الجمعة 13 من صفر 1436 هــ 5 ديسمبر 2014 السنة 139 العدد 46750

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حكايات من اوراق قديمة
169محل لبيع "البوظة" فى مصر زمان أغلبهم فى الاسكندرية

امل الجيار
حكاية هذا الأسبوع لذيذة وغريبة وقد تكون مُسكره، إنها حكاية "البوظة" التى شربها المصريون من عشرات السنين، ومشروب "البوظة" هذا قد إختلف عليه الكثيرون،

 فمنهم من أكد أنه حرام فهو صنف من صنوف الخمور لأنه يختمر فهو مكون من الشعير والقمح، والبعض الأخر يرى أنه مشروب للطاقة أو مشروب الجدعان وهو ما يؤكده المشهد الذى تكرر كثيراً فى سلسلة أفلام الفتوات فى السينما المصرية حيث كنا نشاهد البطل أو الفتوة يمضى وقته بين أتباعه وأعوانه على المقهى بينما الفتوة المنهزم أو "اللى راحت عليه" ينزوى فى مقهى أو "غرزه" صغيرة ليشرب البوظة التى غالباً ما تكون موضوعة فى إناء من الفخار وهو يهدد ويتوعد الفتوة الجديد بالإنتقام وينتهى به الحال وهو يترنح ويسقط ويعود الى بيته مستنداً على كتف صبيه إو من بقى له من أصدقاء بعد أن هجره الجميع الى الفتوة الجديد أو يتم إلقائه فى الشارع بعد إن يثمل وتفرغ جيوبه.
ووثيقة هذا الأسبوع نادرة وجميلة فهى عبارة عن عقد يضم 14 بنداً يشرح كيفية تحصيل العوايد أو الضرائب على مبيع البوظة البلدي فى المحروسة خلال القرنين الـ19 وبداية القرن العشرين، ويوضح كيفية التعامل بين صاحب محل البوظة والحكومة والكيفية التى سيتم تحديد العوايد بها وطريقة دفعها ويؤكد البند الأول أن تحصيل العوايد على البوظة البلدى بخلاف البيرة - مما يعنى أنها تُباع مع البيرة أو المسكرات فى مكان واحد - يكون من أربابها أو أصحاب المحلات الجارى تشغيلها لهذا الغرض ويكون بالإتفاق والتراضى بينهم وبين الملتزم أى شيخ الطائفة أو رئيسها وإن حصل خلاف فى التقدير يتم الرجوع الى أصحاب الخبرة وقد قدرت الوثيقة عدد محلات البوظة فى القطر المصرى ب 169 محلاً وقد حظيت الاسكندرية أو المدينة "عالمية الملامح والتكوين" بأعلى نسبة من هذه الحانات أو المحلات حيث كانت تضم 43 محلاً للبوظة وهذا طبيعى لكون الاسكندرية تضم أكبر نسبة من الأجانب فى القطر كله، يليها محافظة مصر التى تضم 32 محل بخلاف 7 قيل عنهم ولم يتم تشغيلهم بعد ثم تتفاوت الإعداد فى باقى المدن والبنادر مثل الدقهلية والشرقية والقليوبية والصعيد. ويؤكد العقد أنه إذا قام أحد أصحاب المحلات بإبطال البيع عنده فلا يكون للملتزم أو الديوان - أى الحكومة - أى مطالبات عليه وإذا أراد أحد فتح مكان للبيع يتم التصريح له بذلك مع تحديد العوايد المستحقة كما تؤكد الوثيقة أن العوايد تكون على أصحاب المحلات لا على المشترين ومتعاطى البوظة، وحيث أن موسم البوظة هو فى الصيف كما يقول البند الخامس فإذا قام أحد بتشغيل محله فى هذا الزمن فقط وأغلق باقى السنة يكون ملزوماً فى كل الحالات بدفع العوايد عن السنة كلها، ولا يقدم الملتزم او شيخ الطائفة أى حماية للأنفار العاملين فى هذا المجال فى سائر العمليات وطلبات الجهادية - التجنيد أو الالتحاق بالجيش - بل يكونون فى المعاملة سواء كباقي الأهالي.
وتحدد الوثيقة المبلغ المطلوب من باعة البوظة ما بين 50 الى 750 قرشاً كل بحسب حالته ومكسبه ولكن يتم التأكيد على الدفع وإن تعثر عن الدفع بدون أسباب واضحة لا يجوز للملتزم التدخل لمنع الحكومة من التحصيل بل يجب عليه التأكد من قيام الجميع بدفع "الويركو" أو العوايد فى وقت الطلب ويمكن للملتزم طلب مساعدة الحكومة فى التحصيل، كما أن الوثيقة تؤكد أن دفاتر التحصيل يتم صرفها مختومة بختم الديوان وغالبا ما يكون ديوان الداخلية للملتزم ليمكن مراجعتها والكشف عليها. وإذا أراد الملتزم الشراكة مع أحد فلابد أن يوضح إسم شريكه قبل المزاد مما يعنى أن الحصول على منصب الملتزم لابد أن يتم من خلال مزاد معلن وبكل شفافية ولا تقبل الحكومة المشاركة من الباطن وعلى الملتزم دفع قيمة العقد على أربع أقساط كل قسط بعد ثلاثة شهور بعملة خالية من النحاس، ويكون ضمان دخول المزاد عن طريق أن يقدم الملتزم ضامناً غارماً أو أن يدفع قيمة تأمينية لا تخصم الا عند نهاية مدة الالتزام وتكون ضماناً لسداده المبالغ المستحقة عليه وإذا أخل الملتزم بالشروط يكون للديوان الحق فى تعيين من يلزم لضبط وملاحظة إدارة المصلحة لحد نهاية مدة الالتزام وإذا حدث من الملتزم إى إخلال أو مخالفة يتم خصم مبلغ منه وإذا قام بتحصيل أموال زائدة عن الحق يتم إعادتها الى أصحاب المحلات - مما يعنى أنه حتى بيع البوظة والخمور كان يتم بشرف وله قواعد وأصول - وفى نهاية العقد أكدت الوثيقة أن القانون يقضى ان الحكومة او الميرى يكون مخيراً فى قبول مزاد من وقعت من مخالفات أو عدم قبوله، فالأمر متروك للحكومة لتقرر هذا الشأن حسب درجة المخالفة.
وهذه الوثيقة توضح أن الحكومة أو الميرى كانت تقوم بإجراء مزاد علنى يشارك فيه كل من يرغب فى تزعم طائفة باعة البوظة ويدفع الأموال فى سبيل الحصول على لقب الملتزم مما يعنى أنها مهنة كانت تدر مبالغ جيدة بالإضافة الى انها تتيح لصاحبها الحصول على وضع إجتماعى مميز فى إوساط الفتوات والمناطق الشعبية.
ومن الجدير بالذكر أن محلات البوظة بعد حصولها على موافقة ديوان الداخلية بممارسة هذا النشاط كان يتم منحها ترخيص يتم وضعه فى مكان بارز داخل المحل بمزاولة هذه المهنة بضوابط وشروط منها عدم لعب الورق أو الكوتشينة داخل هذه الحانات والمحافظة على النظافة العامة وعدم إحداث ضوضاء تثير قلق السكان فى هذه المناطق، بقى أن أؤكد أن أغلب هذه الحانات كانت تقع فى المناطق الشعبية وكان إغلب مرتاديها من الفقراء وأصحاب الحرف البسيطة حيث كانت "قصعة البوظة" بملاليم أما الأغنياء فيشربون بوظتهم وخمورهم فى إماكن إخرى أو حانات الازبكية ووسط البلد والفنادق وغيرها من الأماكن الفخيمة فى القاهرة وحانات المنشية وميدان القناصل وفندق " أبات وأوروبا " بالاسكندرية.
أما الطريف فى الأمر ان كلمة "بوظة " فى الوقت الحاضر أصبحت تطلق على الايس كريم.
والله على مصر زمان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق