الجمعة 13 من صفر 1436 هــ 5 ديسمبر 2014 السنة 139 العدد 46750

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

عَمَار يا عَمّار

كرمة سامى أستاذ الدراما- جامعة عين شمس
باقة ورد بلدى إلى عمار الشريعى (16 أبريل 1948 - 7 ديسمبر 2012) تجلس الآن مع «أم كلثوم» تحتضن عودك فيما تدندن لها لحن أغنيتكما الجديدة التى كتب كلماتها عم «بيرم التونسى»! على مقربة منكما تكاد «ليلى مراد» و «أسمهان» تحبسان أنفاسهما إعجابا، تستمعان إلى لحنك بإنصات وتفلت منهما آهات إعجاب رقيقة بين حين وآخر. لحنت لهما، لكن هذا أوان الوطن ومن سوى «الست» تمثل لك صوت الوطن؟!

بالطبع كانت لك حوارات متعددة مثل حوارك مع «أبى الطيب» (المتنبى) الذى وعدك أن يهديك قصيدة تلحنها خصيصا لـ «سى عبده الحامولى»، لكنك لا تتعجله، ليس قبل أن تنتهى من تلحين «المثنويات» التى أهداها «ابن الرومى» خصيصا «للنقشبندى». فكل شىء له أوان، ولا وجه للعجلة فى نعيم مقيم فى براح الزمان.

أما سمرك مع نجوم الغناء والألحان والكلمات فهو حديث أهل الطرب. أجبرت بمكرك المرِح «فريد الأطرش» أن يبيَّن لك تجليات التناص الموسيقى فى تداخل النغم الغربى والعربي فى ألحانه. فريد مرهف ورقيق ولكنه غضوب. أحبك عندما بدأت حواركما تحييه على استلهام «أندريه رايدر» الدراما التعبيرية فى ألحانه عندما كان يؤلف الموسيقى التصويرية لأفلامه، هكذا، وببساطة، فتح لك فريد قلبه وحكى لك حكاية «القمر الأخضر»!

دعاك «زرياب» الى أن تعزف على عوده لتسمع بأذنيك لماذا أدخل عليه الوتر الخامس، ولم يقاوم طلبك أن يحكى لك حكاية الموشحات وكيف أدخلها على الغناء الأندلسى، بل فوجىء عندما سألته عن المقامات الموسيقية التى أضافها، واستبداله ريشة النسر بمرهف الخشب فى العزف الذى لاحظته عيناك، حتى أناقته المعروفة عنه فى الملبس والمسلك لم تغفلها!

وأما «محمد فوزى» فله معزة خاصة فى قلبك، خاصة عندما لم يتح لك الفرصة لتناقشه فى أعماله وتعبر له بطريقتك «العمارية الشريعية» عن إعجابك بعبقريته الموسيقية وظل طوال جلستكما يناقشك فى أعمالك أنت إعجابا وفخرا وتوظيفك الذكى لنقرات البوزوكى التى تناغمت مع العود والقانون فى تتر «زيزينيا» وفرضت نفسها عندما وصل «أحمد فؤاد نجم» فى سرده الشعرى لتاريخ الإسكندرية إلى «وعاشرت فيك الخواجة ينى، لجريجى لكن مصراوى جنى.»

الحلقات من السهرة الشريعية تحت الظلال الوارفة وبين القطوف الدانية تترى لا نهاية لها، دون بلاتو أو كاميرا أو بث فضائى أو فاصل إعلانى ثقيل الظل!! هذا هو النعيم المقيم يا عمار. «أوعدنا يا رب»، وألحقنا به وبصحبته لنستزيد من تأمل روعة ما أبدعه عبادك بوحى منك، سبحانك أنت المبدع الأعظم... منحتنا عمار الشريعى المعادل الموسيقى لبلوغ موهبتى الصوت والكلمة أقصى مداهما، الذى لولاه لظلت كلمات شاعر قدير مثل «سيد حجاب» صامتة على الورق، ولظل صوت مطرب كبير مثل «على الحجار» حبيس ألحان لا تصنع التاريخ الفنى والريادة الدائمة لمصر، ولما بلغ مدى الإبداع المصرى أقصى مداه!!

لماذا «تهف» على يا عمار؟ لماذا تهفو النفس إلى حضورك؟ ليست ذكرى مولدك (ابريل) أو وفاتك (ديسمبر)؟(كتبت هذه الباقة المهداة إلى عمار الشريعى فى يوليو 2014) فلماذا إذن هذا الخليط من البهجة والشجن الذى يحاصرنى فأتذكرك.. ثم أتذكر أنك لم تعد من أهل الدنيا؟

............

تعرف يا عمار، أتمنى أن ألتقى بـ «مراد عمار الشريعى»، وحيدك، لأقول له إنه ابن وأخ لنا جميعا نحن المصريين، بل والعرب...خاصة جيلى الذى بدأ معك منذ البدايات الأولى وكبر فى حماك الفنى، لأقول له إننا فرحنا عندما رزقك الله به، ودعونا أن يمد الله فى عمرك ليكبر قليلا وينعم بحضنك. عندما وقف برجولة مبكرة يتلقى فيك التعزية كنا جميعا نقف معه لكنه كان أشجعنا. هل يعلم أنك كنت معنا بأغانى الأطفال والمسلسلات والأغانى الدينية والوطنية والعاطفية خطوة بخطوة مع كل مرحلة جديدة نخطوها؟! وعندما كبرنا قليلا ودب المشيب فى رؤوسنا تلقفتنا لتعلمنا كيف تصبح لدينا القدرة أن نرى الموسيقى ببصيرتك!

يؤلمني افتقاد بهجة تلقى عمل جديد لك يجمع ترقبنا لمظاهر الكمال الفنى البشرى حين تؤكد لنا يا عمار قدرة الفنان البصير على ترسيخ بصمته الفنية وحضور حمضها النووي وقوة شخصية موهبته ومهارته فى تنوعها وتعبيرها. اذا كان هذا حال المعجبين الذين تفتح وعيهم الفنى على فكرك الموسيقى وفلسفتك، كيف هو حال من عرفوك ولهم معك ذكريات شخصية وشاركوك إنجازاتك الفنية؟ المشكلة تكمن فينا نحن! لا أتحدث عن نفسى فحسب، أمى، أبى، أسرتى، أصدقائى، أبناء وطنى، وأمتى! كم نفتقدك يا عمار! صوتك! نطقك للكلمات وتنغيمك لها على لسانك! معلوماتك المتدفقة فى شتى المجالات! قفشاتك وحكاياتك الطريفة! بصيرتك! كيف كنت ترى الموسيقى وتصفها لنا! أما حين تمسك عودك لتسمعنا آخر ألحانك فتلك هى الجائزة الكبرى!

متى بدأت تلك الصلة المقدسة بيننا؟ «امسكوا الخشب» التى باغتتنا؟ أم «أقوى من الزمان» التى رجتنا رجاً؟ «الأيام»؟ «وقال البحر»؟ «أبو العلا البشرى؟» «أرابيسك؟»أم عندما ارتبطت فى أذهاننا وآذاننا وأرواحنا آهات آلات الكمان بكينونتك؟ سر دفين لا يعلمه أحد سواك! كيف اقترنت الكلمات بنغماتك فلم نعد نميز الصوت من الكلمة من النغمة؟ لغز آخر نؤجل فك رموزه حتى نلقاك.

سمعناك تعزف العود والبيانو والأكورديون، وتحلل لنا الموسيقى التصويرية للأفلام تحليلا موسيقيا ودراميا، وتتكشف لنا بكلماتك وأفكارك مواطن الجمال والإبداع فى تراثنا الموسيقى، تلقى الضوء على مبدعينا، وأغلبهم من لم تغمرهم أنوار الشهرة، تحلل وتؤرخ وتوثق، وفوق كل هذا تؤلف وتضيف إلى رصيد تراثنا المتميز يوما بعد يوم وموسما بعد موسم، مع كل احتفال جديد لنصر أكتوبر أو مسلسل درامى فى رمضان أو أى يوم من أيام الوطن.

نفتقدك يا عمار، قدر ما نفتقد عبدالله النديم وجمال حمدان وفؤاد حداد وصلاح جاهين وأسامة أنور عكاشة وبهجت عثمان وأحمد حجازى وغيرهم من رموز الشخصية المصرية. الحقيقة الراسخة هو افتقادنا لك، صوفيتك، رقيك، شعبيتك، شجنك، بهجتك، كل تجليات موهبتك.

’بينى وبينك‘ أكاد أتخيل الآن أغنية وطنية من تلحينك وكلمات سيد حجاب أو عبدالرحمن الأبنودى وغناء على الحجار. ترى كيف يكون مطلعها؟ ستبدأ بعودك الشجى ثم تستحث الكلمات آلات الكمان لدخول الحلبة، ويشدو الحجار مزيجا من كلمات عن «الريح الحرة» و«عروق الشعب» و«مواويل النخيل» و«طير الحق» و«ضحكة الأوطان»، تقف معه على المسرح على عودك أو الكي بورد، تقود الفرقة الموسيقية وتغنى مع الكورال بصوتك المصرى المميز ببحة الحنان الشجى فيما تبتسم نصف ابتسامة، وتداعب الجمهور وتمازحه!

عَمّار.. عزائى الوحيد أنك الآن غالبا تحقق حلمك الأكبر أن تغنى أم كلثوم للوطن لحنا لك نسمعه فقط عندما يحين الأجل.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق