الأثنين 13 من ربيع الآخر 1436 هــ 2 فبراير 2015 السنة 139 العدد 46809

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

وجه الشهيد!

مصرى، الشعر داكن قصير، العينان واسعتان، الوجه حليق، الأنف مستقيم متوسط الحجم، الشارب أخضر، الشفتان تبتسمان فى خجل لا يفارقهما. تعرفه، أو تكاد تعرفه.. تسترجع اسمه، محمد؟كيرلس؟ حجاج؟ شنودة؟ الأسماء كثيرة. هو أحدهم، وكلهم فى آن واحد!

وسط حزنك عليه تسأل نفسك.. لماذا هو دائم الابتسام؟ ولماذا، دائماً، فى كل صورة، تفيض ابتسامته عذوبة ووداعة؟ هل عندما التقطت له الصورة كان يعلم؟! حدثته نفسه: ابتسم حتى يتذكرك والداك وأخوتك وأصدقاؤك وأبناء وطنك هكذا، باسما، وديعا، طاهرا! فى الصورة التى التقطها له مصور على باب الله تراه يرتدى الزى العسكري أو جلبابا نظيفا أو قميصا على بنطلون! لكن نظرة العينين واحدة، لون البشرة، عظام الوجنتين، حلاقة الشعر!

ملامحه المصرية دائماً متناسقة تنم عن وسامة مصرية معتدلة. تلتمع العينان بذكاء ودهشة وخفة ظل مصرية. كيف تصفهما؟ انظر إلى الصورة لتعرف! انظر وتأملها جيدا! تفحصها وتأمل الوجه مليا!!

قرأت له الفاتحة مئات المرات، ووقفت حدادا عليه مئات المرات، وشيعت جنازته مئات المرات، حتى أصبح الحزن رفيقا لك لا رفيقا بك! وعلا صوتك بصيحات من القلب تطالب له بالقصاص. لم تعد هناك حبة من رمال الوطن إلا واختلطت بقطرة من دمائه. هكذا أصبح الوطن هو، وأصبح هو الوطن. 

حتى فى استشهاده تعرفه... مغمض العينين كالنائم، يداه مقيدتان خلف ظهره، أو غارق فى دمائه، أو تناثرت أشلاؤه. ستعرفه من الطهر والسكينة اللذين يغمرانه عندما كان حيا بيننا أو عندما فارقت روحه جسده وعادت إلى بارئها. ستربط للتو بينه والحكايات التى تروى عنه. هو دائماً الابن البار، الأقرب من بين أخوته إلى قلب والديه، والأقرب إلى قلوب أخوته من بقية أفراد الأسرة. كان على وشك خطبة ابنة الجيران، زوجته وضعت للتو مولودهما الأول الذى لم يره بعد، ولن يراه!! هو الذى كان حريصا على أن تتناول والدته دواءها فى موعده، وكان يدخر من دخله البسيط الجنيهات لكى يوفر لها نفقات الحج أو يساعد والده فى جهاز شقيقته الصغرى، أو ترميم الدار التى تأويهم. هذه هى أخلاق صاحب الصورة دائماً فيما روى عنه من حكايا. 

تريد أن تسترجع كيف كانت أخلاقه؟ انظر الصورة. ربما تعرفه أكثر مما تعرف نفسك! هو جارك فى المقعد المجاور لك فى الأتوبيس. تتذكر.. هو الذى فض خلافك مع الكمسارى عندما تطوع وفك لك ورقة خمسين جنيهاً تشبثت زمناً بجيبك. كثيرا ما تنازل لك عن مقعده فى الأتوبيس متعللا بأن محطة نزوله تقترب ثم تراه يقف طويلا فتبتسم وقد فهمت « الفولة»! هو الذى يتطوع ليحمل عنك أكياسك الثقيلة ولا يتركك إلا أمام باب البيت! تتوالى حكاياته معك ومواقفه.. عندما انقطعت أنفاس بطارية سيارتك ظهر فجأة من حيث لا تدرى ودفع سيارتك بيديه حتى عادت البطارية إلى وعيها وانطلقت السيارة بك فلما تلفت وراءك لتشكره كان قد اختفى! 

كثيرا ما اقتسمتما شربة ماء وكسرة خبز فى الشارع وقت آذان المغرب يوما ما فى رمضان.

ومرارا تشابكت صيحاتكما الفرحة فى مقهى من مقاهى البلد لهدف أحرزه مهاجم فريقنا القومى فى مرمى الفريق المنافس. ولا تنس أنه حكى لك فى ليلته الأخيرة وقبل عودته إلى وحدته عن زميله الذى استشهد بين يديه، وعزمه على القصاص ممن قتلوا رفيق سلاحه!

تريد أن تتذكر نبرات صوته؟ انظر الصورة! ستتفتح ذاكرتك مثل بتلات أينعت، تسمع الصوت غاضبا يدافع فى حماس عن مبدأ فى نقاش سياسى، أو شجيا يدندن أغنية لمحمد رشدي، ويأخذه الطرب بعيدا فى موال أحمر أو أخضر، وينتبه على عينيك تتابعانه باهتمام فيخفت صوته تدريجيا ثم يبتسم لك فى حياء فطرى قائلا: « أصل أمى وحشتنى!» بفتح الشين لا بكسرها!! 

انظر إلى الصورة لتعرف من هو! بعد أن تعرف.. تذكر اسمه ولا تنسه! انظر وتأملها جيدا! تفحصها وتأمل الوجه مليا! تذكر صاحب هذا الوجه. ضع الصورة فى حافظتك، ثم ضع الحافظة فى جيبك العلوى الأقرب إلى قلبك.. لأنك لن ترى صاحب الوجه بعد اليوم!! لكنك سترى قاتله الذى قتلك معه... فماذا أنت فاعل؟!!


لمزيد من مقالات د .كرمة سامي

رابط دائم: