الخميس 12 من صفر 1436 هــ 4 ديسمبر 2014 السنة 139 العدد 46749

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رضوى.. «المرأة الناهضة»

ساكنة ترقد على سرير وحدتها رغم وقوف الأحباء خارج غرفتها. تتصعد أنفاسها من صدرها عنوة لا تريد أن تفارقه، إذ تعلم أنها إذا فارقته فلن تعود إليه.. ترغب رضوى الرحيل رغما عنا. لكنها لا تفصح خوفا على مشاعرنا. دوما قاومت وصبرت وصابرت واصطبرت، وما تزال تقاوم.. لكنها هذه المرة تبدو أنها تقاوم البقاء.


عندما يصرح الأطباء لرضوى بأن تغادر غرفة العناية المركزة فى الدور الأول وتعود إلى بيتها فى تقاطع هدى شعراوى والفلكى، ستمر بالاستقبال فى الدور الأرضى حيث اللوح الرخام الذى نحت عليه اسم همبرت ابانو، أدرك نظرتها عندئذ التى تصحبها بلاغة صمتها عندما تفاجأ. بعد أشهر ستحكى لأبنائها حكاية السيد إبانو الكولونيالى «الطيب» الذى أخرج من جيبه أربعة آلاف جنيه إسترليني دفعة واحدة ليبنى مشفى فى الجزيرة محاطا بالخضرة والماء.

ستنبش وعث الذاكرة، وستدرس كل تفاصيل الحكاية، تبحث عن أصولها، تمسك بفرشاتها الناعمة دقيقة الحجم تزيح بها رمال الزمان برفق لكيلا تخدش حفريتها. ستعرف «أصل وفصل» المدعو إبانو، وتحكى بدقة من هو؟ من أين أتى بالمال؟ ولماذا تبرع به لبناء المشفى تحديدا؟ لكنها لن تذكر مكان المشفى، أو اسمه. ستؤجل الحقائق. ستصفه من الداخل بدقة فتشعر كأنك تراه، وتصف المكان خارجه، الحديقة، ممراتها، مبانيه الصغيرة المتناثرة، حركة الممرضات فى تسارعها وتهاونها، ابتسامات الأطباء الخاوية، رائحة المطهرات والمنظفات، الأصوات الخفيضة التى تزحف فى الممرات الساكنة.

ستحكى عن شراء اللورد كرومر للأرض التى أقيم عليها المستشفى من الحكومة المصرية بـ 1600 جنيه مصرى، والحفل الراقص الذى أقيم بالجراتد هوتل فى ميدان إبراهيم باشا احتفالا بتأسيسه. لكنها ستترك هويته الرسمية غير محددة تحفيزا لخيال القارىء وتحريرا لوعيه المستعمر بفتح الميم! ستترك له بالطبع بعض الإشارات لتختبره. قليل من الجهد لن يضر فى مقابل حلاوة الاكتشاف واتساع مدى الرؤية، تريد أن تنقل له رسالة: يمكن للمشفى أن يكون فى أى مكان بامتداد الممالك الكولونيالية حيث تسطع «الأنوار الإمبريالية» الزائفة!!

هل فهمت عزيزى القارئ؟ أعلم أنك قارئ من قراء رضوى عاشور.. هى الكاتبة التى علمتك كيف تعيد النظر إلى تمثال «نهضة مصر» كيف تقرأ تمثالا من الجرانيت الوردى وتتمثل فيه حكاوى تاريخك وخبايا مستقبلك. إذن فأنت لبيب ومدرب وقادر على حل اختباراتها السردية النصية. عندما تمسك بكتاب لها وتفتحه وتشرع فى القراءة فأنت قد وقعت على تعهد بإحياء الذاكرة واستذكار تضاريس التاريخ والجغرافيا. أنت قارئ فخور بكاتبته التى تفخر بقارئها!! هى « ضميرك المستتر»، وبوصلتك، فى هذه الحالة القارئ تلميذ وصديق وابن. تذكر أنها فى «أثقل من رضوى» كانت تطرح عليك الأسئلة وتعدك بمكافأة الدعوة إلى وليمة فى بيت العائلة فى المنيل.

اقرأ أيها القارئ العربى ما كتبته رضوى وتعلم، اقرأ حياتها كما عاشتها: «المرأة الناهضة» التى أفاقت على «الأولاد فى التحرير» وأغمضت عينيها مع براءة مبارك فى فضية جنايات قصر النيل، ليفقد مريد وطنه مرتين! وتفلت من تميم القصيدة! ويخبو قنديل المشاء على طريق غربته.

رضوى.. لا أملك أن أكتب لك شعرا مثلما كتب عنك مريد وتميم، كانت أشعارهما خريطتى للوصول إلى وطنك، تخجل القصائد أن تفيك حقك وتصف حضورك الإنسانى. أسمعك ترددين وانت تضحكين ضحكتك الخجلى المميزة عندما يحاصرك الثناء: «إنها عين الرضا»، وتوصيني ألا أنبهر بأى كاتب مهما كان، تحذرينى من فتنة «سحر البيان»، نتجادل فى مودة. هذه المرة الوحيدة التى لا أوافقك فيها الرأى، أقول لك إننى أقرأ أعمالك «قراءة محبة» لأنها كتبت محبة للقارئ. أعترف بأننى مفتونة بالحكاوى، بطريقتك فى سردها فى الكتب والمحاضرات وعلى سلم كلية الآداب وفى الأسانسير وعبر المكالمات التليفونية. وسأظل فى انتظارها ولن تفارقني لأن فى دفء حكاواك حياة لك ولنا.


لمزيد من مقالات د .كرمة سامي

رابط دائم: