السبت 20 من شعبان 1434 هــ 29 يونيو 2013 السنة 137 العدد 46226

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

الشيخ شلتوت‏..‏
إمام التوفيق والتقريب

ولا كل من لبس العمامة يزينها‏,‏ ولا كل من ركب الحصان خيال‏..‏ لقد زان شلتوت العمامة والإمامة‏,‏

وكان آخر فرسان الأئمة المجددين العظام انطلاقا من الفكر النبوي الذي جعل التجديد سنة اللـه وقانونا من قوانين الفكر الإسلامي: يبعث اللـه لهذه الأمة كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها.. الشيخ الإمام الأكبر محمود شلتوت البوصلة والجوهر والمرجع والأستاذ القاطع بالرأي الذي لا يخاف في الحق لومة لائم.. المفتي بالحق.. الشجاع بالعلم.. الداعي بسلامة المنطق.. القادر بقوة الإقناع.. المنصت للرأي الآخر..المنطلق بفكره من قيود التقاليد.. المنادي بالتجديد الانقلابي في الأزهر الشريف.. من كان يرحب بالذهاب إلي القمر ليري بعينه أثرا من آثار القدرة الباهرة للـه الفعال لما يريد.. من أطلق عليه العقاد لقب إمام التوفيق والتقريب.. من فرق في مقالة بعنوان شخصيات الرسول بين الرسول كرسول معصوم يوحي إليه, والرسول كبشر يعتريه ما يعتري أي بشر من عوارض, وهاجمه علماء الأزهر لكنه لم يلتفت لمثل هذه الأمور.. الذي نفي الكفر عمن يعتقد أن عيسي عليه السلام قد توفي, واستشهد بالآيات القرآنية ومنها فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم صدق اللـه العظيم.
شلتوت الإمام الأكبر الذي كان صدره الرحب لا يضيق بالسؤال وإن جاوز السؤال حدود السؤال.. من تبني الأزهر الشريف في عهده احتضانه لكل المذاهب الإسلامية الموثقة المصادر, وأصدر الموسوعة الفقهية باعتماد المذاهب الفقهية الإسلامية الثمانية: الحنفي, والشافعي, والمالكي, والحنبلي, والجعفري, والزيدي, والإباضي, والظاهري مما جعل الأزهر متفردا بين كل الجامعات الإسلامية, فاتحا الباب أمام إسلام واحد بلا مذاهب.
الإمام الأكبر.. ابن منية منصور مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة الذي ولد في التاسعة والدقيقة العشرين من مساء22 أبريل1891 ليشق طريق التلمذة حتي الأستذة في مدرسة الإحياء والتجديد للإمام محمد عبده, كان يقطن بالشقة رقم7 بالدور الثالث من العمارة رقم12 شارع إسماعيل الفلكي بحي الظاهر قبل انتقاله عام1958 إلي منزله بمصر الجديدة وذلك بعد إنجابه أربعة أنجال: إيهاب الضابط والمهندس سعيد وخبير البترول أحمد وجلال موجه العلوم بالأزهر ومن البنات أربعا نزيهة وحكمت وفوزية وفكرية.. ذريته التي أنجبت ما شاء اللـه أربعين حفيدا والتي تروي إحدي حفيداته من ذكرياتها عنه أنه في الحرب العالمية عام1942 كانت كلما دوت صفارة الإنذار وبدأت المدافع المضادة للطائرات ترسل هديرها, يهرع الجميع إلي المخبأ, يلتمس طريقه في الظلام, وكان الشيخ يأخذ في بث الشجاعة في نفوس الأطفال الذين يستولي عليهم الجزع قائلا للصغير: أتبكي ليضحك منك الناس؟ وهل يبكي الرجال؟ أنسيت أنك رجل صغير؟ فيكف الطفل عن البكاء, ويسأل أباه: وهل الرجل الصغير لا يبكي؟ فيقول له: كـلا, وإلا فإنه لا يكبر, بل يظل طوال حياته رجلا صغيرا.. فإذا فرغ من تسكين روع صغاره استدار إلي الكبار ممن يضمهم المخبأ, ومضي يشغلهم بالحديث عن متابعة قصف المدافع ودوي القنابل, ويؤكد لهم أن الألمان لا يبغون شرا بالشعب المصري الآمن, وأنهم لا يلقون القنابل جزافا, بل يحددون أهدافهم بدقة! ويحدث يوما ـ بينما كان يؤكد لمن أطار الرعب صوابهم من السيدات والرجال, مدي دقة الطيارين الألمان في إصابة أهدافهم ــ أن سقطت قنبلة ضخمة علي مسافة تبعد عن المخبأ بضع عشرات من الأمتار, فإذا بالمخبأ ينشال وينحط, لتصيح إحدي السيدات مولولة باكية لتقول له: ها هم الألمان يا سيدنا يلقون القنابل جزافا.. فقال لها ضاحكا: لا تصدقي! لابد أن يكون هذا الطيار طيار إيطالي خايب!.. وتنتهي الحرب العالمية, وتأتي بعدها بسنوات حرب فلسطين, وتدوي صفارات الإنذار من جديد, ويسارع سكان المنزل جميعا إلي المخبأ ماعدا الشيخ شلتوت رغم أنه يقطن في الطابق الأخير, والطوابق الأخيرة معرضة لخطر الغارات أكثر من سواها, ويسألونه لماذا لا يلجأ إلي المخبأ فقال: لأنه من المخجل أن ترغمنا دولة من الأفاقين, كدولة إسرائيل علي دخول المخابئ, ده عيب قوي!.. ولم يطل الأمر بسكان المنزل حتي اعتنقوا هذه النظرية, فلم يعد أحد يهتم باللجوء إلي المخبأ!
الشيخ شلتوت من تميز بشجاعته الأدبية في مواجهة الأحداث, وحرية الرأي فيما يبدي من آراء, ومن هنا وضع اسمه في قائمة السراي السوداء خلال حكم الملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق, ولم يحفل بما ناله من اضطهاد السراي ومن محاربتها له حربا لا هوادة فيها بلغت موارد الرزق, فاستقال من وظيفته واشتغل بالمحاماة مع الشيخ علي عبدالرازق الذي كان قد فصل من القضاء الشرعي بسبب كتابه الإسلام وأصول الحكم, وكان يضطلع بالقضايا الشرعية الكبري المعقدة.. وحدث أن زاره تاجر كبير كان عضوا في هيئة سياسية بارزة كان من بين نوابها, ويتمتع بنفوذ كبير في الدوائر والأوساط الرسمية, وقد جاء لشلتوت يستطلع الرأي فيما أسماه فتوي دينية قائلا: إنني أشتري كل أسبوع مائتي نسخة من القرآن الكريم أحملها علي صدري وأذهب بها إلي الجامع.. وأظل واقفا بها حتي يخرج المصلون, فأوزعها عليهم, أليس في تكبد مشقة حمل هذا العدد الكبير من النسخ ما يجعلني أظفر بالثواب في الآخرة والمغفرة عن ذنوبي؟ فقال فضيلته: لا شك في أن توزيع كتاب اللـه الكريم علي الناس مجانا, عمل ينطوي علي الخير ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. فقال التاجر النائب: وحمل نسخ الكتاب, هذه الشيلة الثقيلة, أليس لها ثوابها؟ ألا تجازي بالعفو عن كل الذنوب؟! وحاول فضيلة الشيخ إقناعه بالحسني أن حمل النسخ في حد ذاته يعتبر أمرا ثانويا, ولكن التاجر أبي أن يفهم, وراح يناقش في لهجة متعالية لم تعجب فضيلته فقال له: اصغ إلي. لو أنك حملت حمارا آلافا من النسخ, ليذهب بها من مكان إلي آخر, فهل يكون للحمار أي فضل في هذه الحمولة؟ فأجاب الرجل: كـلا! فقال فضيلته ضاحكا: اتفقنا إذن, أهي دي زي دي! وانصرف التاجر غاضبا وهو يقسم أن يذهب لرئيس الحكومة ليشكوه إليه.
كان فضيلته يثور علي أصحاب سرادقات المآتم الذين يضعون الميكروفونات المتعددة لتجسيم صوت المقرئ بكيفية تثير أعصاب الأهالي, وتحرم المريض من السكون, والمتعب من الراحة, والطالب من استذكار دروسه.. ولما قيل له: لماذا لا تكتب مقالا تهاجم فيه هذه العادات المزعجة؟ قال: نحن الآن في عهد ملك طاغية, وحكومة مستبدة, فلو ظهر مثل هذا المقال فسوف تخرج صحف الحزب الحاكم لتقول إن الشيخ شلتوت يمنع تلاوة القرآن! ولا يبعد أن يصدق الناس ذلك, وقد أوصانا الرسول عليه السلام بأن نداري سفهاءنا, لا أن نقاتلهم!.... ثم عاود الشيخ القول: إني لأرثي للأموات أكثر من رثائي للأحياء, فما أحسب أحدا من الذين تزعجهم هذه الميكروفونات, يقابل هذا الإزعاج بالترحم علي المرحوم!.. وعندما خرج أذناب فاروق علي الناس بتقليعة نسبه الشريف المزعوم, عن طريق أمه نازلي, التي ثبت فيما بعد أنها من سلالة فرنسية لجدها لوالدتها, قيل للشيخ شلتوت: كيف يسكت السادة العلماء وكبار علماء الدين عن هذه الكذبة الضخمة؟ فقال: إن للدين ربا يحميه من الإفك والأفاكين, وقد رأينا في التاريخ حكاما ادعوا الألوهية, فذهبت ريحهم, ولن يبعد علي فاروق أن يدعي الألوهية إذا طال به العهد, ولن يطول عهد رجل يفتري علي اللـه كذبا..... ولم يطل العهد بفاروق بعدها وكأنما كان فضيلته يقرأ سطور الغيب!
كان الشيخ محمود شلتوت في بيته أبا مثاليا عصريا يتخذ من أبنائه أخوة له ويحرص علي تعليم البنات بشعار لا زواج قبل الحصول علي الشهادة, وظل حتي النهاية يعطي الكبير قبل الصغير العيدية ومعها كيس بمب وينفخ البالونات للأحفاد.. وتقول الابنة الصغري فوزية بأن والدتها الهانم كانت تقوم علي خدمة الزوج خدمة روحية فتسأله عما حدث له في يومه وتطمئن علي أحواله فيجيبها بحب وبساطة بالغين, وهو بدوره يستشيرها في كل شيء: ولم نسمعه يوما يتحدث عن امرأة سواها بل كان قوله الدائم لها( كل نساء الدنيا عندي هنا في بيتي مجتمعات في واحدة هي أنت).. وكانت هناك زائرات كثيرات من أوروبا وإفريقيا البعض منهن أتي ليشهر إسلامه علي يد الوالد, والبعض للتعرف عليه, ودائما الوالدة حريصة علي حضور مثل تلك اللقاءات.. وكنا نستمع معه إلي الغناء والموسيقي ونشاهد التليفزيون, ولازلت أتذكر ذلك الموقف عندما دخل والدي المنزل وكان عبدالوهاب يغني في الراديو أغنيته التي يقول فيها: أنا هيمان ويا طول هيامي, فأنصت والدي من بعيد قليلا ثم قال غاضبا: كيف يغني عبدالوهاب مثل هذا الكـلام. هل يعقل أن يغني أنا طلياني وأبويا ألماني اطلبوه لي فورا.. فضحكت وقلت له: انتظر يا بابا حضرتك سمعتها غلط, فهو يغني أنا هيمان ويا طول هيامي, فضحك ضحكته الجميلة وهو يقول: كيف وصلت إلي أذني هكذا؟!.. وكان والدي الشيخ يستمع إلي أم كلثوم وعبدالحليم وغيرهما من المطربين والمطربات دون أدني حرج.
لقد كانت فتوي الإمام الأكبر الشيخ شلتوت مفاجأة مفرحة للمسلمين في مصر والعالم عندما أفتي ليس بإتاحة الغناء والموسيقي بكل ألوانها فقط, ولكن بالدعوة إلي تعلمها ومعرفة أصولها, فالغناء والموسيقي: الأصل فيهما الحل, والحرمة عارضة, وحب اللذة غريزة فطرية في الإنسان, والشرع ينظمها دون قمع ولا إفراط, وجميع ما قيل بشأن التحريم ضعيف, أو يتحدث عن توظيف الغناء والعزف في المحرمات, وأضاف الشيخ شلتوت أنه قد نقل عن النبي صلي اللـه عليه وسلم, ثم كثير من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء أنهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة من المجون والمحرمات, وكان الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر في القرن الثالث عشر الهجري ذا ولع شديد بالسماع, وعلي معرفة بأصوله, ومن كلماته في بعض مؤلفاته: من لم يتأثر برقيق الأشعار, تتلي بلسان الأوتار, علي شطوط الأنهار, في ظلال الأشجار, فذلك جلف الطباع حمار!
كان الكاتب الساخر وليم باسيلي الجار المقابل لشقة الشيخ شلتوت في عمارة الظاهر, حيث تحولت العشرة الطويلة الطيبة بينهما إلي صداقة متينة.. كانا يجلسان في الشرفة معا لتبادل أطراف الحديث علي بخار الشاي ودخان السجائر ليجرهما الحديث إلي ذكر الطلاق ومآسيه فيقول الشيخ: واللـه ما من شيء يحز في نفسي وينقبض له قلبي مثل وقوع الطلاق.. إنه بيت يخرب, وأسرة تتفكك, وأطفال تتشرد, وبناء قائم يستحيل إلي كومة رماد.. ومن هنا جاءت فتواه بأن الإسلام ليس ذا شغف في التفريق بين الرجل وزوجه, والطلاق بالثلاث لا يقع إلا واحدة رجعية, ويرد الرجل زوجه إليه بكلمة الرجعة أو بالمخالطة الخاصة, والحلف بالطلاق كعلي الطلاق لا يقع به طلاق أصلا.. والطلاق علي فعل شيء أو تركه لا يقع به أيضا متي كان القصد منه التهديد والتخويف ولم يقصد الطلاق...
وكانت يد الإمام الأكبر الشيخ شلتوت تصافح المرأة التي رفع القران من شأنها.. ودائما كان بيته مفتوحا لكل قاصد لا يرد أحدا, ويوم أن جاءته فتاة غرر بها شاب وتزوجها عرفيا دون إثبات, وضاعف من حرج موقفها أنها رزقت منه بطفل عجزت عن إثبات نسبه إلي أبيه الذي تنكر لها ولطفله. تبني فضيلته قضيتها فأرسل في طلب الشاب, وأخذ يبين له عواقب فعلته المنكرة, ومازال به حتي بكي الشاب بين يديه نادما, فأرسل فضيلته في طلب المأذون حيث عقد زواجهما في منزله, ودفع فضيلته مهرها من جيبه, مضافا إليه رسوم وأتعاب المأذون, ودعا الحاضرين علي شرب الشربات احتفالا بالزواج واستكتب الشاب اعترافا ببنوة الطفل, وشيعهما تجاه الباب بعد أن نفح كلا منهما مبلغا من النقود.. ويروي وليم باسيلي الكثير عن خفة ظل جاره الشيخ شلتوت الذي كان يصعد يوميا ثلاثا وتسعين من درجات السلم ليصل إلي مسكنه, وفي السنين الأخيرة قبل انتقاله لمصر الجديدة لم يكن يقوي علي صعود السلم دون أن يقف بين كل طابق وآخر ليسترد أنفاسه.. وكان الحال من بعضه بالنسبة لجاره ــ الذي كان يطلق علي نفسه اسم المجاور أسوة بطلبة الأزهر ــ إذ لم يعد الآخر يقوي علي ارتقاء السلم دفعة واحدة كما كان أيام زمان, ويحدث كثيرا أن يلتقيا في هذه المحطات فيقفا لتبادل الحديث بأنفاس مبهورة.. وكأنما كانت وقفتنا للحديث لا للاستراحة, ولكنه فيما يبدو لم يصبر طويلا علي هذا النفاق الذاتي فقال لي ضاحكا: قل لي يا وليم ياخويا.. نكونشي عجزنا واحنا مش واخدين بالنا؟!.. فأبدي له اعتراضي البالغ واحتجاجي علي رأيه المبالغ فيه فيسرع لطمأنتي ضاحكا: لك حق.. احنا دلوقتي في قمة الشباب لكن يظهر أن السلم هو اللي طول!!.. وينتقل الشيخ شلتوت بعدها إلي منزله بمصر الجديدة ليجلس ساعة العصاري في البلكونة مرتديا جلبابه الأبيض والطاقية البيضاء وأمامه براد الشاي الكبير تحيطه عدة أكواب.. يرشف قدرا ثم يدعو كل من يمشي أمام البلكونة: اتفضل شاي.. حتي باعة الخضار والجرائد كانوا يتوقفون تلبية لدعوته بعد أن يصب لهم الشاي بيده ليمضي معهم وقتا في الدردشة منصتا لحديثهم الساذج البسيط بانتباه تام.. وعندما استرعي انتباهه ارتباك راهبات المدرسة المقابلة لسكنه الجديد وترددهن في الحديث معه بادر بزيارة المدرسة لينشئ جسر الحوار والجوار الذي شيده راسخا ليغدو سكة للراهبات يسألنه في بيته عن أمور الدين, ولم تزل صورة الشيخ الجليل معلقة في إطارها داخل المدرسة إلي جوار صور القساوسة والرهبان رمزا لسماحة الإسلام وروحه الودود..
إمام التطوير الذي أصبحت مشيخة الأزهر في عهده تتجه إليها الوفود شرقية وغربية وعربية ومسلمة وغير مسلمة.. الذي سافر إلي الشرق الأقصي وزار الصين والفلبين واندونيسيا والملايو ونال الدكتوراه الفخرية من جامعات شيلي بأمريكا اللاتينية والجامعة الإسلامية بأندونيسيا, وجامعة سومطرة الشمالية, والجامعة الإسلامية بالفلبين, كما منح وسام الشرف من الملك محمد الخامس ملك المغرب وملك أفغانستان محمد طاهر شاه, ولقب مواطن فخري من أحمد أهيد جو رئيس جمهورية الكاميرون, وزاره في بيته هيلا سيلاسي إمبراطور الحبشة, ورئيس العراق عبدالسلام عارف, ورئيس اليمن عبداللـه السلال و... الذي نال شهادة العالمية عام1918, وفي عام1927 انتقل للأزهر مدرسا ليعز عليه أن يجد الجامع الشريف متهاويا ضعيفا فنهض له ثائرا ناقدا نظامه داعيا لإصلاحه فتم فصله عام1931 ليعود إليه في منصب الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر في13 أكتوبر1958 بعد مسيرة عمل وريادة عين فيها عضوا في لجنة الفتوي, وأصغر أعضاء جماعة كبار العلماء عام1941, وعضوا في مجمع اللغة العربية عام1946 ضمن عشرة أعضاء أطلق عليهم الأستاذ أحمد أمين العشرة الطيبة.. وبتوليه المشيخة قام برعاية قانون تطوير الأزهر الذي يجعل من جامعته بكلياتها الشرعية والمدنية المنبع الذي يلبي احتياجات المسلمين في علوم الدنيا والدين.. ولكن الدولة لم تكن تثق بنوايا شيوخ الأزهر تجاه توجهها الاشتراكي, فأصدرت قانونا أرادت به لمنصب شيخ الأزهر أن يكون دينيا فقط ولا علاقة له بالسلطة فيخوض شيخنا معركة صامتة تحلي فيها بالصبر ضد العدوان علي الأزهر, ويكتب بقمة الشجاعة والشموخ والكرامة المذكرات الشاملة الشارحة إلي عبدالناصر رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه علي صبري والتي ألحقها باستقالته من المشيخة في6 أغسطس..1963 الاستقالة التي ذيلها بأنه لن يقبل علي دينه وكرامته السكوت علي تضييع أمانة الأزهر مطالبا بإعفائه منها: وليس أمامي إلا أن أضع استقالتي من مشيخة الأزهر بين أيديكم بعد أن حيل بيني وبين القيام بأمانتها.. والسلام عليكم ورحمة اللـه وبركاته.... ويسقط الشيخ صريع الشلل في نصفه الأيسر, وعندما يشعر ضباط الثورة بالحرج أمام الزائرين الأجانب الذين يلحون في طلب زيارته أشاعوا أنه اعتزل الحضور للأزهر بسبب مرضه, فما كان من الشيخ الثائر إلا إعلان سفره إلي قطاع غزة بالسيارة الجيب التي يتركها ليسير علي قدميه ليتفقد أحوال أهلها.. ولا تمضي شهور أربعة بعد الاستقالة حتي يدخل شلتوت مستشفي الجمعية الخيرية لإجراء إحدي الجراحات.. وتنجح العملية.. ولم يكن الشيخ مرحا في يوم من الأيام أكثر منه في يومه الأخير بعد الإفاقة من البنج فقد ظل يداعب أحفاده, وقبل أن تصعد روحه إلي بارئها بدقائق كان حديثه إلي زواره عن الإسراء والمعراج.. ثم توقف فجأة.. أزمة قلبية طارئة.. حاول الأطباء إنقاذه بأنابيب الأكسجين, لكن الروح كانت قد فاضت لبارئها.. الروح التي قال عنها شلتوت إنه لم يرد في الدين نص صريح يشرح حقيقتها ويحدد وجودها لكنها كغيرها من حقائق الكون تركت للبحث البشري يبحث عنها فيصيب أو يخطئ..
اليوم.. واليوم بالذات يحضرني الإمام الأكبر.. المناضل عن أفكاره نضال العالم الفقيه الشجاع الذي لم يقل رأيا علي وجل, أو يلف بفكره علي استحياء, وإنما جاهر وقابل كل من واجهه بالرأي والحجة الدامغة.. المشارك بحميته الوطنية في ثورة19 بالثغر, وكانت الإسكندرية وقتئذ موطن اعتقال القاهريين كما كانت القاهرة موطن اعتقال أبناء الأقاليم, فأخذ الشيخ الشاب يجمع التبرعات لأسر المعتقلين ويتلمس أنباءهم وراء القضبان لطمأنة الزوجات والأبناء.. الممثل عن الأزهر الشريف في مؤتمر لاهاي العالمي عام1937 المنعقد بهولندا لدراسة القانون الدولي المقارن ـ الذي جمع أساطين الفقهاء والأصوليين في الشرق والغرب ـ حيث تحدث فيه بأن الشريعة الإسلامية لم تقيد الفقهاء, بعد أصولها الكلية, بخطة معينة في البحث, وإنما فوضت لهم الرأي والاعتماد علي ما يقدرون من مصالح وحقوق وواجبات في العصور المختلفة والبلدان المتباينة, وكان من نتيجة حديثه المقنع إجماع الأعضاء علي اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا هاما من مصادر التشريع الحديث, وأن تكون اللغة العربية إحدي لغات المؤتمر... شلتوت.. المفتي الذي وقف بعلمه فوق جبل المعارف يراقب موج الأجيال قرنا بعد قرن فيعلم أن لكل زمان عرفه المتعاهد, ومصالحه المرعية, وذرائعه التي يجب أن تسد, وإذ ذاك يصدر فتواه وقد عاش معها مصبحا ممسيا, حتي إذا تمكنت من نفسه, ونزعت كل خالجة من خوالج شكه نطق بها صريحة رنانة لتثير أقلاما وتؤجج أفكارا وتحرك المياه الراكدة.
محمود شلتوت شيخ الأزهر أحد أفرع شجرة الإحياء والاعتدال الإسلامي التي رواها فيلسوف الإسلام وموقظ الشرق جمال الدين الأفغاني, ووضع مشروعها التجديدي الإمام محمد عبده, وأضاءت بثمار الفكر المجدد لمحمد رشيد رضا ومحمد مصطفي المراغي ومصطفي عبدالرازق.. إمام التوفيق والتقريب من تبني الدعوة إلي الحوار بين كل المذاهب لأننا في عصر الحوار, وأنه إذا ما كانت الحوارات قائمة بين الأديان في أنحاء مختلفة من العالم فكيف لا يكون هناك حوار بين أبناء الدين الواحد.. ومع افتراض أن بعض الاختلافات هنا لا يمكن تجاوزها, أو التغاضي عنها, أو القضاء عليها, فهذا أيضا لا يغلق للحوار بابا, والاختلافات بين اتباع الدين الواحد ليست مقصورة علي المسلمين وحدهم, فنحن نشهد الخلافات الجذرية بين الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذوكس, وهم جميعا أتباع دين واحد وبينهم حوار ويضمهم كيان واحد هو مجلس الكنائس العالمي, ومجلس كنائس الشرق الأوسط.
نعم يا شيخنا الجليل.. حوار وليس جفاء.. حوار وليس تهديدا وترهيبا وإنذارا ووعيدا.. حوار وليس قتلا وحرقا وشنقا وسلخا وسحلا.. ومولوتوف.. حوار وليس تمثيلا بجثث القتلي وشحن الذبائح علي أرضية لوري علي مرأي ومسمع من الأطفال المروعين وسط المدينة وسط النهار.. لقد ضاع يا مولانا الحوار.. كل الحوار.. لقد استمرت مشاهد الجريمة تتري ويتصاعد أوارها علي مدي ثماني ساعات.. لقد فتحت الهاوية العميقة التي ستنحدر إليها البلاد فوهتها في قرية أبوالنمرس بمحافظة الجيزة مع توقيت النصف من شعبان.. يوم الاحتفال الديني الذي يرتفع بدعاء السلام ذبح فيه السلام.. ولقد كان المشهد الأخير, وليس الآخر, بعدما خمدت ألسنة حريق الفتنة, مصحف احترقت أوراقه, إلا أن النيران المعتدية قد تراجعت عن أن تنال صفحة سورة المؤمنون بآيتها الكريمة: وإن هذه أمتكم أمة واحدة.. استغفر اللـه..


لمزيد من مقالات سناء البيسى

رابط دائم: