الثلاثاء 20 من ذي الحجة 1435 هــ 14 أكتوبر 2014 السنة 139 العدد 46698

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

25 يناير.. ثورة الشعب المصرى

لقد قام الشعب المصرى فى 25 يناير 2011 بثورة فريدة تعد إحدى العلامات المميِّزة لعلم الثورات فى القرن الحادى والعشرين، إذ تشترط النظرية التقليدية للثورة وجود قيادة وبرنامج تفصيلى للانتقال بالمجتمع جذريًا إلى مرحلة جديدة،

إلا أن الإسهام الحقيقى للشعب المصرى فى نظرية الثورة تكمن فى أمرين؛ الأول: أن وسائل التواصل الاجتماعى قامت بدور القيادة، وذلك بتعبئة الجماهير وتنظيمها وتثويرهم للخروج بالملايين ضد النظام القائم آنذاك، والثاني: إن الشعارات التى رفعت فى ميدان التحرير والميادين الأخرى حول الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية حلت محل البرنامج التفصيلى، وشكلت تحديًا حقيقيًا لأى حكومة من أجل تحويلها إلى برامج وسياسات قابلة للتطبيق، وكنت أتوقع وغيرى أن تفخر النخبة السياسية والفكرية والاعلامية المصرية بهذا الإسهام العلمى والعملى غير المسبوق لأدبيات علميّ السياسة والاجتماع السياسي.

بيد أن بعض السياسيين وبعض المحسوبين على النخبة العلمية المصرية، والذين فشلوا فشلاً ذريعًا فى تقديم النصح الأمين لنظام مبارك وبعض العناصر الإعلامية غير المبهرة، بدأوا بعد ثورة 30 يونيو، والتى تعد امتدادًا عضويًا لثورة 25 يناير، فى الهجوم الحاد عليها والتقليل من أهميتها ودورها فى كسر حاجز الخوف لدى الشعب المصري، وفى الدفع به إلى المشاركة السياسية الفاعلة، والتى كانت قد انزوت تمامًا فيما سبق، ومما يسيء إلينا أن ينظر البعض إلى ثورة 25 يناير على أنها «مؤامرة» خارجية وأن من قاموا بها تم تصنيفهم، من جانب هؤلاء، باعتبارهم إما خونة أو عملاء، وقد وصل التطاول على الثورة بالبعض إلى حد اعتبارها «مؤامرة» كمؤامرة 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، وهناك فارق كبير بين تقييم وانتقاد ومعارضة ثورة 25 يناير،وهو حق أصيل لمن لم يشترك فيها أو من أضيروا منها، وبين تخوين المشاركين فيها وشيطنة قياداتها الشابة والتشفى فيمن شارك فيها؛ فالقيم التى دعت إليها الثورة تتضمن الحرية فى الاعتقاد والتعبير والتنوع فى الآراء، ولكنها لا تشمل التخوين والشيطنة والهدم، ومما يشعر المرء بالاطمئنان، رغم هذا التطاول الحاد على أهم إنجازات الشعب المصرى فى بداية القرن الحادى والعشرين، فإن هذا التطاول لم يأتِ من شخصيات عامة أو سياسيين أو علماء ذوى حيثية أو مصداقية، ولكنها أتى ممن كانوا مرتبطين بنظام مبارك، والذى أودت به الثورة، وكانت لديهم معه مصالح اقتصادية ومزايا عينية يشعرون بالحزن الدفين على فقدانها، ومن ثم؛ يتطلعون إلى عودتها مرة أخري، وهم بذلك يتجاهلون التغييرات الجذرية التى طرأت على العلاقة بين الحاكم والمحكوم فى مصر، سواء تلك التى وردت فى دستور 2014،والذى أشاد بثورة 25 يناير بكل وضوح ووافقت عليه الأغلبية الساحقة من الشعب المصري، أو تلك الكامنة فى الشعب المصري، وبصفة خاصة الشباب منه، ولاشك أن وقوف الجيش المصرى إلى جانب الثورة، وذلك بالنزول إلى الميادين وحماية المتظاهرين، يعطيها قوة ومصداقية؛ فلا يمكن أن تقوم القوات المسلحة بالوقوف إلى جانب مؤامرة خارجية تستهدف الوطن، إن من يتطاولون على ثورة 25 يناير يستهدفون القوات المسلحة المصرية التى وقفت أيضًا إلى جوار ثورة الشعب فى 30 يونيو للتخلص من الاستبداد الديني.

لقد فتحت ثورة 25 يناير باب التغيير الجذرى على مصراعيه، وأكدت أمرين متلازمين؛ أولهما- أن إرادة الشعب المصرى تقف فوق أى إرادة باعتباره صاحب السيادة، وثانيهما- إن الشباب المصرى الذى قام بثورة 25 يناير هو ذاته الذى عزل القوى الإخوانية إلى غير رجعة من على عرش مصر، وفى هذا الإطار، لابد أن نذكّر هؤلاء المتطاولين على أن شباب تمرد، والذى قاد بفاعلية عملية التعبئة الشعبية السياسية ضد الحكم الإخوانى التسلطي، هم من شارك بادئ ذى بدء فى ثورة 25 يناير، وهكذا؛ فإن المهم فى تحليل خصائص الشعب المصرى فى السنوات الثلاث المنصرمة هو تأكيد الطبيعة التراكمية لما قام به، وبصرف النظر عما يمكن أن تسفر عنه المحاولات الراهنة من بناء تحالفات وتكتلات وائتلافات من أجل الدخول فى الانتخابات البرلمانية، وبصرف النظر أيضًا عن تشكيل البرلمان القادم، وما إذا كان سيشهد وجودا إخوانيًا أو من قوى الحزب الوطنى المنحل؛ فإن الحقيقة الجلية تكمن فى أنه إذا لم يستجب هذا البرلمان لتطلعات الشعب المصرى وطليعته الشبابية؛ فإنه لن يستطيع الاستمرار.

وتشير التجارب الدولية فى كوريا الجنوبية وألمانيا والصين وماليزيا وغيرها إلى أن مراحل التحول الكبرى فى تاريخ الأمم تستدعى القوى التكاملية التاريخية للشعوب بغرض الاصطفاف الوطنى فى مواجهة التحديات الكبري، وعلى رأسها تهديدات الأمن القومي، وتكتل تلك القوى تمهيدًا للانطلاق الاقتصادي، وهو ما نطلق عليه الإجماع الوطني. إن الفشل الذريع لنظام مبارك وحوارييه فى إدارة دولة عصرية قوية تتناقلها الأجيال هو المحرك الرئيسى لثورة 25 يناير، كما أن الاستبداد الدينى وسياسة الإقصاء كانتا وراء قيام ثورة 30 يونيو، وإذا كان من الطبيعى أن يشن المعزولون بقواعد ثورتي يناير ويونيو حملة شعواء على ثورة الشعب المصرى استجابة لشعورهم بالفشل والإحباط؛ فمن الطبيعى أيضًا أن يدافع الشعب المصرى خصوصًا الشباب منه عن ثورة 25 يناير، والتى أشعلها برغبته وشارك فيها باختياره واستشهد من أجلها طواعية بهدف إقامة دولة عصرية على أسس من الشراكة الوطنية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقة.


لمزيد من مقالات د‏.‏ عبد المنعم المشاط

رابط دائم: