الأثنين 23 من جمادي الاولى 1435 هــ 24 مارس 2014 السنة 138 العدد 46494

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«المشـــير».. وتوجهات الثورة

المنطق الحديث للمشير السيسى عن أزمة مصر الاقتصادية، والذى روجت له وسائل الإعلام على نطاق واسع، يبدو كأنه رجع الصدى لمقولات حسنى مبارك، خاصة فى سنواته الأخيرة. وكأن المخلوع قد عاد لمخاطبة الناس، أو أن هذه الذهنية هى ما يمكن أن يمتلك قيادى من المؤسسة العسكرية ولو ارتدى بزة مدنية.

أول ملامح التماثل هى التذمر من زيادة السكان وما يتبعها من التساؤل بالنغمة المتكررة «أجيبلوكم منين»؟ هذه النظرة التى تعبر عن قصور فى تصور التنمية وفى علاقة الحاكم بالشعب تنطوى على عدد من المشكلات الجوهرية.

هناك أولا النظرة القاصرة للسكان باعتبارهم أفواها ومستهلكين وليسوا الثروة الأهم إمكانا، إن أحسِن بناء القدرات البشرية وتوظيفها بفعالية، خصوصا فى إنتاج المعرفة، معيار التقدم فى الطور الحالى من تقدم البشرية. لقد كانت زيادة حجم السكان دوما علة حكام الدول الفاشلة تنمويا والتى يعانى حكامها من قصور فى المعرفة، ناهيك عن فقر الجسارة والإبداع اللازمين لتخليق مشروع وطنى للنهوض بعبء طاقات الشعب وتوظيفها بكفاءة صنعا للتقدم. ولو تمسكت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، والصين والهند، بهذه النظرة العاجزة لبقيت حتى الآن فى مصاف الدول الفاشلة تنمويا كمصر.

ويجدر بنا أن نذكّر بأن اليابان أرسلت لمصر فى عهد محمد على باشا بعثة لدراسة النظام التعليمى لدينا. وأن حال مصر فى 1950 كان أفضل من حال الصين بمراحل. وأن وضع مصر فى عام 1960 على مؤشرات التنمية كان أفضل من كوريا الجنوبية. وأن أول طائرة اخترقت حاجز الصوت فوق القاهرة فى يناير 1967 كانت من إنتاج مصري-هندى مشترك، وقد يندهش القارئ لمعرفة أن مساهمة مصر فى المشروع حينئذ كانت إنتاج المحرك النفاث وهو المكون الأشد تقدما تقنيا وفنيا. ولا أريد أن أنكأ جرح التساؤل عن أين اصبحت هذه البلدان مقارنة بمصر. ووجه القصور الثانى هو تصور الحاكم بأنه صرّاف يقوم على خزينة يمتلكها وينفق منها على الشعب الذى يثقل كاهل الحاكم بطلباته. هذه النظرة تنم عن منطق أبوى معكوس وكأن المسئول ينفق على الشعب من خزينته. بينما الحقيقة أن الشعب هو من ينفق على المسئول من الخزينة التى يمتلكها ويمونّها الشعب، بعد تكريم المسئول باختياره وتفويضه تفويضا محدودا وموقوتا بإدارة شئون البلاد، تحت رقابة الشعب وممثليه.

وفى مقام متصل، اعتبر المشير أن التضحية بجيلين، أى لمدة ستة عقود تقريبا، أمر مقبول لمصلحة باقى الشعب. وهذه ليست إلا مقولة ستالين الطاغية الأقسى فى تاريخ روسيا. ولكن من فوض المشير بأن يتخذ قرارات تحدد مستقبل مصر لستين عاما قادمة؟ فهو- إن انتخب رئيسا- لن تدوم ولايته- إن استتب له الأمر- أطول من ثمانية أعوام على الأكثر، وينبغى ألا يتخذ قرارات تحدد مصير البلد فى مدى زمنى أطول، إلا إن كان ينوى إعادة سيرة المخلوع وسابقه، وكلاهما من أبناء المؤسسة العسكرية، بإزالة هذا القيد الدستورى على مدة الرئاسة.

كذلك طالب المشير الفقراء والضعفاء بشد الحزام ضغطا للنفقات تقشفا ولمساعدة بلدهم، وأنذرهم بغلاء أشد قادم، حينما توعدّهم برفع الدعم عن السلع الأساسية مرة واحدة، فقد أعلن فى نطق سابق أن من يحصل على سلعة يتعين عليه أن يدفع ثمنها كاملا، فى إشارة صريحة إلى نيته إلغاء الدعم عن السلع الأساسية التى يستفيد منه فقراء مصر. هذا بينما ترك المشير الحكومة المبذرة وأغنياء المصريين، ومن بينهم قيادات الجيش، يرفلون فى النعيم والترف، وبعضه حرام، من دون أن يطالبهم بفعل شىء لبلدهم.

هكذا، يدل نطق المشير على أنه غير معنى بالعدالة الاجتماعية رغم أنها على رأس مطالب الثورة الشعبية العظيمة. فهو لا يطالب الأغنياء بأى شىء ويضع العبء كله على المستضعفين المطحونين، فى حين أن بمصر البعض من أغنى أغنياء العالم يتركزون فى بضع عائلات، طبقا لمجلة فوربس المتخصصة فى الشئون المالية التى كشفت أن ثمانية مصريين يملكون 156 مليار جنيه، بارتفاع 30 مليار جنيه عن العام الماضي، على حين كان الاقتصاد يتردى وتتفاقم تعاسة غالبية الناس فى مصر. وبينما ينفق أكثر من أربعة أخماس الأسر المصرية أقل من 2000 جنيه شهريا.

فقد أصدرت مجلة «فوربس» المالية هذا الشهر قائمتها السنوية عن أثرياء العالم، التى احتل فيها المصريون المقدمة عربيا، بوجود 8 مليارديرات، ينتمى سبعة منهم إلى عائلتين فقط، وأحدهم كان وزيرا جمع بين المنصب وآماله الخاصة فى نطاق اختصاص الوزارة، بينما تأتى السعودية فى المرتبة الثانية بسبعة مليارديرات.

وعلى الجانب الآخر تدل الإحصاءات الرسمية على أن نسبة الفقر فى مصر ترتفع باطراد حتى وصلت فى 2012 ـ 2013 إلى 26.3% من المصريين، بزيادة 1.1% عن العام السابق. وهذه تقديرات مقللّة بفداحة من انتشار الفقر. ويكفى معرفة أنها تقوم على اعتبار أن خط الفقر يبلغ 327 جنيهًا للفرد فى الشهر، وهذه قيمة مغالية فى التدنى إلى حد الشطط. فمن يستطيع العيش بعشرة جنيهات فى اليوم؟ ظنى أننا لو اعتمدنا خط فقر معقول، وليكن 2000 جنيه فقط للأسرة، لتبين أن الغالبية الساحقة من المصريين يجب أن يعدوا فقراء.

السيد المشير، يبدو أنه لا يهتم إلا بتدليل الأغنياء، وبضمان ولاء العاملين بأحهزة الأمن كدأب الحكم القائم على السطوة الأمنية، وكجميع سابقيه على رأس الدولة منذ ما قبل الثورة الشعبية. فقد رفعت رواتب الجيش والشرطة أربع مرات فى ثلاث سنوات حتى أصبح راتب أمين الشرطة أعلى من راتب الطبيب. وقد كان هذا الوضع وراء دفع الأطباء فى مصر إلى شن الموجة الأخيرة من إضراباتهم أخيرا كما صرح بعض قياداتهم. اقترح المشير أيضا على الشعب المشى بدلا من ركوب السيارات، وهى فكرة طيبة تسهم فى حل أزمات المرور ومواد الوقود والتلوث كما تحسّن من صحة من ينفذها. فليبدأ المشير بنفسه ليؤسس سنة طيبة ويصبح قدوة صالحة للجميع.

مجمل الملاحظات السابقة يشى بأن المشير، أو من يضعون برنامجه، لا يمتلكون رؤية متكاملة لمشروع حقيقى للنهضة يضمن نيل غايات الثورة الشعبية، ويعتمدون على منطق «الخبطات» التى تستغل فيها إمكانات القوات المسلحة. فقط نتمنى ألا تكون هذه «الخبطات» مثارا لخيبة الأمل، مثل جهاز كشف وعلاج جميع الأمراض المستعصية فى العالم الذى يكتنفه الغموض ويتراوح التقدير بشأنه بين الاحتيال والفضيحة وبين الشطط الترويجى إن أحسنّا الظن.

لقد عانى المصريون من خديعة الإيهام بمشروع ضخم للنهضة تحت سطوة اليمين المتأسلم بقيادة الإخوان الضالين، وأفاقوا منها على تفاقم الشقاء والتعاسة تحت حكم تبنى أسس النظام الذى قامت الثورة لإسقاطه. بينما هذه الأيام تدق الطبول، ويتراقص كثيرون على أنغام حملات صاخبة لانتخاب مرشح للرئاسة، حتى قبل أن يعلن ترشحه أو يقدم برنامجا. وهذه مواصفات لخيبة أمل قادمة، قد تستدعى موجة ثالثة كبيرة من الثورة الشعبية.

على الأقل يحمد للمشير أنه لا يتجمل!.


لمزيد من مقالات د . نادر فرجانى

رابط دائم: