الخميس 8 من جمادي الآخرة 1434 هــ 18 أبريل 2013 السنة 137 العدد 46154

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

عن القرآن والسلطان

لم تترك السياسة شيئا إلا وتلاعبت به‏,‏ وقامت بتوجيهه لخدمة ما تريد وتشتهي‏;‏

 إلي حد أن القرآن لم يفلت, علي جلاله وتساميه, من هذا المصير.
وبالطبع, فإنه يلزم التأكيد علي أن هذا التلاعب لم يتحقق- علي الرغم مما يجري تداوله من التنازع بين السنة والشيعة- من خلال التغيير والتزوير; بل من خلال ما جري من تثبيت طرائق بعينها في تصوره والتعامل معه.
ومن ذلك مثلا ما جري من تصوره علي النحو الذي جعله إحدي الساحات الرئيسية لإنتاج هذه الأطلقة; وكان ذلك عبر التعالي به من وجود من أجل الإنسان, إلي وجود سابق عليه, ومن تركيب تبلور في العالم إلي كينونة ذات حضور مكتمل سابق في المطلق. ولقد ترافق هذا التحويل, بدوره, مع تحولات مسار السياسة في الإسلام من ممارسة مفتوحة إلي ممارسة مغلقة; وبكيفية تحول معها من القرآن الذي كان مركزه وقطبه هو الإنسان, إلي القرآن الذي استعمره, واحتكره السلطان. إذ يجب تذكر أن التحول في مسار السياسة من خلافة الشوري( مع أبي بكر) إلي الملك العضود( مع معاوية) قد تلازم مع الانتقال من القرآن الذي لا ينطق بلسان, وإنما ينطق عنه الإنسان- بحسب قول الإمام علي بن أبي طالب الذي لا يعني إلا أن الإنسان يدخل في تركيب القرآن- إلي القرآن أمسك به السلطان, وراح يتصوره ناطقا بدلالة مطلقة, مقرنا له بالسيف, ليحسم به معركة السياسة.
والحق أن نظرة علي الطريقة التي جري التعامل بها مع لغة القرآن, لتكشف عن التحولات في مسار الصراع السياسي. فإذ يورد السجستاني, في كتاب المصاحف, أنه لما أراد عمر أن يكتب( المصحف) الإمام أقعد له نفرا من أصحابه, وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر, فإن القرآن قد نزل علي رجل من مضر, فإن الأمر قد اختلف مع عثمان الذي يروي عنه أنه قال: إذا اختلفتم في عربية من عربية القرآن, فاكتبوها بلغة قريش, فإن القرآن أنزل بلسانهم. وللغرابة, فإن هذا التحول من لغة مضر إلي لغة قريش قد ترافق مع ما كان يتنامي في ساحة السياسة- وعبر عن نفسه صريحا مع عثمان- من اعتبارها( أي السياسة) شأنا قرشيا خالصا, بعد أن كانت قبله ساحة مفتوحة يشاركها فيها غيرها. ولعل دليلا علي هذا التحول- في السياسة- يأتي مما أورده الطبري, في تاريخه, عن المنازعة التي جرت وقائعها حين اجتمع عبدالرحمن بن عوف إلي من حضره من المهاجرين وذوي الفضل والسابقة من الأنصار, وأمراء الأجناد ليختاروا الخليفة من أهل الشوري الذين عينهم عمر قبل موته. فقد قال له عمار( بن ياسر): إن أردت ألا يختلف المسلمون, فبايع عليا, فقال المقداد: صدق عمار; إن بايعت عليا قلنا: سمعنا وأطعنا. وقال( عبد الله) بن أبي سرح: إن أردت ألا تختلف قريش, فبايع عثمان, فقال عبدالله بن أبي ربيعة: صدق; إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا. فشتم عمار بن أبي سرح, وقال: متي كنت تنصح المسلمين؟....فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يا بن سمية( يعني عمار), وما أنت وتأمير قريش لأنفسها. ولعل كون الرجلين المتنازع عليهما( علي وعثمان) من قريش, هو ما يجعل القصد من عبارة الرجل المخزومي لابد أن يتجاوز ما يمكن فهمه منها من وجوب قرشية من في الحكم, إلي أن الأمر يتعلق باستبعاد كل من سوي القرشيين من حق المشاركة في تعيين الحاكم ونصبه; وبحيث تصبح السياسة احتكارا قرشيا خالصا لا شأن لغيرهم به.
إن ذلك يعني, وبلا أدني مواربة, جواز القول بأن الانتقال من لغة المسلمين, علي تعدد قبائلهم, إلي لغة قريش وحدها, إنما يعكس تحولا كان يجري في مسار السياسة من كونها شأنا عاما يخص المسلمين جميعا, إلي كونها شأنا يخص قريش وحدها; أو يخص- حتي- مجرد بيت من بيوتها بحسب ما سيجري لاحقا, مع بني أمية وبني العباس. لكنه, وبالرغم من هذا التضييق النازل من لغة القبائل إلي لغة قريش, فإنه يبقي أنها تظل- في الحالين- من قبيل اللغة ذات الأصل الإنساني;. وبالطبع فإن هذا التحول من لغة الإنسان إلي كلام الله, إنما يعني بلوغ صيرورة الأطلقة- التي كانت تعني تسييد المطلق إلها في المجرد, وحاكما في المتعين- إلي تمام الذروة والاكتمال. وهكذا, فإن ما يفسر ما حصل من التعالي بالقرآن( لغة وتاريخا وماهية) من الأرض إلي السماء, هو ما جري من صعود المسلمين( سنة وشيعة) بخلافات السياسة من الأرض إلي السماء. ولعل ما يدعم هذا التوازي بين التعالي بالقرآن والتعالي بالسياسة, هو ما يبدو من أن التعالي بالقرآن كان قد ترافق مع سعي البعض, من الحكام المتأخرين علي حقبة الخلافة بالذات, إلي التعالي بسلطتهم إلي مقام ينفلتون فيه من أي حساب أو مساءلة. وهنا, فإنه لم يكن ثمة ما هو أنسب من أن يخفي الحاكم نفسه وراء القرآن; الذي كان لابد- لذلك- من رفعه إلي السماء; لكي يكتسب, بدوره,( أعني الحاكم) رفعة الكائن السماوي. ولعل هذه العملية من التقنع بالقرآن, هي التي ستقف وراء تبلور المأثور القائل: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. لكنه يبقي وجوب التأكيد علي حقيقة أنه إذا كان السلطان قد كسب, بهذا التعالي, إطلاق سلطته, فإن ما ألحقه هذا التعالي بالقرآن من الضرر كان كبيرا; وذلك من حيث ما تآدي إليه من إطفاء أنواره, وإهدار خصوبته, بسبب ما فرضه عليه من إسكات صوته, وتجميد دلالته....ومن هنا وجوب السعي إلي تحرير القرآن من قبضة السلطان.


لمزيد من مقالات د.على مبروك

رابط دائم: