الخميس 29 من جمادي الآخرة 1434 هــ 9 مايو 2013 السنة 137 العدد 46175
ممدوح الولي
عبد الناصر سلامة
صورة قديمة
وجدت ضمن أوراقي القديمة صورة بالية مكتوبا علي ظهرها ما يشير

 إلي أنها التقطت الخميس24 ديسمبر1953 بمدرسة روض الفرج الثانوية. يتوسط الصورة الأستاذ جريس الذي كان يدرسنا اللغة الإنجليزية. كنت أقف إلي يمين الأستاذ مرتديا بذلة كاملة ورابطة عنق مقلمة, وإلي يسار الأستاذ يقف زميل فارع الطول يرتدي بنطلونا وقميصا مفتوحا وبلوفر داكنا.
حصلت وزميلي علي الثانوية العامة ثم تفرقت بنا السبل حيث اتجهت إلي كلية الآداب جامعة عين شمس ومضي بي الطريق لأتخرج عام1958 متخصصا في علم النفس مهتما بالسياسة منضويا تحت راية اليسار المصري لأخوض تجربة الاعتقال والتعذيب متنقلا بين معتقلات القلعة فالأوردي فالواحات فالفيوم فالحربي.
ومضي زميلي في طريق آخر, فالتحق بكلية الشرطة, ومع الأيام خفتت بالتدريج صورة زميلي القديم الذي التحق بجهاز أمن الدولة وبالتحديد بشعبة مكافحة الشيوعية.
ومضت السنوات لأتدرج في السلك الأكاديمي, ويتدرج زميلي القديم في مناصب جهاز أمن الدولة إلي أن أصبح لواء ثم أنهي خدمته في وزارة الداخلية.
عدت إلي الصورة البالية لأتأملها من جديد: تري ماذا لو كنا قد تبادلنا المصائر؟ ماذا لو دفعت الأيام بكل منا ليشغل مكان زميل دراسته؟ ألم يكن ذلك الاحتمال ممكنا؟
وصحوت من تلك الخواطر لأستعيد المشهد المتكرر: صفوف من جنود وضباط الأمن المركزي في مواجهة المتظاهرين المحتجين وتنهال الحجارة وقنابل الغاز ويبدأ الكر والفر كما تطلق عليه أجهزة الإعلام. ولاحظت أن الجميع ينتمون لفئة الشباب, وأنه منذ سنوات قلائل كان منهم من ينهي دراسته الثانوية ومن أنهي تعليمه المتوسط ومن ترك الدراسة مبكرا إلي سوق العمل. ولعل مقاعد الدراسة آنذاك قد شهدت ما يشبه قصتي مع زميلي. إنهم زملاء قدامي كانوا منذ سنوات أقرب إلي التشابه, وهاهم الآن يتبادلون العنف. ماذا حدث؟
تركت المشهد وعدت إلي أوراقي ومذكراتي الأكاديمية لأتذكر عالم النفس الاجتماعي الشهير ستانلي ميللجرامStanlyMilligram الذي التقيت به شخصيا في جامعة نيويورك سيتيCityUniversityofNewYork(CUNY) عام1983 قبيل وفاته في العام التالي, وتحادثنا حديثا عابرا حول تجاربه الشهيرة وكيف استوقفته بشاعة التعذيب الذي كان يمارسه الجلادون في المعسكرات النازية الشهيرة, ودفعته إلي التساؤل: تري كيف يمكن أن يطيع الإنسان أوامر تصدر إليه متعارضة مع جميع القيم الإنسانية؟ وحاول ميللجرام اختبار الأمر تجريبيا, من خلال سلسلة التجارب المعملية الشهيرة التي عرفت في تاريخ علم النفس الاجتماعي باسم تجارب الطاعة التي أسفرت عن أن ثمة ما أطلق عليه ميللجرام طاعة خبيثة تسري في أوصال المجتمعات الحديثة التي تدرب أبناءها علي النظر إلي أنفسهم باعتبارهم مجرد ممثلين أو تابعين لآخرين أو لمؤسسة أو حتي لقوة معنوية غير منظورة, ومن ثم فإنهم لا يتحملون أي مسئولية عن أفعالهم بل يتحملها من يصدر لهم الأوامر; وحتي أولئك الذين يصدرون الأوامر المباشرة قد يصدرون تلك الأوامر في ظل تلك الحالة نفسها بمعني أنهم إنما يحرصون علي إرضاء من أصدر لهم الأوامر, فيحيلون المسئولية إلي المستوي الأعلي وهكذا.
وفي نفس السياق أجري عالم النفس الاجتماعي فيليب زيمباردوPhilipZimbardo عام1973 تجربة شهيرة عرفت باسم تجربة سجن ستانفورد, وفسر نتائجها في ضوء ما يعرف بنظرية الأدوار بمعني أن الأدوار التي يسندها المجتمع للأفراد هي التي تشكل أداء أولئك الأفراد.
كذلك فقد توصل المحلل النفسي الشهير إيريك فروم إلي أن المجتمع في مرحلة معينة من مراحل تطوره السياسي الاجتماعي الاقتصادي يشكل أبناءه وينشئهم علي النفور من الحرية, بحيث يضيقون بحريتهم أشد الضيق, ويسعون ما وسعهم الجهد لاكتشاف من يتيح لهم التخلص من أغلالها, فيسارعون إلي الالتفاف حوله والسير وراءه والانصياع لتوجيهاته دون تفكير أو تردد.
وعدت من إبحاري في تراث علم النفس لألمح أن مظاهر التمرد علي السلطة والاجتراء عليها قولا وفعلا لم تعد تقتصر علي العلاقة بين المحتجين وأجهزة السلطة; بل امتدت الظاهرة لتغلغل في صفوف تنظيمات رسمية وغير رسمية كانت طاعة الأوامر جوهر بنائها. كما لو أن روح ثورة يناير المتمردة قد امتدت لتشمل الجميع; والسؤال هو هل يعد ما نشهده نذيرا بالتفكك والفوضي؟ أم أنها مرحلة مرتبكة قد تؤدي إلي ظهور نوع جديد من الطاعة المتفهمة لتحل محل الطاعة الخبيثة؟
وأخيرا تري هل يمكن لنظرية الدور أن تسهم في تفسير التباين في الخطاب السياسي عند الانتقال من موقع المعارضة إلي موقع السلطة؟


لمزيد من مقالات د. قدري حفني

رابط دائم: