الأثنين 12 من ذي الحجة 1435 هــ 6 أكتوبر 2014 السنة 139 العدد 46690

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

سيناريوهات الخداع

ليلى مصطفى
سجلت العسكرية المصرية نموذجا يحتذي به في المعركة علي أرض الجبهة، حينما قهرت العدو الاسرائيلي في نصر أكتوبر ١٩٧٣، وتباري الجنود في مختلف الاسلحة لتقديم أفضل مالديهم،واثبات قدراتهم القتالية دفاعا عن الارض،

حيث ساعدت حرب المعلومات والخداع الاستراتيجي علي رسم ملامح النصر قبل بدء المعركة، وسطرت قصص خداع العدو علي ايدي المحابرات المصرية في نصر اكتوبر حروفا وكلمات لتبقي في ذاكرة التاريخ ترويها الاجيال ،وتمثل مصدر فخر لابائهم والاجداد نعرض اهمها بمناسبة ذكري مرور ٤١ عاما علي حرب الكرامة وانتصار الجيش المصرى العظيم فى حرب اكتوبر عام 1973

مازالت اسرار الانتصار الذي حققه الرئيس الراحل محمد أنور السادات بدهائه وحنكته تتوالي حتي اللحظه، فقد سجلت خطة الخداع الإستراتيجى أكبر مفاجآت الحرب وانجازا ضخما خططت له المخابرات المصرية وشاركت فيه القيادة السياسية وعناصر المخابرات فى الداخل والخارج وحتى فى داخل اسرائيل وذلك للتغطية على استعدادات مصر للحرب ولإيهام العدو بأن الوقت مازال مبكر جدا بالنسبة للمصريين حتى يخوضوا حربا، ومما يؤكد ذلك ما قاله ايلي زعيرا مدير المخابرات الحربية الاسرائيلية أثناء حرب اكتوبر: " ان السبب الرئيسي في الهزيمة هو وصول معلومات تم نقلها مباشرة الى رئيس الوزراء وبدون تحليل من المخابرات على اساس انها موثوق بها وأشار إلى انه يعتقد ان تلك المعلومات المضللة هي من تخطيط المخابرات المصرية وانها كانت جزءا من خطة الخداع والتمويه المصرية التي تم تنفيذها استعدادا للمعركة ".

خطة الخداع بدأت قبل المعركة بعام

أنشأت الحكومة المصرية محطة إذاعية تذيع باللغة العبرية وتعمل على مدى 12 ساعة يومياً، وكانت هذه المحطة موجهة إلى إسرئيل وتذيع موسيقى غربية خفيفة تتخللها نشرات إخبارية وتعليقات تدعو للسلام.

وصاحب ذلك خطة خداع عملياتية في جبهة القتال وعلى طول القناة، ويمكن حصر أعمال الخداع في جبهة القتال كالآتـــي:

فطوال صيف عام 72 كانت القوات المصرية تتدرب على عبور القناة تحت سمع وبصر قوات العدو، ففي مواجهة أجهزة التصوير الإسرائيلية أعد المصريون شواطئ للنزول عليها، وبنوا الجسور وعرضت الأفلام التي التقطت في ذلك اليوم على التلفزيون الإسرائيلي، وقام المصريون مرة واحدة على الأقل في عام 73 بتمثيل عملية العبور بأقل تفاصيل ممكنة، ونقلت الصحف المصرية سير هذه العملية التي شهدها جنود العدو في خنادقهم على الضفة الشرقية للممر المائى، وهذا التكرار للتدريب على عملية العبور أكبر خدعة للعدو، إذ إنه لم يثر فيهم سوى الضحك والاستهزاء من عدم قدرة القوات المصرية على القيام بذلك وعبور أكبر خط دفاعي عرفه التاريخ، والشيء المثير هو أن عبور القوات المصرية يوم 6 أكتوبر كان بالضبط نفس ما حدث قبل ذلك بكل تفاصيله الدقيقة، وهكذا كان العدو يعتقد أنه تدريب اعتيادي يقع أمام عيونه، وهو حقاً كذلك، في حين أنه كان في نفس الوقت تدريباً عملياً على خطة العبور.

تعمد تكرار إجراء التعبئة العامة والاستدعاء ثم تسريح القوات ما جعل القيادة الإسرائيلية تترد كثيراً في إعلان حالة الاستعداد القصوى إزاء كل تعبئة تقوم بها مصر والقيام بعملية تعبئة كاملة للقوات قبيل بدء الحرب.

كانت خطة الهجوم تتضمن عملية خداع موسعة للعدو، حتى لا يكتشف مبكراً اتجاه الهجوم الرئيسي، فقد تم الهجوم على طول الجبهة وفي أعماق سيناء وعبر بحيرة التمساح، وذلك بهدف إرباك العدو وخداعه، بالإضافة إلى استمرار الأعمال اليومية الاعتيادية على طول الجبهة وتفادي الإقدام على إجراء يمكن أن يدل على تغيير سير الحياة الطبيعية، وصدرت أوامر لمجموعة من الجنود في أيديهم أعواد القصب ويأكلون البرتقال وهم في مواجهة العدو في حالة تراخى وخمول بهدف التمويه، كما صدرت الأوامر بعدم نفخ قوارب المطاط المعدة للعبور قبل بدء الضربة الجوية، لأن التجارب أثبتت أن صوت الجنود وهم ينفخون الهواء بالفم في هذه القوارب يمكن أن يسمع على مسافة 800 متر.

تكرار احتلال مراكز القيادة المصرية بالجبهة، وقد أجريت العديد من التجارب لاحتلال هذه المراكز والعمل فيها حتى أصبحت هذه العملية روتيناً مألوفاً لا يثير أية ظنون أو مخاوف.

كما أنشأ الجيش المصري على الضفة الغربية للقناة ساتراً ترابياً في مواجهة مناطق تمركز قوات العدو لإخفاء التحركات العسكرية، وكذلك أنشأ عدداً من السواتر في العمق بزوايا ميل مختلفة لنفس الغرض، وقد حققت هذه السواتر أهدافها إذ جعلت العدو يقتنع بأن الجيش المصري قد لجأ إلى إستراتيجية دفاعية في حماية هذه السواتر، كما ساعدت على إخفاء تحركات القوات المدرعة المصرية نحو شاطئ القناة لتأخذ أوضاع الهجوم عندما بدأت الحرب.

تحريك القوات المصرية في اتجاهات مختلفة وثانوية، وإجراء تحركات عرضية داخل الجبهة وعكسية من وإلى الجبهة تحت ستار التدريب مع التغيير المستمر في حجم وأوضاع القوات البرية وأماكن تمركز القطع البحرية في الموانئ والمراسي داخل وخارج الجمهورية.

وأيضاً استغرق تجميع القوات للهجوم فترة من 3 إلى 4 أشهر بدفع الوحدات في مفارز صغيرة، وتكديس الاحتياجات تباعاً في الجبهة قبل ثلاتة أسابيع من بدء الهجوم تحت ستار القيام بأعمال هندسية لإجراء مناورة كبرى مشتركة تحت اسم (تحرير23)، وبدأ القتال فعلاً أثناء هذه المناورة، ورفعت خرائط التدريب لتحل محلها خرائط العملية الهجومية (بدر).

وقد بات واضحاً وبما لا يدع مجالاً للشك من خلال الدراسة التحليلية للصراع المسلح والحروب التي نشبت عبر التاريخ أن الخداع بجميع أنواعه ومستوياته قد لعب دوراً بارزاً ومؤثراً بل حاسماً في العديد من العمليات العسكرية، وفي كل الحالات جاء بنتائج باهرة كان لها الأثر الكبير في تحقيق النصر، ويوصف الخداع فى الحروب بأنه مجموعة من الإجراءات والأنشطة المنسقة والمخطط لها بعناية بالغة بغية إخفاء الحقائق التي من شأنها التأثير على مجريات الحرب ومنعها من الوصول إلى الدول المعادية أو المتعاونة معها، وتوجيه ودعم تقديراتها وجهودها إلى اتجاهات زائفة تؤدي إلى قرارات تخدم الخطط الموضوعة ، ويهدف الخداع في الحرب والصراع المسلح إلى تمويه العدو عن خطة إعداد الدولة وإجراءاتها مع إخفاء فكرة إدارة الصراع المسلح وطبيعته، وذلك من خلال التركيز على الآتي: وضع أجهزة المخابرات المعادية والمتعاونة معها في حالة إقناع وتصديق للأخبار والمعلومات الزائفة الظاهرة والبادية للعيان. والقياس المستمر لردود فعل العدو وتحليلها أولاً بأول. وضمان تحقيق النتائج من خطة الخداع الشاملة الموضوعة.عادة ما يتم تنظيم الخداع وإدارته بواسطة القيادة العسكرية والسياسية العليا في الدولة بواسطة أجهزتها المختلفة (الأمنية، العسكرية، المدنية)، وذلك من خلال خطة مركزية تنفذ إجراءاتها على جميع المستويات في وقت واحد ضمن زمن محدد، ومن خلال أنواع الخداع المختلفة (العسكري والسياسي) وبكافة أساليب الخداع وجميع الوسائل المتوافرة والمتاحة لهذه المستويات.

إن خطط الخداع العسكرية لم تكن اختراعاً أو ابتكاراً جديداً، فخطط الخداع قديمة قدم الزمن وجرى تنفيذها على مر العصور فقد قام فرع التخطيط بهيئة العمليات بالقوات المصرية بدراسة كل خطط الخداع التي تمت في معارك سابقة، وتم تكليف مجموعة من الضباط بالتخطيط لعملية الخداع التي تضمنت عدة محاور كان من أهمها الخداع الإقتصادى بإظهار ضعف مصر اقتصادياً وعدم قدرتها على الهجوم، وإظهار حرصها على أن حل الأزمة يجب أن يكون سلمياً، والخداع السياسي وتم بإظهار قبول حالة اللاسلم واللا حرب والإعلان عن عدم الحسم أكثر من مرة، ثم الخداع الإستراتيجي والتعبوي الإعلامي، مثل قرار وزير الحربية بزيارة ليبيا في توقيت معين مع استمرار الخطط الخاصة بتدريب الضباط والجنود كما هي حتى آخر لحظة قبل ساعة الصفر، والإعلان عن تسريح دفعات احتياط، وكان ضمن خطه الخداع الاستراتيجي التي اتبعها السادات في الحرب نشره خبراً بجريدة الأهرام فى الصفحه الاولي عن قيام قاده اسلحه الجيش المصري بالعمره فى السعوديه قبل الحرب بأيام قليله، وتلقي الموساد الخبر واعتبره اعلاناً مؤكداً عن استبعاد الحرب، بالإضافة إلى التضخيم في وسائل الإعلام من استحالة عبور القناة لما فيها وعليها من موانع يصعب اجتيازها، وكان من أهم بنود خطة الخداع الإستراتيجية التي تم تفعيلها مايلى:

الضربة الجوية الزائفة:

على الرغم من أن الطيران الإسرائيلي كان في درجة الاستعداد القصوى منذ ظهر الجمعة 5 أكتوبر، ورغم أن مراكز الإنذار والرادارات الإسرائيلية في سيناء قامت برصد جميع طلعات الطيران المصري ظهر يوم 6 أكتوبر، ومع ذلك فإن المفاجأة الكاملة لحقت بهم بسبب أساليب الخداع التي خططت لها بنجاح قيادة القوات الجوية المصرية والتي كان أبرعها بلا جدال رفع درجة الاستعداد القصوى وإعلان حالة التأهب في جميع المطارات والقواعد الجوية المصرية في الفترة من 22 إلى 25 سبتمبر، فخلال تلك الفترة التي سبقت ساعة الصفر تتابع خروج الطلعات من مطارات الدلتا والصعيد بشكل متواصل ما أصاب الإسرائيليين بأشد أنواع البلبلة والارتباك، فقد اضطروا إلى إطلاق طائراتهم في الجو كلما انطلقت طائرة مصرية، وعندما لم تحدث أي هجمات كما توقع الإسرائيليون دب في نفوسهم الهدوء والاطمئنان، وباتوا على يقين بأن طلعات الطيران المصري إنما هي لمجرد التدريب. ولذلك عندما تم رصد الطائرات المصرية بعد ظهر 6 أكتوبر برغم تحليقها على ارتفاعات منخفضة للغاية لا تتعدى بضعة أمتار فوق سطح الأرض ظن العدو أنها طلعات تدريبية كسابقاتها، وخلال تلك الساعات الحاسمة وقبيل ساعة الصفر أضاف اللواء حسني مبارك وسيلة أخرى من التمويه، فقد أجرى ترتيبات دقيقة في القاهرة واتصالات عاجلة مع طرابلس بعد ظهر يوم الجمعة 5 أكتوبر للإعداد لزيارة أوهم المحيطين به أنه سوف يقوم بها إلى ليبيا وبرفقته بعض كبار الضباط في مهمة عاجلة تستغرق 24 ساعة، وكلما اقترب موعد إقلاع الطائرة الذي تحدد في الساعة السادسة مساء 5 أكتوبر كان اللواء حسني مبارك يؤجل الموعد المرة بعد الأخرى حتى تم تحديده نهائياً ليكون في الساعة الثانية بعد ظهر 6 أكتوبر، وهو الموعد الحقيقي والفعلي لبدء تنفيذ الضربة الجوية الأولى.

خداع الأقمار الصناعية:

تعتبر هذه الخطوة من أدهى الخطوات التى قام بها الجيش فى خطة الخداع الرهيبة، فقد كان الجيش على دراية كبيرة بأجهزة الاستطلاع الجوى التي تستخدم فى التقاط الصور ونقلها بكفاءة خاصة الأقمار الصناعية المزودة بمعدات التصوير الحراري التي تستطيع التقاط صور واضحة لتحركات المعدات حتى بعد أن تغادر أماكنها بدقة متناهية، ولم تكن ثمة وسيلة لإخفاء طوابير العربات والدبابات وقطع المدفعية عن عدسات هذه الأقمار التي لا تكف عن الدوران حول الأرض في مسارات عديدة منتظمة، إلا أنه بالبحث والدراسة المتأنية ثبت أنه بالإمكان خداعها.

فقد كان من المعروف لدى خبراء الاستطلاع الجوى المصري أن هذه الأقمار تحلل الألوان إلى 32 لوناً تتدرج من الأبيض الناصع إلى الأسود القاتم، ثم ترسل مشاهداتها على هيئة أرقام يعبر كل منها عن لون المربع الواضح في الصورة، وفي مراكز الاستقبال الأرضية يعاد استبدال الأرقام بمربعات لها نفس درجة اللون، فتكون الصورة الحقيقة مرة أخرى. وقد نوقشت مشكلة الأقمار الصناعية فى وقت مبكر بعد أن اتخذ قرار الحرب واستقر الرأي على تشكيل مجموعة بحث لدراسة الوسائل الكفيلة بتضليل الأقمار الصناعية، وكانت ثمرة عملها معجزة حقيقية، فقد وضعت مجموعة البحث فى اعتبارها شبكة الطرق المؤدية إلى جبهة القتال ومواصفاتها ثم مدارات الأقمار الصناعية ومواقيت إطلاقها بالثانية، وبعد ذلك قامت المجموعة بوضع عدد من الجداول الزمنية شديدة التعقيد والدقة، بينت الجداول مواعيد تحرك القطارات الناقلة للجنود وأماكن توقفها ومدة التوقف بالثانية، مع إصدار أوامر مشددة باتباع هذه الجداول بمنتهى الدقة، وعلى هذا الأساس كانت الطوابير تتحرك إلى الجبهة في مجموعات صغيرة فوق طرق مختارة بعناية، ثم تعود العربات الخالية بمجموعات كبيرة في وقت مناسب لكي يمر من فوقها القمر الصناعي الباحث عن المعلومات، وهكذا استقبلت مراكز دراسة الصور الجوية صوراً كثيرة، ولكنها تؤدي إلى استنتاج معاكس للحقيقة، وكان هذا هو الهدف المطلوب وبدت التحركات وكأنها عكسية تماماً وتم حشد الوحدات في مواقعها بانتظار ساعة الصفر.

إعداد المستشفيات لاستقبال الجرحى

كان من الضروي إخلاء عدد من المستشفيات وإعدادها لاستقبال الجرحى الذين سيتوافدون مع بداية المعركة، وكان ذلك يعد من أهم مبادئ الإعداد للحرب، ولما كان إجراء بمثل هذه الضخامة سيثير بالتأكيد شك مخابرات العدو كان على المخابرات أن تجد حلاً لإخلاء عدد المستشفيات المطلوب بدون إثارة أدنى شك، وتم إعداد خطة محكمة ضمن خطة الخداع حيث قام الجيش بتسريح ضابط طبيب كبير كان مستدعى للخدمة العسكرية، وأعيد هذا الطبيب إلى الحياة المدنية، وفور تسلمه وظيفته السابقة بوزارة الصحة أرسل للعمل في مستشفى الدمرداش التابع لجامعة عين شمس التي وقع عليها الاختيار لكبر حجمها لتكون في أول قائمة المستشفيات.

وحسب الخطة اكتشف الطبيب بعد وصوله إلى المستشفى أن ميكروب التيتانوس يلوث العنابر الرئيسية للمرضى، ولأن هذا الطبيب كان منزعجاً وقلقاً من هذا الميكروب الذي يهدد حياة المرضى وبعد ضياع يومين من الرسائل المتبادلة بين المستشفى ووزارة الصحة مع بعض الروتين اللازم لحبك الخطة ومناقشات الأطباء والمذكرات .. أمرت وزارة الصحة بإخلاء المستشفى من المرضى تماماً وتطهيره، وتم تكليف الطبيب بالمرور على باقي المستشفيات لاستكشاف درجة تلوثها، وقامت الصحف بنشر التحقيقات الصحفية حول المستشفيات الملوثة ونشر الصور وعمال التطهير يرشون المبيدات الخاصة بالتطهير في عنابر المستشفيات. وما أن حل أول أيام أكتوبر حتى كان العدد اللازم من المستشفيات قد أخلي نهائياً، وأصبح على أتم استعداد لاستقبال الجرحى والمصابين كإجراء إحتياطي مهم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق