الجمعة 10 من جمادي الاول 1434 هــ 22 مارس 2013 السنة 137 العدد 46127

رئيس مجلس الادارة

ممدوح الولي

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

رئيس التحرير

عبد الناصر سلامة

بالرغم من زيادة أسعار الغاز والمازوت بنسبة‏50%:‏
الفقراء يتحملون فاتورة دعم الوقود

تحقيق ـ سيد صالح
إذا كان من الطبيعي أن تدعم الدولة الصناعة‏,‏ وأن تمنح الحوافز للمستثمرين لدفع عجلة الانتاج وجذب الاستثمارات‏..‏

وإذا كان من الطبيعي ايضا أن تدعم الدولة المواد البترولية من أجل تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن المصري الكادح.. فليس من الطبيعي, أن تتحمل الدولة مليارات الجنيهات في دعم الطاقة لكي يحقق المستثمرون أرباحا خيالية عبر تصدير منتجاتهم وبيعها بالأسعار العالمية, فتعلو أرصدتهم المالية علي حساب الشعب, وليس من الطبيعي أيضا أن تدعم الدولة البنزين والسولار, فنجده يتسرب إلي الدول المجاورة, أويتسرب إلي مصانع البتروكيماويات لاستخدامه كبديل عن الثنر, لتقليل تكلفة الانتاج وزيادة الأرباح.. المؤكد أن منظومة دعم الطاقة تنطوي علي قدر كبير من الخلل.. ومن ثم لا مفر من العلاج, لوقف نزيف وإهدار المال العام!!
في محاولة لإصلاح الخلل بشكل جزئي- قرر مجلس الوزراء برئاسة الدكتور هشام قنديل رفع أسعار الطاقة والتي تشمل المازوت والغاز للمصانع بنسبة50%, حيث تم رفع سعر بيع المازوت إلي1500 جنيه للطن بدلا من1000 جنيه, فيما تقرر زيادة سعر بيع الغاز الطبيعي المحلي لمصانع الإسمنت والطوب إلي ستة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية مقابل أربعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية قبل صدورالقرار,علي أن يتم مراجعة هذه الأسعار كل3 سنوات تمهيدا لإلغاء الدعم عليها نهائيا وبيعه بسعر التكلفة, في إطار خطة الحكومة لإصلاح نظام دعم الطاقة الذي يكلف الحكومة المصرية أكثر من115 مليار جنيه.
وبشكل عام, تستحوذ المنتجات البترولية كما يقول الدكتور أيمن جاهين خبير اقتصاديات البترول ومدير عام بالشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية( إيجاس) علي جانب كبير من الدعم الحكومي, حيث بلغ دعم المنتجات البترولية في العام الماضي نحو120مليار جنيه, وهو رقم مخيف ومرشح للزيادة كل عام بفعل عوامل النمو السكاني والاقتصادي وأسعار البترول العالمية, ومع ذلك وبالرغم من الكرم الحكومي المفرط بشأن دعم المنتجات البترولية بشكل لا مثيل له في العالم, فإن المواطنين في عذاب مستمر يصل أحيانا إلي حد الموت من أجل الحصول علي أسطوانة بوتوجاز أو لتر بنزين أو سولار!!
فجانب كبير من المنتجات البترولية المدعمة يتم تهريبه سواء داخل البلاد أو خارجها. فالبوتوجاز مثلا يذهب لقمائن الطوب و مزارع الدواجن, بالإضافة إلي بيعه لمستودعات بوتوجاز غير مرخصة لكي تقوم بدورها بالبيع للمواطنين بأسعار أعلي, الشيء نفسه بالنسبة للسولار والبنزين, واللذان يتم بيعهما لمحطات وقود غير مرخصة, بالإضافة إلي تهريب السولار وبيعه كوقود للسفن, أما البنزين فيتم بيعه لشركات تقوم بمعالجته بمواد كيماوية لانتاج منظفات و مذيبات يتم تصديرها للخارج, فضلا عن عمليات التهريب خارج الحدود المصرية لبعض الدول المجاورة. ومن أجل تخفيض فاتورة الدعم, فإنه لابد منالاهتمام بتطوير وسائل النقل النهريورفع مساهمته في النقل العام من0.5% إلي5% لترشيد استهلاك السولار, الذي يستحوذ علي الجانب الأكبر من فاتورة دعم المنتجات البترولية, حيث يبلغ دعم السولار أكثر من50 مليار جنيه.وبحسب تقديرات الخبراء, فإن مشروع تطوير النقل النهري يتكلف نحو800 مليون جنيه ويستغرق نحو6 أشهر, وهناك مثال حي في ألمانيا حيث يستوعب نهر الراين15% من حجم النقل هناك.
و بالنسبة للبنزين, ـ والكلام مازال للدكتور ايمن جاهين- فإنني أقترح تخصيص بنزين80 للسيارات الأجرة دون الملاكي, علي أن يتم طرح أنواع البنزين الأخري بكوبونات لجميع المركبات الملاكي من وحدات تابعة لوزارة التموين ملحقة بإدارات المرور عند الترخيص وفق حصة محددة ثابتة للجميع. والمقصود هنا بالحصة الثابتة هو مبلغ معين ثابت للدعم تقدمه الدولة بغض النظر عن نوع البنزين مثلا ألف جنيه سنويا لمالك السيارة لأي نوع من أنواع البنزين ـ علي أن يترجم هذا الدعم إلي حصة عينية تصرف بكوبونات حسب مقدار الدعم الموجود في كل نوع من أنواع البنزين. ومن لا تكفيه تلك الحصة التي تصرف بكوبونات, فعليه أن يحصل علي ما يحتاجه من بنزين إضافي بسعره الاقتصادي بمحطات الوقود. ويمكن تطوير هذا النظام لاحقا بعد استحداث قاعدة بيانات دقيقة بحيث يستفيد من يمتلك أكثر من سيارة من نظام الكوبونات لسيارة واحدة فقط, وان يتم تطبيق هذا النظام علي مستوي الأسرة وليس الفرد, فالزوج والزوجة والأبناء و الأسرة بأكملها لها أن تحصل علي كوبونات البنزين المدعمة لسيارة واحدة فقط.
وفي جميع الأحوال, لابد أن يكون لدي الحكومة رؤية واضحة و خطة محددة في إطار زمني معين لرفع الدعم عن المنتجات البترولية, وأن تكون هذه الخطة معلنة للجميع مع مراعاة إتاحة فترة زمنية وتجنب المفاجآت. فعندما تعلن الحكومة مثلا أنها ستقوم برفع سعر لتر السولار في الأعوام الخمسة المقبلة بنسب معينة وصولا لرفع الدعم نهائيا عن السولار, فإن من شأن ذلك تهيئة الفرصة لتحويل وسائل نقل الركاب والبضائع لتعمل بالغاز الطبيعي. ومن الممكن أيضا, أن تعلن الحكومة من الآن, أنه قد يصل الأمر إلي عدم إصدار تراخيص تسيير المركبات التي ستعمل بالسولار في المستقبل إذا ترتب علي ذلك زيادة فئات النقل وأسعار البضائع, وبإمكان الحكومة المصرية أن تتخذ من الإجراءات والتدابير ما يمكنها من مواجهة التحديات التي تواجهها بشرط أن تكون مدروسة ومعلنة وغير مفاجئة.
الحكومة ودعم رجال الأعمال
العجيب ـ كما يقول الدكتورعمرو عادلي مدير وحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في دراسة له حول سياسات دعم الطاقة في مصر, والحاجة الماسة لإعادة تشكيلها ورسمها لتحقيق العدالة والإنصاف الغائبين في الإنفاق العام, بعنواندعم الطاقة في الموازنة المصرية نموذجا للظلم الاجتماعي أن الجزء الأكبر من الدعم لقطاعات إنتاجية في صورة دعم الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة كالأسمنت والحديد والألومنيوم والأسمدة والزجاج, وكذلك في صورة دعم النقل حيث يمثل دعم المنتجات البترولية شكلا من الدعم غير المباشر للمنتجين. ويقدر بعض الاقتصاديين نصيب الصناعة من دعم البترول في قطاع النقل بما يزيد علي45%, فيما يبلغ نصيب الصناعة من استهلاك السولار نحو81.5%.
الفقراء والدعم
ويكفي أن نعلم أن ربع قيمة الطاقة المدعومة يذهب تقريبا لقطاع الصناعة, خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة كالأسمنت والأسمدة والحديد والصلب والألومنيوم والزجاج والسيراميك, ومن ثم فإنه من الواجب اتخاذ إجراءات جدية وسريعة من أجل تخفيض الدعم المقدم للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة, والتي تستحوذ علي ما يقرب من20% من إجمالي الدعم, ومن ثم فإن إلغاء الدعم الموجه لها من شأنه أن يوفر علي الدولة نحو عشرين مليار جنيه, واتخاذ تدابير سريعة لاحتواء أثر هذه الزيادة حتي لا تقوم الشركات الكبري بنقل التكلفة إلي المستهلك برفع الأسعار, عن طريق تلويح الحكومة بفتح باب الاستيراد حال رفع الأسعار, والقيام بحظر التصدير واتخاذ كل الإجراءات القانونية في حال ثبوت إقدام هذه الصناعات علي أي ممارسة احتكارية طبقا للقانون.
دعم الطاقة لمصلحة من؟
وإذا كان من المقبول والكلام هنا للدكتور عبد النبي عبد المطلب الخبير الاقتصادي- توفير الطاقة بالمجان أو بأسعار منخفضة للاغراض الصناعية في فترات سابقة, حيث كانت منتجات الصناعة المصرية تخضع لنوع من التسعير الجبري, وكانت الموازنة تتحمل الفرق بين تكاليف الانتاج وايرادات البيع. ومن هنا كان الدعم للطاقة مقبولا او له مايبرره, لكن في ظل العولمة, وانتهاج اساليب جديدة في ادارة القطاع الصناعي المصري بشقيه العام والخاص, بحيث اصبح الربح هو المحدد الاساسي لنجاح الادارة, لذلك فقد اصبح من الواجب اعادة النظر ايضا في اسلوب ادارة وتوزيع ودعم الطاقة, خاصة انها لم تعد متوافرة كما كانت من قبل.
وتشير بيانات الانفاق في الموازنة العامة للدولة الي أن دعم الطاقة وحده يلتهم مايقرب من خمس قيمة الموازنة, حيث بلغ دعم الطاقة طبقا لأرقام الموازنة العامة للعام المالي الحالي2013/2012 نحو115 مليار جنيه منها48 مليار جنيه للسولار, ونحو21 مليار جنيه للبنزين, ونحو19 مليار جنيه للبوتاجاز, ونحو,12 مليار جنيه للغاز, ونحو15 مليار جنيه للمازوت, ومن المتوقع ارتفاعه الي145 مليار جنيه في موازنة عام2014/2013, اذا استمرت نفس الممارسات والسياسات والاحتياجات.. صحيح ان الموازنة الجدية تستهدف تقليله الي ما يقرب من83 مليار جنيه, وإن كان ذلك يظل مرهونا بقدرة الحكومة علي تمرير الاصلاحات في الدعم, ومدي قبول الشارع به.. ويذهب الجزء الأكبر من هذا الدعم للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة كالأسمنت والحديد والألومنيوم والزجاج, في حين تحرم منه القطاعات كثيفة العمالة كالغزل والنسيج والملابس الجاهزة.
ولا شك ان الدعم الذي تتحمله الخزانة العامة يخرج في شكل أرباح خيالية تدخل خزائن اصحاب الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة. مثل صناعات الاسمنت والحديد وغيرها من صناعات مواد البناء وصهر الألمنيوم, وغيرها اضافة الي استخدام المواد البترولية كمذيبات لصناعات البويات, وغيرها.. ومن ثم فإن سياسات اعتماد الربح كوسيلة للنجاح, جعلت هذه المؤسسات تبيع منتجاتها في السوق المحلية طبقا للاسعار العالمية, واحيانا اكثر مستفيدة من جو الحماية وفرض رسوم علي مثيلها الاجنبي, وبذلك تم حرمان المستهلك المصري من حقه من الدعم والذي كان يحصل عليه نتيجه حصوله علي السلع بأسعار منخفضة( في ظل التسعيرة الجبرية), بل وصل الأمر الي اجبار المستهلك المصري علي الاسهام في دعم هذه المصانع من خلال فرض رسوم جمركية علي الواردات البديلة والتي قد تصله باسعار اقل كثيرا من اسعار المصانع المحلية.
وفي تقديري والكلام مازال للدكتور عبد النبي عبدالمطلب- فإن الالغاء الكلي لدعم الطاقة لن يؤثر علي الصناعة والافراد والاسعار باكثر من10%, وذلك طبقا للدراسات التي خلصت الي ان الطاقة تمثل مابين3% و5% من مدخلات الانتاج, وفي أسوأ الاحوال سوف ترتفع تكاليف الانتاج حال الغاء الدعم علي الطاقة بما لايزيد عن نسبة إسهامها في الانتاج, اي من3% الي5%. الي جانب ارتفاع تكاليف النقل بنفس النسب تقريبا او اكثر منها قليلا, لتبلغ الزيادة في التكاليف الكلية ما لا يزيد علي10%.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق