورية والميل إليها.


- طبع يوسف أفندى حرفوش كتابا في الأمثال باللغتين الفرنساوية والعربية ورد فى جملتها المثل الشهير «الحركة فيها بركة» فأمر بحذف المثل من الكتاب زاعمًا أن لفظة الحركة تفيد الثورة.


- لما أكثر المكتوبجى من حذف المقالات ضج عبدالقادر أفندى القبانى صاحب «ثمرات الفنون» وزاره ذات يوم فقال له نرجوك أن تعين لنا خطة نجرى عليها فى نشر مقالاتنا وترينا القانون الذى نخضع له فى تحرير جرائدنا فنظر إليه سعادته وقال ألا تدرى أين القانون؟ فأجاب قبانى أفندى سلباً وإذ ذاك وضع أصبعه على دماغه وقال إن القانون هنا، فما قول القارئ في هذا الاستبداد؟


- نشر «لسان الحال» بعض مقالات من أقلام السيدات ففى ذات يوم جاء المكتوبجى إلى الإدارة وسألنى إذا كانت الكتابة المذكورة من النساء حقيقة، فأجبته بالإيجاب قال الآن فصاعداً لا تنشر مقالاتهن لأن ذلك يفتح عقولهن أكثر من اللازم وليس من شأن المرأة أن تهتم بهذه الأمور.


- قرأ المكتوبجى رسالة فيها «مالك هنا يا توما فظن أن المقصود «مالك»، «ملك» فحذفها واستبدلها بلفظة «كونت» فجاء العبارة هكذا «كونت هناك يا توما».


- يكره المكتوبجى ورود لفظة «مدرسة» ويستبدلها دائما بلفظة «مكتب» لسبب أجهله فحدث يوماً أن جريدة كتبت مقالة عن الهند وقالت فيها وصل السائح الفلانى إلى مدراس فظن سعادته أن المقصود بمدراس «وهى مدينة» مدرسة فاستبدلها بلفظة «مكتب».


وفى الواقع فإن ما يبدو غريبا فى هذه النوادر التى يسوقها سليم سركيس، هى أنها قد شكلت وبعد سنوات من حدوثها، وإلى حد ما، العقلية الرقابية فى مصر التى استفحل نفوذها فى السينما على وجه خاص فى رقابة «المصورجى» ـ بضم الميم وتشديد الواو وفتحها ــ وهو الاسم الذى اقترحه للرقيب السينمائى في مصر كمقابل للفظ «المكتوبجى» العثمانى، فلقد اكتسب كل سمات وملامح وغباء الرقابة العثمانية علي الصحف، ولو فتحنا ملف عجائب «المصورجى» فسيبدو لنا ما ساقه سليم سركيس من غرائب المكتوبجى منذ 119 عاما أقل غرابة وطرافة مما جرى على يد هذه الرقابة التى يحتوى ملفها على اعتراضات وملاحظات على الأفلام تتجاوز في تفاهتها وسخفها ما ساقه سركيس عن المكتوبجى بمراحل بعيدة... فهذا المصورجى هو الذى فَرَضَ على المخرج الكبير صلاح أبوسيف أن يضع عبارة «القناعة كنز لا يفنى» في نهاية فيلم «الأسطى حسن» عام 1952 كشرط للسماح بعرض الفيلم، وفرضَ عليه أيضا أن يضع في مقدمة فيلم «الوحش» عام 1954 لافتة مكتوبا عليها «حدث فى الماضى في أقاصى الصعيد»، وفرضت سيدة «مصورجية» تغيير عنوان «زمن صيد الهامبورجر» ليصبح «الأقزام قادمون» عام 1987 للمخرج شريف عرفة والسيناريست ماهر عواد، بحجة أن كلمة «هام» تعنى خنزير (؟!!)، ومصورجى آخر رفض تصوير فيلم «لا مؤاخذة» سيناريو وإخراج عمرو سلامة عام 2014، بحجة أنه يتضمن قسوة على بطله الطفل، وعندما غادر هذا المصورجى الرقابة وتم التصريح بتصوير الفيلم وعرضه لم ير أحد شيئا من صبيان أفكار هذا المصورجى، هذا قليل من كثير من الحجج والبلاهات سواء باستخدام القانون الذى صدر عام 1947 على غرار الممنوعات العثمانية، حيث يمنع على سبيل المثال ظهور النساء وهن يسرن فى الجنازات وراء الموتى، ومنظر الحارات ظاهرة القذارة، والعربات الكارو، وعربات اليد، والباعة الجائلين، ومبيَض النحاس وبيوت الفلاحين الفقراء ومحتوياتها، والمتسولين وعدم تصوير الحياة الاجتماعية بما يمس سمعة الأسرة المصرية، أو الحط من قدر الوزراء والبشوات ومن في حكمهم، وحظر الأحاديث والخطب السياسية المثيرة أو إظهار تجمهر العمال أو إضرابهم، وبث روح التمرد بينهم كوسيلة للمطالبة بحقوقهم...الخ، أو القانون رقم 430 لسنة 1955 الذى شدد الرقابة علي الأفلام بأن منح المصورجى حق الترخيص بالتصوير والعرض أو رفض ذلك، بل ومن الحق في سحب الترخيص بناء علي تقديرات عامة ترجعنا إلى نادرة المكتوبجى عندما سئل عن القانون فأشار إلى دماغه بأن القانون محفوظ فيها، وبما أننا كما يُشاع وكما تؤكد مصادر مسئولة إزاء إلغاء الرقابة على المصنفات الفنية واستبدالها بالتصنيف العمرى علي يد لجان مختصة كما هو الحال في العالم كله تقريبا.. فاقترح أن يقوم صُناع السينما في مصر من منتجين ومخرجين وكُتَّاب سيناريو، بجمع عجائب المصورجى لتصدر في :تاب علي غرار «غرائب المكتوبجى» فسنحتاج جميعاً لأن نتذكر ذلك الزمن من القيود على الفكر والروح والإبداع، ونفضح ونُشهر بكل من وقف وراءه حتى لا يعود هذا الزمن مقتنعاً أو متخفياً تحت ظل أى نظام كان، وبأية حجة تكون، وكى يتحول مستبدو الأمس واليوم والغد إلى «مسخرة» لكل العصور.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق