عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
فى الذكرى الرابعة لرحيلها..
مشاهد لا تنسى فى مشوار سيدة الشاشة
18 يناير 2019
عــلا الشــافعى


4سنوات مرت على رحيل سيدة الشاشة فاتن حمامة (فى 17 يناير 2015) تلك الفنانة ذات الأدوار المتعددة والمتنوعة، وصاحبة الوعى الإنسانى، والمرأة الراقية ذات الملامح الرقيقة والهادئة، هناك الكثير الذى قيل وكتب عن فاتن، والتى صارت درة من درر الفن المصرى والعربى، وقد تكون رحلت بجسدها ولكنها تركت ميراثا خالدا من الأعمال السينمائية التى ساهم بعضا منها فى تشكيل الوجدان والوعى الحياتى، وبعيدا عن أدوار الفتاة المظلومة أو المسكينة وهى الأدوار التى قدمتها سيدة الشاشة العربية فى بداياتها، ولكن فى مرحلة النضج واقترابها من الكثير من المثقفين والأدباء ومنهم يوسف إدريس، ويوسف السباعى، وتوفيق الحكيم، والكاتب الصفى والمفكر أحمد بهاء الدين وهو ما ساعد على تشكيل اختياراتها بشكل مختلف، باتت تلجأ إلى الأدب لتقدم أدوارا تحسب لها ومن خلال مشوارها المتنوع وأعمالها التى تخطت الـ 100 فيلم هناك أدوار لا تنسى ومشاهد سجلت من خلالها فاتن حمامة حضورا طاغيا، يأسر كل من شاهد هذه الأعمال أو يعاود مشاهدتها.. لذلك سنتوقف فى هذا التقرير عند مشاهد محددة فى العديد من أعمالها المتميزة، والمفارقة أن أهم مشاهدها وأدوارها المختلفة كانت مع المخرج هنرى بركات.



..........................



دعاء الكروان



كانت آمنة بطلة دعاء الكروان (1959) تقف فى حجرة «الباشمهندس»، وهو يحاول أن يجذبها تجاهه فتتمنع وترد بدلال «لا لا يا سيدى لا لا ياسيدى»، وتجرى منه.. يعد هذا المشهد من المشاهد القليلة التى قدمتها سيدة الشاشة فاتن حمامة فى مشوارها، وهى تقدم الإغراء.. وحده المخرج هنرى بركات هو الذى كان قادرا على إقناع فاتن حمامة بأن تؤدى مثل هذا المشهد،والذى جسدته فاتن حمامة بأداء يحسب لها حيث تمكنت من التعبير عن العديد من الانفعالات المتناقضة والتى تعترك بداخلها، فهى تحاول غواية المهندس الذى تسبب فى قتل شقيقتها، وفى نفس الوقت تحاول كتم مشاعر الحب التى تتكون بداخلها تجاه قاتل شقيقتها، وفى فيلم «دعاء الكروان»، هناك أيضا مشهدها مع خالها والذى أظهرت فيه إتقانها للهجة البيضاء والتى هى خليط من لهجة «الفلاحين والصعايدة»، أو كما قالت فاتن فى حوارها مع الإعلامى وجدى الحكيم، الذى أذاعه التليفزيون المصرى. إنها تعلمت هذه اللهجة وأدّتها فى أيقونتها الشهيرة «دعاء الكروان». وكان أسلوبها الخطابى القوى، رغم الانكسار فى عبارة: «دارى إديك يا خال دم هنادى بينقط منهم»، غاية فى الصدق وهى تؤدى هذا المشهد، وأيضا مشهد النهاية وهى تحاول إنقاذ المهندس من بندقية خالها بعد أن غفرت له جريمته فى حق شقيقتها بسبب الحب الذى جعلها تسامح.



الحرام



«الحرام» من أهم أفلام السينما المصرية، واختير فى الترتيب كخامس أهم فيلم بقائمة المائة، وكانت بطولة فاتن فيه مطلقة، إذ إن البطل الرجل فى الفيلم، عبد الله غيث، كانت مساحته صغيرة، والفيلم أيضا إخراج مخرجها المفضل هنرى بركات وعن رواية للأديب والكاتب «يوسف إدريس» وفيه حققت سيدة الشاشة العربية نقلة جديدة ومختلفة فى مشوارها الفنى حيث جسدت دور فلاحة تتحمل مسئولية بيتها بسبب عجز زوجها المريض، وتقع فى الخطيئة من أجل «جدر بطاطا»، كانت تريد الحصول عليه بهدف إطعام زوجها، الفيلم مليء بمشاهد قوية، كمشهد الولادة مثلاً، فى فيلم «الحرام» وهى تفيق استفاقة ما قبل الموت، لتتحسس طفله «السِّفاح» الذى قتلته بيديها بعد ولادته تحت شجرة، خوفاً من افتضاح أمرها أمام الفلاحين، لتموت وهى تتخيل نفسها تحتضنه فى المكان نفسه الذى كتمت فيه أنفاسه؟ والمميز فى هذا المشهد أن فاتن استطاعت توظيف كل حواسها إلا الكلام والتعبير، فخرجت تعابير وجهها، أفضل من كل الكلام.



الباب المفتوح



«الباب المفتوح» قدمته أيضا مع المخرج «هنرى بركات1963»، وعن رواية للأديبة لطيفة الزيات لا أحد يستطيع أن ينسى قوة أدائها، وانفعالاتها فى المشهد الأخير، حيث بطلتنا ليلى تجسدها _فاتن حمامة ــ، تركض على رصيف القطار، وهى لا تعرف إلا شيئا واحدا وهو ضرورة أن تكسر كل قيودها وتحرر روحها، من الخوف وسطوة وسلطة الأب مصممة على مغادرة خوفها إلى الأبد. الخوف من سلطة الأب والمجتمع والتقاليد التى تجبر المرأة، على تبنى اختيارات تتعسها طوال حياتها، وأيضا تتحرر من سلطة الخطيب والذى يحاكى قهر الأب ولكن فى صورة مختلفة، كل هذا التحول والرغبة فى التحرر تتأكد بداخلها، وتنعكس فى عيونها حين ترى مشهد العائلات المقهورة والتى تم ترحيلها من بور سعيد، بعد العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، من جهة أخرى، محطة القطار مليئة بالمتطوعين، الجنود والنساء اللواتى يذهبن ليكنّ ممرضات على الجبهة، تلقى بخاتم خطوبتها، لأستاذها صاحب القلب المتحجر والأفكار الرجعية والذى لا يرى فى المرأة سوى كائن خلق لخدمة الرجل، ولكى تكون تحت قدميه، كما جاء فى احدى جمل الحوار بالفيلم، تتحرر نوال وتترك كل هذا الإرث وراءها وتتمسك بالكفوف الممدودة من نوافذ القطار، لتساعدها على الصعود لكى تلحق بقطار حياتها وتعيش بشكل مختلف وإنسانى بعد أن حررت روحها.



نهر الحب



يأخذ فيلم «نهر الحب» مكانة خاصة فى قلوبنا، مهما تعددت المشاهدات، حيث بات أحد أيقونات الأفلام الرومانسية فى حياتنا وصار اسم «خالد ونوال» معادلا للرومانسية وهو الفيلم الذى أخرجه عز الدين ذو الفقار، ولم ير أحد فينا أبدا أن نوال خائنة بعد أن قررت أن تترك زوجها، وترتبط بمن اختاره قلبها، بل تعاطفنا مع البطلين وقصة حبهما الميلودرامية ومن أهم المشاهد التى يحملها هذا الفيلم مشهد نوال وهى تراقص خالد وكيف عبرت فاتن بمشاعرها ونظرات عينيها وخفة حركتها وهى تراقص خالد وكأن فى كل خطوة تتحرر روحها معه فهو فتاها الذى كانت تبحث عنه، بعيدا عن هذا الزوج القاسى، والذى لا يعرف سوى الحسابات والمصالح ولا يهمه سوى نفسه وصورته لذلك جاء مشهد المواجهة بين نوال وزوجها ــ جسده زكى رستم ــ وهو مشهد يحمل دروسا فى فن الأداء ويعكس وعيا من فاتن حمامة بأنها تقف أمام نجم بموهبة زكى رستم لذلك ارتفع أداؤها.



أرض الأحلام



قدمت فاتن حمامة هذا الفيلم عام 1993 مع المخرج داود عبد السيد فى دور مغاير تماما « نرجس» تلك المرأة الأرستقراطية والتى تعيش فى حى مصر الجديدة، واستعدادها للسفر والهجرة عند أبنائها ومن أهم المشاهد التى جسدتها فاتن حمامة فى هذا الفيلم مع النجم يحيى الفخرانى، وتحديدا المشهد الذى وجدت فيه الباسبور وكيف كانت تبكى وتضحك. بعد ليلة طويلة من المعاناة، خرجت فيها نرجس من مساحتها التى رسمتها لنفسها ولم تعرف يوما التمرد عليها، لتكتشف الشارع وناسه، من خلال شخصية الساحر (يحيى الفخرانى) إنها تبكى وتضحك فهل وصلت لحقيقة الأشياء وضرورة أن تختار هى حياتها، ولأنها تعلمت كيف تستمتع أخيرا.



يوم حلو ويوم مر



من أهم أدوارها أيضا فيلمها «يوم مر يوم حلو» والذى قدمته مع المخرج خيرى بشارة، ويبدو أن رموز الواقعية الجديدة فى السينما المصرية ومنهم خيرى وداود قرروا المغامرة مع سيدة الشاشة فى محاولة لكسر الصورة النمطية، أو الاستكانة لنوعية محددة من الشخصيات التى تجسدها، وكانت هى بخبرتها ونضجها وذكائها على قدر المغامرة، لذلك شاهدنها مع خيرى بشارة فهى الأرملة التى تمتهن أكثر من مهنة لإعالة أولادها، فهى خياطة ودلالة أو حفافة تقوم بتزيين العرائس، ولا مانع أيضا أن تندب فى العزاءات مجاملة لجاراتها، امرأة تشبة الكثيرات من المطحونات فى الأحياء الشعبية، لا تتعب ولا تكل وكان هذا هو التحدى الأكبر فكيف لسيدة الشاشة أن تظهر بتلك الشخصية، وتغير من ملامحها طبقا لانفعالاتها وتوظف لغة الجسد، وتلك الإنحناءة فى المشية، أو تهدل الكتفين بعد يوم تعب طويل، كل هذا نجحت فيه فاتن حمامة والتى جسدت دور الأم القوية التى لا تتعب، خصوصا وأنها أم لثلاث فتيات كبيرات، وطفلة صغيرة، وطفل يعمل فى إحدى الورش منهن (البكر التى تحلم بالزواج وممارسة الحب، والوسطى التى تتزوج سراً بأخرس وتهرب، والصغرى التى تخون أختها بعلاقة عابرة مع زوج الأخت).



تلك المشاهد البسيطة من سجل حافل بالعديد من المشاهد الرائعة التى قدمتها فاتن حمامه عبر مشوارها الملئ بالشخصيات الإنسانية والمركبة الثرية بالمشاعر الإنسانية، وقد تكون هذه المشاهد القليلة نقطة فى بحر ابداع سيدة الشاشة العربية، والتى لا يجب أن ننسى لها أيضا أدوارا مميزة فى أفلام مثل «ليلة القبض على فاطمة، وأريد حلا، وأفواه وأرانب، والخيط الرفيع».