الجمعة 2 من شوال 1434 هــ 9 أغسطس 2013 السنة 138 العدد 46267

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

الصحفي الكبير عبدالرحمن فهمي يكتب عن‏:‏ قصة محمود أبو الفتح‏..‏ صاحب جريدة المصري

منذ أن أحضر نابليون بونابرت أول مطبعة في مصر وعرفت مصر‏(‏ حاجة اسمها الصحافة‏)..‏ صدرت كل الصحف والمجلات عن طريق الصحفيين‏(‏ الشوام‏)‏ كما كنا نسميهم زمان‏..‏ وهم صحفيون من لبنان بالذات وسوريا‏..‏

سليم وبشارة تقلا( الأهرام).. نمر باشا( المقطم جريدة مسائية) روزاليوسف( مجلة روزاليوسف).. جورجي زيدان والد اميل وشكري زيدان( دار الهلال).. ادجار باشا جلاد وزوجته الصحفية ليتا جلاد( جورنال ديجيبت) وغيرها صحف صغيرة لم تعش طويلا..
تخرج محمود أبو الفتح في كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول بعد معاناة من اندماجه في العمل الوطني وعشقه لسعد زغلول لأبعد الحدود.. ولولا انه كان حاد الذكاء ما كان يستطيع أن يجتاز السنوات الأربع لكثرة فصله من الكلية وعودته بعد تعهد والده الشيخ أحمد أبو الفتح استاذ الشريعة الإسلامية في نفس الكلية..
وهناك قصة مشهورة...
كانت مادة الشريعة إحدي المواد التي يتم الامتحان فيها شفاهيا وتحريريا.. وتصادف في الليسانس أن امتحن الشيخ أحمد أبو الفتح أستاذ الشريعة الطالب محمود أبو الفتح وأعطاه17( سبع عشرة درجة).. فإذا بعميد الكلية وهو انجليزي الجنسية سبق أن فصل هذا الطالب ثلاث مرات لولا توسط سعد زغلول ووالده الأستاذ في الكلية.. هذا العميد أقام الدنيا وأقعدها منتقدا هذا الوضع.. كيف يمتحن استاذ ابنه في السنة النهائية ويعطيه هذا التقدير الكبير.. وأمر بإعادة الامتحان في اليوم التالي عن طريق الشيخ أحمد ابراهيم استاذ الشريعة المساعد.. وأصر العميد علي أن يحضر الامتحان بنفسه خشية أن يجامل الاستاذ المساعد زميله والد الطالب.. اتصل الشيخ أبو الفتح بالمنزل وأخطر ابنه محمود بما حدث.. ظل محمود أبو الفتح يذاكر ويحفظ حتي صباح اليوم التالي وذهب إلي الامتحان دون نوم.. فأجاب كل الأسئلة باستفاضة حتي اضطر الشيخ أحمد ابراهيم بموافقة العميد الانجليزي الشرير إلي أن يعطي محمود ابو الفتح النمرة النهائية20 من..20 بعد أن كان والده أعطاه17 من.20


ما إن تخرج محمود أبو الفتح من كلية الحقوق حتي التحق مراسلا وكاتبا بجريدة تصدر بالاسكندرية اسمها( وادي النيل) بمرتب شهري جنيه ونصف جنيه, ولما كان محمود أبو الفتح صاحب التطور الخطير في التحرير الصحفي.. إذ انتقل به من( اغلال) الطابع الأدبي والبلاغة التقليدية إلي آفاق جديدة بديلة من أساليب الفنون الصحفية الجذابة التي تشد القارئ.. لذا اتصل به صاحب الأهرام وطلب منه العمل معهم.. وقد كان.. وكما كتب الصحفي الكبير محمد فهمي عبد اللطيف في مقال له بجريدة الأخبار يوم2 ابريل عام..1981 كان عمله بالأهرام ميلادا جديدا لصحافة جديدة جريئة مقروءة.. كان عمله ميلادا جديدا في حياة مصر الصحفية.. محققا قفزة كبيرة لجريدة الأهرام..
كان أهم انفراداته الصحفية ركوبه منطاد زبلن.. كان الصحفي الوحيد لا في مصر بل في العالم كله الذي ركب المنطاد.. ذلك الاختراع الألماني الجبار ـ في رحلة تاريخية تابعها العالم شرقا وغربا.. ومن داخل المنطاد كان يوافي قراء الأهرام بتغطية صحفية ممتازة نقلتها علي لسانه كل وكالات الأنباء التي تعاقدت معه بعد عودته ليكون مراسلها ايضا!!
فإذا بالخبطة الصحفية التالية في أقل من اسابيع وهي اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون الذي كان أول من عرفها من أصدقاء الكبار.. فقد كان يصادق ويسهر يوميا مع بعض كبار القوم ويعرف منهم كل اخبار مصر.. وكان انفراد الأهرام بهذا الخبر وتفاصيله فيما بعد من أهم الضربات الصحفية في ذلك الوقت.. فقد كان الخبر له أهمية عالمية
>>>
ثم بدأت مفاوضات سعد زغلول في لندن.. وجولات مصطفي كامل ومحمد فريد في أوروبا للدعاية للقضية المصرية.. ولما كان محمود أبو الفتح يجيد اللغات كأحد أبنائها طلب من الأهرام أن يرسله في جولات بأوروبا لتغطية هذه الأنباء خاصة لعلاقته الشخصية بسعد زغلول الذي كان السبب في حصوله علي ليسانس الحقوق رغم أنف العميد الانجليزي.
ومن القصص المشهورة في هذا الشأن أن( الأهرام) كان يرسل له ما يكاد يكفي لغذائه وتنقلاته وبرقياته.. لذا نام في محطة سكة حديد لندن!! بعد استئذان السلطات.. وما ان نشرت إحدي المجلات هذا الخبر حتي باع الشيخ أحمد أبو الفتح ـ رحمه الله ـ أحد فدادينه الاثني عشر في قرية الشهداء منوفية وأرسل له ثمن الفدان!!
كانت هذه المرحلة من حياته قمة تألقه الصحفي.. ليس فقط لأسلوبه الصحفي السهل الجذاب ورواياته السياسية الحقيقية الممتعة.. بل أيضا لانفراداته الخبرية التي تهم مصر كلها.
>>>
وهناك واقعة مبكرة تكشف عن المشاعر الوطنية المتدفقة لمحمود ابو الفتح منذ مطلع شبابه.. ففي مرحلة الدراسة الثانوية كتب موضوعا باللغة الانجليزية في مادة( الإنشاء) يعبر فيه عن شجاعة سياسية نادرة ونضج فكري مطالبا بالدستور والاستقلال.. كان الموضوع المكتوب مجرد واجب مدرسي.. من حيث سلامة اللغة وبراءة ترتيب الأفكار وبنائها المنطقي يستحق الدرجة النهائية من وجهة نظر المعلم المصري مدرس الفصل.. ولكن المشرف الانجليزي وناظر المدرسة الانجليزي ايضا قررا اعطاء هذا الموضوع( صفرا) وسقوط الطالب في اللغة الانجليزية التي كان يجيدها كأحد أبنائها... وخلال العام الدراسي نفسه في زيارة تقليدية لمستر دنلوب المستشار الانجليزي لوزارة المعارف العمومية طالب بمقابلة مستر دنلوب ليشكو له فرفض, فهتف ضده باللغة الانجليزية في حوش المدرسة فتم فصله نهائيا من المدارس فاضطر إلي ان يحصل علي شهادة البكالوريا بنظام المنازل...
>>>
وبمناسبة اجادته للغات... بعد تخرجه المتعثر في كلية الحقوق اقترح علي سعد زغلول ـ وكان ذلك في شهر فبراير1919 قبل اندلاع الثورة بشهر واحد ـ اقترح أن تتم ترجمة كل ما ينشر في الصحف الاجنبية عن مصر والدعوة للقضية الوطنية والتصدي لما ينشر من اكاذيب وارسالها الي نفس الصحف بالخارج باللغتين الانجليزية والفرنسية... مع نشر هذه الاكاذيب والرد عليها في( الاهرام) ايضا.... وتحمس سعد زغلول للاقتراح وطالبه بتنفيذه فورا...
وفي نفس الشهر حقق أبو الفتح سبقا صحفيا مدويا.. اجري حديثا مطولا مع اللورد اللنبي المتعجرف الذي انكر كل حقوق مصر وكانت الاسئلة والتعليقات علي اجاباته غاية في البراعة وحقق( الاهرام) سبقا آخر سياسيا مدويا.. اثار هذا الحديث ردود فعل واسعة... وكانت من نتيجة سفر سعد زغلول والوفد المصري المرافق الي أوروبا... وضم سعد زغلول أبو الفتح الي الوفد كمستشار اعلامي يجيد اللغات ويتصل بالصحف هناك.. واتفق معه داود بركات رئيس تحرير الاهرام أن يرسل يوميا رسالة صحفية مطولة.
كان محمود أبو الفتح شعلة نشاط هذا الوفد... وأهم ما عمله خلال هذه الرحلة أن كتب مذكرة وافية بمطالب مصر ارسلها لرئيس مجلس العموم البريطاني بنفسه يدا بيد... مما اثار اعجاب سعد زغلول وزملائه.
ومن كثرة ما حدث من وقائع في هذه الرحلة ألف كتابا بعد عودته بعنوان( المسألة المصرية والوفد)... هذا الكتاب بالذات طلبه جمال عبد الناصر خلال مفاوضاته مع الانجليز قبل توقيع المعاهدة معهم.. وظل الكتاب علي مكتبه وتم العثور عليه بعد وفاة عبد الناصر في نفس مكانه!!!
>>>
تمر ايام كثيرة..
وعند رحيل داود بركات رئيس تحرير الاهرام. وهو من ابرز وأهم صحفيي مصر في ذلك الوقت.. وكان ايضا محمود ابو الفتح هو الصحفي الأعظم شهرة في الجريدة العريقة.. كان كل من يعمل بالاهرام بل هؤلاء الذين في الصحف الاخري... كان اليقين عندهم جميعا أن( ابو الفتح) سيصعد الي كرسي رئيس تحرير الاهرام... ولكن أصحاب المؤسسة خيبوا ظنه واسرعوا بتعيين انطون الجميل رئيسا للتحرير..
ودون الدخول في تفاصيل لا لزوم لها... كان هذا الاختيار أبعد ما يكون عن مصلحة الجريدة الكبري.. ولكنه كان أقرب ما يكون من حكاية( الثقة قبل الخبرة).. فأصحاب المؤسسة لا يريدون مصريين!!!! هنا بدأ محمود أبو الفتح يفكر في أن ينشئ جريدة( المصري).
>>>
كان يجلس مع محمود أبو الفتح في نفس الحجرة بمبني الاهرام القديم الصحفيان الكبيران محمد التابعي وكريم ثابت... اللذان تحمسا للفكرة... وقدم الثلاثة استقالاتهم من الاهرام... باع الشيخ أحمد أبو الفتح فدانين آخرين في بلدته الشهداء منوفية كحصة ابنه محمود في انشاء الجريدة ودفع التابعي وكريم ثابت( تحويشة العمر)... وتم انشاء الجريدة الجديدة...
علي فكرة... تبرع الشيخ ابو الفتح بالتسعة فدادين المتبقية... اعطي ابن شقيق له ـ كان فقيرا للغاية ـ اعطاه ثلاثة فدادين... وتبرع بالستة الباقية للحكومة... ولذلك قصة...
عام1943 بعد أن توسعت قرية الشهداء كثيرا.. طلب الشيخ ابو الفتح من النحاس باشا رئيس الوزراء أن تتحول الي مركز... فاذا بحسين بك شعير وحسن بك شعير أخوال زينب الوكيل زوجة النحاس باشا يقدمان طلبا مماثلا بتحويل قرية( كفر عشما) الي مركز بدلا من الشهداء... هنا استدعي النحاس باشا الوزير ابراهيم فرج وزير الشئون البلدية والقروية المختص في هذه الامور وقال له:
ـ آل ابو الفتح أصحاب جريدة( المصري) الوفدية.. وآل شعير اخوال زوحتي... لا تنحز لأي طرف... افعل ما فيه خير البلاد..
اتصل ابراهيم فرج بحسين بك شعير وقال له:
ـ سأتناول طعام الغداء غدا في المنوفية اما عندك أو في ضيافة الشيخ أبوالفتح لكي نتفق جميعا امام العيش والملح علي كلمة سواء.
فقال حسين شعير:
ـ الشيخ ابو الفتح اكبرنا سنا ومقاما... نحن نذهب إليه لنكون نحن في ضيافته
هل رأيت اخلاق زمان؟؟..
المهم... بعد الغداء قال ابراهيم فرج إن القرية التي سيكون بها مستشفي ومدرسة ابتدائي ومدرسة ثانوي ومكان لإنشاء مركز بوليس ستكون هي المركز...فما رأيكما؟؟؟
قال الشيخ ابو الفتح بأنه متبرع بستة أفدنة للحكومة لتبني عليها. ومستعد لأن اتكفل بتكاليف بناء المستشفي واحدي المدرستين.
هنا صاح حسين بك شعير: مبروك عليك المركز.. انا منسحب!!!...
حتي هذه اللحظة... المستشفي والمدرسة باسم المرحوم ابو الفتح... بل زادت الارض المتبقية...!!
>>>
نعود الي جريدة( المصري) بأصحابها الثلاثة.. فنجد أن محمد التابعي الذي يصرف مال النبي والصحابة كما يقولون... التابعي مشهور عنه انه مسرف لأبعد الحدود...لذا باع حصة لحزب الوفد.... خاصة أن حصة( الثلث) زاد ثمنها كثيرا جدا بعد الصدور... في نفس الوقت أصدر الملك فاروق الذي كان يعاند آل ابو الفتح ـ أصدر مرسوما بتعيين كريم ثابت مستشاره الصحفي فاضطر إلي أن يبيع كريم ثابت حصته ايضا... فاشتراها محمود ابو الفتح... ثم اشتري حصة الوفد التي أخذها من محمد التابعي.. ولذلك قصة
>>>
محمود ابو الفتح كان في بدأ حياته يعتمد علي والده.... فأراد حزب الوفد الذي كان في السلطة منذ عام1942 أن يساعد أبو الفتح... كانت اوراق الصحف المستوردة من ايطاليا غالية الثمن لذا كانت الحكومة تدعم الصحف وتتحمل اكثر من نصف ثمن الورق المستورد.... قرر الوفد زيادة حصة جريدة( المصري) من الورق لكي تبيع الجريدة الزائد عندها في السوق بثمن السوق وبذلك تستطيع الجريدة وليس محمود أبو الفتح أن تدفع ثمن حصة كريم ثابت وايضا حصة الوفد التي اشترتها من محمد التابعي ليصبح محمود ابو الفتح هو المالك الوحيد للجريدة.
عندما حدث خلاف بين ثورة يوليو والمصري عام1954 كتب صلاح سالم يتهم أبو الفتح بأن ثروته من البيع في السوق السوداء... ثم ثبت خلال المحاكمة أن ابو الفتح لا اشتري ولا باع... الموضوع كان بين الجريدة يمثلها الدكتور السيد ابو النجا المدير العام وبين حزب الوفد....
>>>
بهذه المناسبة هناك قصة مماثلة تماما.....عندما أصدرت مجلة( الأهلي) أول مجلة رياضية تصدر عن ناد رياضي عام4791 كانت وزارة الاعلام التي كان وزيرها الدكتور أحمد كمال أبو المجد وكان جاري وكنا نذاكر معا.. كانت الوزارة تتحمل أكثر من نصف تكاليف ثمن ورق الصحف وكان هذا مقصورا علي الصحف والمجلات القومية.. فذهبت إليه أطلب منه أن( يمنحنا من الحب جانبا)!!! فقال لي أبو المجد إن هذا مستحيل ومن باب التأكيد أرسل في طلب حسين عنان رئيس اتحاد الاذاعة والتليفزيون المتولي شئون دعم ورق الصحف.. ولما عرف مدي العلاقة والصداقة التي تربطني بالدكتور أبو المجد طلب تليفونيا الصديق لويس جريس عضو مجلس الادارة المنتدب لمؤسسة روزاليوسف حيث تطبع المجلة وأخبره بأن حصة الورق المخصصة للمؤسسة ستزيد بقدر الأعداد التي تطبعونها لمجلة( الأهلي).. وقد كان.. فزادت أرباح المجلة إلي ما يقرب من الضعف.
نعود إلي انفراد محمود أبو الفتح بملكية أول جريدة مصرية.. فلم يجعلها جريدة حزبية بالمعني الضيق, فهي وفدية التوجه دون التزام صارم.. بدليل معارضتها للوفد إذا ما انحرف عن حرية الرأي والديمقراطية.. وحكاية مشروع استفان باسيلي معروفة.
.. مشروع عدم نشر أخبار السراي الذي قتلته جريدة( المصري) التي احتضنت كتابا من مختلف الاتجاهات والمدارس والأجيال معبرة بذلك عن التوجه الليبرالي الأصلي.. من هؤلاء علي سبيل المثال عبد الرحمن الشرقاوي, يوسف ادريس, عبد الرحمن الخميسي, محمود عبد المنعم مراد, لطفي الخولي, عبد العظيم أنيس, سعد مكاوي, حسن فؤاد, محمود بيرم التونسي, زكريا الحجاوي, ريشة رخا مثلا.. مثلا..
وبجانب ذلك كان أبو الفتح معنيا بالشكل الصحفي الجذاب, وأسلوب التحرير العصري.
لذا كتب أبو الفتح في افتتاحية العدد الأول بعد الاستقلال بالجريدة.. ما يلي:
ـ هذا هو عصر الاختزال والسرعة والوصول إلي الهدف من أقصر طريق.. عصر الأخبار ثم الأخبار ثم الأخبار ودائما الأخبار.. فلن تجدوا في المصري صفحة كاملة عن أيهما أفضل:البحتري أم أبو تمام؟؟ كلاهما عندنا رجل فاضل نرضي أن نقرأ علي روحه الفاتحة.. ولكننا لن نقرأ له سبعة أعمدة!!!
كانت الصحف والمجلات تهتم بالشعر والأدب والمطولات... إلي أن جاءت جريدة المصري لتفتح اسلوبا جديدا في الصحافة اليومية.. الأخبار في المقدمة ثم الرأي والرأي الآخر بأقلام المفكرين والسياسيين بأسلوب سهل بسيط..
ولا تحتاج وطنية جريدة المصري وصاحبها إلي دليل أو برهان ومراجعة أعداد الجريدة في السنوات السابقة لثورة يوليو تدل علي نضج سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي..
مثلا تشير ملفات وزارة الخارجية البريطانية بين عامي1945 و1952 إلي مقال كتبه محمود أبو الفتح في المصري يوم16 يوليو1949 تحت عنوان( يا زعماء مصر اقرأوا الكتابة علي الحائط).. يحذر من مؤامرة بريطانية ضد مصر لأن عبد الاله الوصي علي عرش العراق والملك عبد الله ملك الأردن وأمير ليبيا مجتمعون في لندن من أجل ايقاف الحركة الوطنية المتفجرة في مصر الآن.
وكانت جريدة( المصري) قد قامت في هذه الأثناء بحملة للافراج عن المعتقلين السياسيين وأغلبهم من الشيوعيين والآخرون من الاخوان المسلمين والوفديين.
رفعت جريدة( المصري) شعار( الجريمة السياسية في نظر كل السلطات في كل العالم ليست إلا رأيا وطنيا قد يكون مصحوبا بشيء من التطرف والمغالاة ولكنه ليس قط خيانة للوطن بل من أجل الوطن.
لقد كانت جريدة( المصري) بكل المقاييس هي التي مهدت لثورة يوليو.. خاصة خلال انتخابات نادي ضباط الجيش وانجاح محمد نجيب أمام حسين سري عامر رجل القصر.. ثم كانت الضربة الكبري حينما أنقذ أحمد أبو الفتح رقاب كل الضباط الأحرار ليلة23 يوليو حينما أخطر شقيق زوجة ثروت عكاشة بأن نجيب الهلالي يؤلف الوزارة حاليا ووزير الحربية حسين سري عامر الذي يعرف الضباط الأحرار جيدا وأولي مهامه هي تصفية هذه الحركة التي بدأت في الجيش.. فقامت الثورة عقب هذه المكالمة التليفونية مباشرة.
>>>
إذن.. لماذا صادرت الثورة جريدة المصري وكل ممتلكات محمود أبو الفتح وأسرته... حتي منزل والده في5 شارع أحمد حشمت بالزمالك وكانت من أجمل الفيلات في مصر وأصبحت مدرسة اعدادية!!
بهذه المناسبة.. كان صلاح سالم يقطن في91 شارع أحمد حشمت وكنا أحيانا نجتمع علي الغداء في ضيافة صلاح سالم.. وكان كامل الشناوي ـ رحمه الله ـ حريصا علي أن يوقف السيارة أمام فيلا أبو الفتح ليقول لنا: شاهدوا عبقرية التخريب!!!
أعود لماذا تمت المحاكمة والمصادرة؟؟.. فأقول إن أعداد( المصري) ترد علي ذلك.. فخلال( أزمة مارس1954) بين محمد نجيب وخالد محيي الدين ويوسف صديق مع باقي أعضاء الثورة.. هل تستمر الثورة في حكم البلاد بلا دستور ولا قانون ولا برلمان.. أم يعود الجيش إلي ثكناته ويترك الحكم لرجاله؟كانت جريدة( المصري) في جانب الشعب والديمقراطية.. وحاول أحمد أبو الفتح واحسان عبد القدوس وحفني باشا محمود اقناع جمال عبد الناصر بحل وسط وهو أن يتحول مجلس الثورة إلي حزب ديمقراطي حر... وسيكتسح اي انتخابات خاصة شعبية محمد نجيب التي ظهرت خلال جولاته في الأرياف..
ولكن جمال عبد الناصر وباقي الضباط كانوا يريدون الانفراد بالثورة وبالبلد وبخيراتها كلها.. بعيدا عن محمد نجيب صاحب الشعبية الجارفة الذي تم تحديد اقامته في فيلا زينب الوكيل زوجة النحاس باشا في المرج.. وسافر خالد محيي الدين إلي الخارج ولم يبق سوي يوسف صديق فاعتقلوه!!! وهو الذي كان سبب نجاح الثورة حينما اقتحم القيادة واعتقل حسين فريد رئيس هيئة أركان الجيش..
وتمت محاكمة محمود أبو الفتح وحسين أبو الفتح أمام محكمة الثورة المكونة من عبد اللطيف البغدادي رئيسا وأنور السادات وحسن إبراهيم أعضاء.. وصدر الحكم بالسجن عشر سنوات لمحمود أبو الفتح وسنة مع ايقاف التنفيذ لحسين أبو الفتح.. ومات محمود أبو الفتح في المنفي في نفس يوم مولده الخامس عشر من أغسطس..1958وهو من مواليد5 أغسطس1893عن خمسة وستين عاما.. رفض عبد الناصر أن يدفن في مصر خشية أي مردود شعبي خلال الجنازة والسرادق.. فقرر الحبيب بورقيبة دفنه في تونس في مقبرة بنيت خصيصا له في موكب جنائزي رهيب تقدمه أبو رقيبة وكل الوزراء والمسئولين بتونس وبعض الدول العربية.. الغريب أن ثلاثة أيضا ماتوا في نفس يوم مولدهم.. وهم سعد زغلول ومصطفي النحاس وفؤاد سراج الدين.
حسن الخاتمة...
تمر الأيام.. ويتولي أنور السادات الرئاسة.. فيقيم أول وآخر عيد للصحافة.. ويقلد كل كبار الصحفيين أوسمة الدولة ومعظمهم كان ضد عبد الناصر ومراكز القوي.. ومنح اسم محمود أبو الفتح وحده أعلي وسام في الدولة( وسام النيل) الذي ناله من حصل علي جائزة نوبل وأخيرا المشير طنطاوي....

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق