عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
الخروج من الإخفاق السياسى فى ليبيا
17 يناير 2019
◀ محمـد أبـوالفضـل


القضايا العربية التى يمكن الكتابة عنها كثيرة ومتشعبة، وحاولت هذا الأسبوع أن تطرق لقضية سياسية جديدة، لكن التطورات المتسارعة فى طرابلس والجنوب جذبتنى إلى الأزمة الليبية مرة أخري.



أطراف كثيرة تتحدث وتتحرك كأنها تريد غسل أياديها مما يجرى فى البلاد من صراعات وخلافات، لعبت القيادات المسلحة والسياسية والبعثة الأممية دورا كبيرا فى تغذيتها، ربما من خلال مواءمات سياسية فاضحة وأخطاء إدارية ساذجة. وهو ما ظهرت تجلياته فى كثير من التطورات المتضاربة.



وفى خطاب سبها، التى ذهب إليها، الأحد، المبعوث الأممي على رأس اللجنة الخاصة بالجنوب لأول مرة، انتقد صراحة تدخلات بعض الدول.



الخطوة جيدة فى مجملها وتحسب له، حتى لو تأخرت كثيرا، لكن كان بإمكانه أن يشير بالتحديد إلى أسماء الدول التى تمرح فى ليبيا، ومصممة على استكمال عبثها تحت سمع وبصر المبعوث الأممي، الذى يعلم ماذا فعلت سفن الموت التركية المحملة بالأسلحة فى ليبيا، وإلى من تذهب من الكتائب المسلحة، ولديه قوائم بأسماء القوى السياسية التى تعمل لصالح جميع المتشددين؟



أنقرة لا تزال تعمل على استمرار النزاعات فى طرابلس، وهناك اتهامات واضحة لشخصيات معروف أنها تتنقل بين اسطنبول والدوحة، ومذكرة من النائب العام فى ليبيا تحوى عشرات الأسماء، غالبيتهم يقيمون فى تركيا وقطر، وهو نفسه يملك قائمة معلنة، وأخرى سرية مدونا بها قادة الميليشيات من الصف الأول والثاني. من الممكن أن يصبح غسان سلامة أهم مبعوث أممى فى العصر الحديث، لو امتلك شجاعة المواجهة وأفصح عن الدور الذى تلعبه تركيا مثلا فى ليبيا، والأطراف المحلية والخارجية، التى تدعى العمل على أمنها واستقرارها، وهى أحد أسباب التوتر والفوضى والانفلات الحاصل فى طرابلس. النقطة المهمة الأخرى أن خطابه فى سبها تحدث بوضوح عن أن المؤسسات التى تحكم البلاد سياسيا دون المستوي، وطالب بالتفكير فى بدائل، وهو كلام يبدو جيدا ويصب شكلا فى مصلحة المبعوث الأممي.



الإمساك بطرف الخيط ستتكشف بعض معالمه غدا (الجمعة)، عندما يتحدث أمام مجلس الأمن، ويردد كلامه «ليبيا تحتاج لطبقة سياسية أفضل من تلك الموجودة، وتستحق مؤسسات فاعلة وليست نائمة» لأنه يرمى إلى توفير زخم كبير للمؤتمر الجامع المنتظر، والذى لم يتم تحديد موعد لعقده حتى الآن. اللغز أو سبب التحول، يأتى من هنا، فالدكتور غسان الذى بشر بالملتقى الجامع واعتبره الورقة الرئيسية لنجاح مهمته فى ليبيا، لم يستطع طوال الأشهر الماضية أن يوفر له الدعم اللازم، محليا وإقليميا ودوليا، ومن دافعوا عنه فى غالبيتهم من أصحاب المواقف الإيديولوجية، الذين وجدوا فى هذا التحرك فرصة للقبض على زمام الأوضاع فى ليبيا. رسائل امتعاض متعددة وصلت إلى المنظمين من قوى وطنية فى أنحاء ليبيا، منها من أعلن المقاطعة صراحة، ومنها من قرر المشاركة كتسجيل موقف، وقد ينتهى الأمر بأن ينعقد المؤتمر فى حضور غسان سلامة ورفاقه الدبلوماسيين، ومشاركة قوية من القيادى الإخوانى على الصلابي، الذى يسعى بدعم من تركيا إلى توحيد التيار الإسلامى بأطيافه المختلفة تحت عنوان تكتل السلام والمصالحة.



الانتقادات الصارمة التى وجهت إلى الدول المتدخلة فى ليبيا والطبقة السياسية، يراها البعض حقا يراد به باطل، فالمطلوب تمرير المؤتمر الجامع، ومحاولة الحصول على تأييد له من الجهات الممانعة والمتحفظة والمحايدة، وهى ليست بحاجة إلى اعترافات نظرية، أو محاولات لمسك العصا من منتصفها، بل قراءة واعية للأزمة وطرق حلها.



الخطوة التى يمكن أن تعيد الثقة فى المبعوث الأممى تحتاج حصافة ورشادة وحكمة كبيرة، وتحمل كل طرف مسئوليته بلا مواربة، ويبتعد عن الألفاظ المطاطة التى تحمل تفسيرات متباينة، يجد فيها كل طرف ما يريده، لأن العبارات الفضفاضة حمالة أوجه وشوهت الكثير من التحركات التى بدا فيها سلامة صاحب نيات حسنة وأضعفت مصداقيته فى ليبيا. مشاهد وتفاصيل الأزمة واضحة مثل وضوح الشمس، يصعب مداراتها من قبل أى طرف، فقط تحتاج إرادة قوية للتعامل معها، لذلك فمحاولات القفز عليها من خلال تحركات عسكرية أو سياسية لصالح جهات مشبوهة، كلها لن تستطيع تصويب المسارات الخاطئة، لأن الالتفاف على الأزمة أصبح واضحا، والمستفيدون من استمرارها غير مجهولين، وكان المفترض أن يقوم المبعوث الأممى بإخلاء مسئوليته السياسية والأخلاقية ويحدد الدوائر التى أسهمت فى الانسداد الراهن.



الملتقى الجامع الذى يراهن عليه الدكتور غسان ليس حفلة سياسية، تعقد ثم تنتهى مثل غيره من المبادرات، بل يعول عليه المبعوث الأممى لرسم مستقبل البلاد، الأمر الذى جعله يربط بين المؤتمر وإرادة الليبيين ومستقبلهم، كأنهما مترادفان، وزاد أنه يزج بالمجتمع الدولى من خلال كلمته فى مجلس الأمن لضمان توفير دعم قوى لهذه التحرك.



الجهود الحثيثة فى هذا الإطار غرضها الحصول على شرعية دولية، بعدما أخفق رعاة المؤتمر فى الحصول على شرعية محلية كبيرة، وفاتهم أن غالبية القرارات الدولية لم يتم تطبيقها على الأرض، ولنا فى القضية الفلسطينية عبرة، كما أن الشرعية الداخلية تظل السبيل لنجاح كل عمل، ولن تصبح التباديل والتوافيق والألاعيب والمناورات وسيلة لحل الأزمة. المشكلة أن جماعة الإخوان ومن يدعمون مواقفها، يعتقدون أن ارتماءها فى أحضان تركيا كفيل ليسمح لها باختطاف ليبيا، أو أن تساهل البعثة الأممية مع تحركاتها وترتيباتها يعنى أن الطريق بات ممهدا لاختطاف البلاد تماما، فهناك قوى وطنية حية ترصد وتتابع وربما تتحرك فى الوقت المناسب حفاظا على مصالح الأجيال المقبلة فى بلد موحد وآمن ومستقر.



الخروج من الإخفاقات السياسية المتراكمة، يفرض الابتعاد عن الأفكار المعلبة، التى تصب فى مصلحة فصيل أو جماعة بعينها، ويستلزم رؤية شاملة للأزمة ومكوناتها، تبعد العصابات المسلحة وتجار الموت عن التحكم فى موازين السلطة، وتقتضى مكاشفة صريحة مع كل جهة تسببت فى المأزق الحالي. الترتيبات التى يمضى فيها المبعوث الأممى سوف تجلعه يدفع ثمنا باهظا، لذلك مطلوب منه فى خطابه أمام المجتمع الدولى غدا أن يكون أشد وضوحا ويضع النقاط فوق وأسفل الحروف ويتحدث عمن أدخلوا ليبيا فى هذا النفق المظلم.