الجمعة 24 من ربيع الآخر 1436 هــ 13 فبراير 2015 السنة 139 العدد 46820

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«جواز خميس من بياضة باااااطل»!!
قراءة «جديدة» فى دراما تليفزيونية «قديمة»

د. كرمة سامي
كان للحاج عامر عبد الظاهر شهبندر تجار الاسكندرية ثلاثة أبناء، خميس ومرشدى وبشر، أو «الجعجاع»، والقشاش، و«الرسِّيم». كان خميس الابن الأكبر للحاج والحاجة آمنة متزوجاً من محروسة، لكنه طلقها لأنها لم تنجب له الذرية، أو «تلككك» لها رغبة فى الانفصال عنها والسلام. ولأن خميس كانت «عينه فارغة» مثل والده الحاج عامر المزواج، وكان أيضا ينز حقدا على أخيه غير الشقيق بِشْر ابن فرانشسكا السنيورة الطٌليانية- لكن هذا ليس موضوعنا- فقد وقع اختياره على بياضة ابنة المعلم عاشور السماك والست نبيهة.كانت بياضة مهرة متمردة حرون، برنسيسة كرموز وسنيورتها، «بِرَّاوية»، حادة الطباع، لكنها شأنها شان كل بنات بحرى «جدعة» و«دوغري» و«شريفة»... بنت بحرى كأنها خرجت لتوها من لوحة الفنان محمود سعيد لتشم الهواء على الكورنيش!

تقدم خميس لخطبتها رغم يقينه أنها تعشق رفاعى صبى الحاج عامر فى الوكالة «ابن حلال ومقطوع من شجرة وشايل الوكالة على كتافه». لم يجد المعلم عاشور السماك بُدا من قبول طلب خميس ابن الحاج عامر عبدالظاهر، صحيح أن خميس خسيس لكنه ذو حسب ونسب. أرغم عاشور ابنته على الزواج من خميس الذى لم يكن ليصمد أمام أى مقارنة بينه وبين رفاعي، كان رفاعى وخميس نقيضين فى المظهر والجوهر، فقد كان خميس بدينا قصيرا مكيرا مهزوزا، يحنث باليمين، لا عهد له ولا ذمة، ذا شارب يعوق الابتسام، تسقط الكلمات من فيه مختلطة بلعابه وبقايا طعامه!! لا تكاد تفهم شيئا من جمله القصيرة المتقطعةالمندفعة من بين شفتيه الرفيعتين كأنه يريد بكلامه أن يضللك لا أن يتواصل معك.

أما رفاعى فقد كان رجلا صعيديا شهما بمعنى الكلمة، طويلا مستقيما كنبوته الخشبي، أقرب إلى الصمت منه للكلام وإذا تكلم فهو يتكلم ببطء وثبات وثقة ومن القلب، كلمته عهد، ودود ذو مروءة وشرف وإخلاص، حتى أن بياضة هربت إليه قبل عقد قرانها على خميس وعرضت عليه أن يتزوجها ليضعا أسرتها أمام الأمر الواقع، لكنه رفض بشهامته أن يضع المعلم عاشور فى هذا الموقف المهين رغم أن الرجل كان قد جرحه جرحا بليغا لما زاره طالبا يد بياضة.

’انكسرت‘ نفس بياضة عندما رفض رفاعى عرضها عليه واضطرت إلى العودة إلى بيت والدها المعلم عاشور «مكسورة الجناح» تلعق جراحها الخفية ناقمة على ضمير رفاعى الحى الذى شارك فى مؤامرة التفريق بينهما، عازمة النية على أن يدفع خميس ثمن فاتورة رغبته فيها رغم أنها سبق أن صارحته وغيره أكثر من مرة أنها ليست له ولن تكون له. قررت بياضة ألا ينالها خميس أو غيره بالحلال أو بالحرام وبعد عقد قرانها على خميس أذاقته المُر وكالت له الإهانات فى السر والعلانية، عندما يغلق عليهما باب غرفة واحدة أو على مشهد من خادمتهما أو فى أى «لمة» عائلية أو اجتماعية.

«عصرت»بياضة «الليمون» فأصبحت زوجة خميس على سنة الله ورسوله،وانكسر قلب رفاعى رغم أنه أبدى براعة فى إدارة وكالة الحاج عامر ونال استحسان الجميع. ولكن الزيجة التى بدأت بـ «عصر الليمون»على طريقة «على مضض» ما لبثت أن تطورت لتصبح على طريقة «على جثتي»، ورغم ذلك «تبِّت» خميس فى هذه الزيجة، فقد أقنع نفسه أن زواجه من بياضة هو الصك الذى يدخله عالم الذكور الحقيقيين المتحققين، الذين يأمرون فيطاعون، وترغبهم النساء ويخشاهم الرجال الأقل حظا. وبصبره وحكمته البليغة تصور أن ترضخ بياضة تلك المهرة المتقدة لحضوره الطاغى وتنَّكِس رأسها لسيدها خميس كى يضعه فى لجامه غير واع أنها قد وضعت «البرذعة» على ظهره ونخسته «شي.. حا» أمام الجميع!!فاز خميس ببياضة زوجة له ولكن بسخرية الجميع من وراء ظهره وأمامه، خاصة أخوه مرشدى وزوجته الولادة لوزة التى لم تتوقف عن إنجاب الورثة لتركة الحاج عامر ولم ينجْ خميس من دعائها»الساخر» له فى «الرايحة» و»الجاية» بأن يرزقه الله الذرية من بياضة!!

ترتبط بياضة فى ميراث تكوينها الإنسانى بفيلميّ»شيء من الخوف»– عن رواية ثروت أباظة- و»الزوجة الثانية»- عن رواية أحمد رشدى صالح، ورغم أنها كانت مدللة ومترفة ومنعمة فى منزل والدها المعلم عاشور فقد كانت تلك الأسرة مثل الآلاف وربما الملايين من الأسر المصرية التى تظن أن مسئوليتها تجاه أبنائها تقتصر على الكسوة النظيفة والمعدة الشبعي.

تنام بياضة كل ليلة فيما يتربص سكين حاد تحت وسادتها تستخدمه عند اللزوم!! لابد أن أسامة أنور عكاشة عندما كتبهاتشيّع خميس متكدرا ساخطاإلى فراشه كان يستلهم لها ألاعيب «فاطنِة»- بكسر النون- زوجة أبو العلا التى تزوجها العمدة عِتمان غصبا وعدوانا فحرَّمته على نفسها! لابد أيضا أن بياضة فى مخيلة عكاشة الإبداعية كان يسكنها طيف فؤادة بجلباب حدادهاالأسود الذى لم تخلعه عن جسدها وكحل عينيها الذى أبرز حدة نظرتهما. ينضم نموذج بياضة إلى ذلك التراث الدرامي/السردى الذى يجمع نماذج نِسوية شرقية. وأصبحت من زاوية دراسات النماذج الأصلية تلميذة لفاطنِة وفؤادة،رغم الاستحالة الزمنية التى تعوق هذا الاتحاد، ومثلما انتصرتا على العمدة عتمان وعتريس فى العملين السينمائيين اللذين يستندان إلى نصين أدبيين، تبخر أثر الليمون الذى عصرته بياضة فانتصرت على خميس ونالت حريتها فى النهاية.

فى هذا السياق لا نستطيع أن ننعزل فيما نحن نتابع ملاعيب بياضة عن طبقات تكوين خيالنا وتأثرناالغض بالحضور الكيميائى الكاريزمى للممثل/ةوالتفاعل المحفِزالذى يحدث بين شادية (فؤادة) ومحمود مرسى (عتريس)فى «شيء من الخوف» من جهة وسعاد حسنى (فاطنِة) وصلاح منصور (عِتمان)فى «الزوجة الثانية» من جهة أخري، كذلك لا نستطيع أن نمنع انبهار مؤدية الشخصية المحترفة داخل العمل عن انبهارها بتتابع مباريات الأداء التلقائية التى يجب أن تدرَّس محليا وعالميا عن فنون المقاومة الأنثوية الحذقة الفعالة أمام جبروت الطاغوت الذكوري.

بهذا الميراث انتقلت بياضة إلى بيت – لا مؤاخذة- زوجها وعاشت متمردة ثائرة على قيد الزوجية الذى كبلها به خميس بالخديعة وتزلفه لوالدها بأموال والده التى لا فضل له فيها، وعاش خميس تعسا فى منزله وفى وكالة الحاج عامر لا يجرؤ على أن يرفع عينيه فى عينيّ أى رجل من رجال كرموز والمنشية، فقد انتشر الخبر بأن بياضة «تمسخره» وتذيقه صنوف الذل على يديها عندما يغلق عليهما الباب أو يفتح!! أما رفاعى فقد فتح الله عليه أبواب الرزق واستقل بعمله الخاص بعد أن غادر وكالة الحاج عامر بغير رجعة، وتزوج محروسة- نعم محروسة - طليقة خميس وعاشا فى تبات ونبات!!

حكاية زواج خميس وبياضة هى أحد خطوط الدراما فى الرواية التليفزيونية «زيزينيا» التى أبدعها الكاتب أسامة أنور عكاشة (27 يوليو 1941 - 28 مايو 2010) رحمه الله وجزاه عنا كل خير. ظهرالعمل الذى أخرجه جمال عبدالحميد فى جزئين فى رمضان على 76 حلقة من 1997 إلى 2000. لمن بدأ فى التذكر لم تكن حكاية زواج خميس وبياضة الباطل سوى أحد خيوط الحكى التى غزلها عكاشة فى نسيج روائى تليفزيونى واحد عن طلبة ومثقفين، وإنجليز وضباط ومجاذيب، وطليان وجريج، أبناء بلد وأبناء ذوات، وعمال وعملاء، وتجار وزبائن، جميعهم يعيشون تحت سماء الاسكندرية ما بين كرموز والمنشية وزيزينيا. لكن زواج خميس وبياضة كما قدمه عكاشة كان يتناص بعبقرية صامتة مع سرديات أخرى قديمة ومعاصرة على مستويات مختلفة انضم بها عن جدارة محمد متولى ولوسى إلى شادية ومحمود مرسى وسعاد حسنى وصلاح منصور والبقية تأتي...

مستنا عصا أسامة أنور عكاشة السحرية منذ عمله الدرامى الرائد «الشهد والدموع» فجلسنا كالتلاميذ متسمرين أمام شاشات التليفزيون منتظرين رائعة له بعد أخرى يقدم لنا فيها وهو خريج قسم الدراسات النفسية والاجتماعية بجامعة عين شمس رؤيته الدقيقة لتاريخ مصر المعاصر والمستقبلي. عندئذ أطلق الناقد الكبير سامى السلامونى مصطلح «الدراما التليفزيونية» التى اعتبر عكاشة رائدا لها بلا منازع فى مصر والوطن العربي. فى ذلك الوقت الذى قد يبدو بعيدا - رغم أنه قريب- كانت مصر ما تزال أم الدنيا وواسطة العقد ومصدر كل المباهج والمعارف والريادة والزعامة الحقيقية.

لم تكن الدراما التليفزيونية التى يكتبها أسامة أنور عكاشة وقتئذ تتوقف على الترفيه البصرى فقد فتحت معها مجالات غيرت بها طبيعة الحياة فى المجتمع المصرى حتى أن مصر فى أحلك فتراتها وأكثرها بؤسا–أو هكذا كانت تبدو فى ذلك الحين- عندما تمرد قطاع من مجندى الأمن المركزى فى فبرايرعام 1986 وأعلنت حالة الطواريء، وحظر التجول، وتوقف التليفزيون عن بثه المعتاد، صدر قرار باستثناء مسلسل «رحلة السيد أبو العلا البشري». كان طبيعيا فى ذلك الوقت ألا يختفى بابا أبو العلا عن الشعب المصرى فى وقت هو فى أمس الحاجة إليه! هكذا كانت الدراما المصرية العملاقة وكان دورها فى حياة الشعب المصري!

ربما يقودنا هذا الحنين إلى قراءات تأملية فى تراثنا الدرامى واسقاطاته على الواقع وتنبؤاته.. كيف كنا.. وكيف سنكون؟ كيف كان المسلسل التليفزيونى المصرى أدبا بصريا تنبؤيا يسكن نسيجه الفنى نسيجنا البشري؟ كيف أن لحظة معاصرة تعيدنا إلى فؤادة وفاطنة – بكسر الراء- وبياضة؟ كيف يتردد داخلنا صوت محمد الحلو العذْب المعذَب وتعبيره الدرامى عن كلمات أحمد فؤاد نجم وألحان عمار الشريعي:

آدى القضية وآدى الرسالة وكونى أنسى دى الاستحالة!!

....

فهل ترانا ننسى القضية والرسالة.. أم نتذكرهما؟!!!!!!!!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق