عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
حماية الأديرة والكنائس شرف رفيع..
الإرهاب يتحطم على صخرة قبائل سيناء
11 يناير 2019
محمد شمروخ


لعله أمر يبعث على الاطمئنان أن تجد منطقة داخل نطاق البلاد، لاتتزال مستمسكة بنظامها الخاص



فى نظمها الأخلاقية والاجتماعية فى تقاليدها الضاربة فى أعماق الزمان، فهنا فى سانت كاترين مازال نظام قبيلة الجبالية، قائما على احترام العرف والالتزام بتقاليد القبيلة التى لا يعلو سلطان فوق أحكامها الصارمة التى يخضع لها الجميع ويعملون على حمايتها ضد تقلبات الأزمنة ومتغيرات الحياة التى تطورت تطورا مذهلا وانفتحت بهم على العام من حولهم.





بأمر جوستنيان



لكن بقاء التقاليد القبلية لا يعنى أن الجبالية خصوصا أو قبائل جنوب سيناء عموما، قد فضلوا حياة الانغلاق على الانفتاح على العالم، فهذه القبيلة بالذات لم تكن معزولة على العالم ولا كان العالم معزولا عنها، فهم يسكنون جبال سانت كاترين منذ قرون موغلة القدم، كواحدة من قبائل شبه جزيرة سيناء، فعند إنشاء دير سانت كاترين فى العصر الرومانى وبالتحديد فى القرن السادس الميلادى بأمر من الإمبراطور جوستنيان تكريما للقديسة كاترين، سكنت عدة عشائر منطقة ما حول الدير بأمر الإمبراطور جاءوا من عدة مناطق، حتى أن هناك مجموعة قدمت بأمر الإمبراطور من رومانيا لتقف مع الباقين على خدمة الدير وحراسة رهبانه وحماية المنطقة من أى خطر داهم. وبمرور الزمن وعلى مدى القرون التالية، اندمجت هذه العشائر وغلب عليها العنصر البدوى العربى، حتى صارت واحدة من قبائل سيناء وهى إحدى القبائل السبع الرئيسية التى تكون منها تحالف جنوب سيناء والمعروف بـالطورة أو الطوارة نسبة إلى جبل الطور الذى اشتهرت به شبه جزيرة سيناء حتى صار علما عليها وهو الجبل المقدس فى كل الرسالات السماوية وذكر فى عدة مواضع فى التوراة وفى القرآن الكريم كذلك وهناك سورة باسمه من بين سوره.



القبائل السبعة




ويحدثنا الدكتور أحمد صالح الجبالى عن تحالف القبائل السبع فيقول: التحالف يجمع بين قبائل جنوب سيناء وهى الجبالية والصوالحة ومزينة والعليقات وأولاد سعيد والترابين والتايها هى موزعة على سانت كاترين وسرابيط الخادم وسدر أبورديس وادى حلاف والطور ونويبع وعين أم أحمد وجبل التيه. ويؤكد الدكتور أحمد وهو حاصل على الدكتوراه فى طب الأعشاب وقضى فترة من حياته لدراسة هذا التخصص فى سويسرا، أن القبيلة لا تزال تحتفظ بسلطانها القوى بين قبائل سيناء عامة والجنوب خاصة ونظامها لا يتعارض مع القانون العام كما قد يظن البعض، بل العلاقات بين قبائل سيناء وبين أجهزة الدولة فى غاية من المتانة، فانتماء المواطن من أبناء سيناء لقبيلته لا يؤثر على انتمائه لبلده الكبير مصر والتزامه بالقوانين المعمول بها فى الدولة، فالدولة حاضرة بقوة فى التجمعات السكنية المتناثرة فى جبال سيناء، وكلانا لا يستغنى عن الآخر، لكن نظام القبيلة له خصوصيته التى تحترمها الدولة، فهناك طرق فى علاج المشكلات والخلافات متوارثة من جدود الجدود وهى التى حافظت على تماسك القبيلة فى المجتمع السيناوى، فعند نظر أى مشكلة نتبع نظاما لحلها بأن يجتمع رؤساء العشائر ثلات مرات فى ثلاثة بيوت مختلفة لعرض ونظر المشكلة، حيث يتم إصدار الحكم الملزم فيها حسب قواعد العدل الموضوعة والمتعارف عليها والحكم الصادر لا فكاك منه ويلتزم به طرفا الخصومة ويراقب عملية تنفيذ المحكوم به خمس المحكوم عليه. ويوضح الجبالى مصطلح الخمس بأنه الفرع من القبيلة الذى يجتمع عند الجد الخامس، حيث يشكل ذلك الفصيل المقصود وهو الملزم بإنفاذ الحكم. ومن لا يلتزم بالحكم يعتبر متمردا على القبيلة فيعلن عن تشميسه والتشميس هو بمثابة حكم إعدام اجتماعى وهو يعنى التبرؤ من المشمس فيصبح خارج حماية قبيلته ولا تقبله بقية القبائل والمشمس لا يسعى أحد لحمايته فلا ينظر له فى مشكلة ويفقد الحماية من كل الوجوه حتى فى الدم. ولذلك ترى أنه قلما يخرج أحد عن تقاليد القبيلة حتى لا يتعرض للتشميس والذى يحكم به حكماء القبائل بناء على الشكوى المرفوعة ضد المرغوب تشميسه لعدم التزامه بأعراف وأحكام القبيلة. والشخص الصادر ضده الحكم بالتشميس يلحقه عار عظيم، ولكن فى الوقت نفسه يمكن فى حال تظلمه وعودته مقرا بالالتزام بالقبيلة وأحكامها وإعادة الحق المحكوم به من مجلس القبيلة واعتذاره، يمكن عند ذلك رفع حكم التشميس ولكنه يبقى ذكرى أليمة لا يمحوها إلا تفانيه فى الالتزام بما خالفه من قبل. وبالنسبة لمسائل الأحوال الشخصية، فلا تعترض القبيلة على اللجوء للمحاكم العادية إذا لم يحصل صاحب الشكوى على حقه، فله عندئذ أن يلجأ إلى المحكمة ولا لوم عليه ولكن فى الغالب يتم إنفاذ حكم المجالس القبلية ولكن إذا لجأ طرف من أطراف الخصومة إلى المحكمة دون إذن شيوخ القبيلة، فلا ينظر له فى أى شكاوى على أثر ذلك ويعتبر خارجا على الأصول والأعراف، وهذا أمر لا ينكره أحد، فما دام قد رفض حكم القبيلة فى أمره، فليس له أن يطلب منها التدخل فى غيره ولا شأن لنا به ما دام قد تجاهلنا، خاصة أننا لا نمانع فى اللجوء للمحاكم فى حال عدم حصوله على حقه كما ذكرت من قبل.






شرف حماية أقدم دير مسيحى



أما أحمد موسى الجبالى الذى يعمل فى مجال السياحة بمصاحبة الوفود السياحية للصعود إلى جبال المنطقة خاصة إلى جبلى موسى وكاترين، فيحدثنا عن علاقة القبيلة بالدير، فيؤكد أن الجبالية هم وحدهم المختصون بحماية الدير منذ القدم وهم يعتبرون ذلك شرفا دونه أى شرف، فعلاقتهم التاريخية وثيقة بالدير ورهبانه وهم يعتبرونهم كأنهم من صلبهم ولذلك ترى الجبالية من المرشدين السياحيين والأدلاء والجمالين يدخلون الدير ويتجولون به وبالمنطقة المحيطة به وسط ترحيب الرهبان المنتمين إلى الروم الأرثوذكس حتى أن أحد الجبالية يعمل فى الدير ويدق جرس الكنيسة فى المواعيد المحددة. وترى إذا ما حان وقت صلاة من الصلوات تجد المسلم يصلى فى رحاب الدير، بينما الرهبان والزوار من المسيحيين المصريين أو الأجانب يصلون داخل الكنيسة فى تناغم لم يعد ملفتا لمن اعتادوا التردد على دير سانت كاترين من كثرة مشاهدته. وكل شيء هنا يسير بهدوء ونظام وكما يبدو على المنطقة أن الكثافة السكانية بها قليلة للغاية، فجنوب سيناء منطقة لها طبيعة صحراوية جبلية خاصة ورغم صعوبة الحياة فيها إلا أن عنصر الأمان فيها متوافر، فجبال هذه المنطقة تبعث على الرهبة، فهنا المكان الوحيد على الأرض الذى تجلى فيه الله وهو الوادى المقدس طوى وهو جانب الطور الأيمن فى البقعة المباركة عند الشجرة وهنا بلد التين والزيتون وطور سنين (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ). لذلك ترى السلام يصبغ الوجوه هنا وترى البساطة فى حياة المواطن فى التجمعات البدوية، رغم دخول مظاهر الحياة الحديثة بكل مشتملاتها، لكن البيت البدوى حافظ على شكله العام وكذلك بقى مضمونه ثابتا.





بدو حول العالم



فى الطرق الجبلية يمكنك أن ترى تجمعات البدو فى مساكن بسيطة غالبها من دور واحد، تدخل البيت تجد فيه كل الأجهزة الحديثة وتجد أجهزة المحمول من آخر صيحة منتشرة فى أيدى الناس ولهم حساباتهم الخاصة والعامة على مواقع شبكة الإنترنت وتجدهم أعضاء فاعلين على مواقع التواصل الاجتماعى فيسبوك، تويتر، إنستجرام، واتسآب، مع ذلك لم يتغير من طبائعهم البدوية الأصيلة ولا لهجاتهم وفى سانت كاترين تجد كأى مجتمع متصل بالسياحة أشخاصا يجيدون التحدث بعدة لغات ومنهم من يتردد على دول العالم الخارجى أو أقام فيها بعض الوقت للعمل أو للدراسة ومع ذلك يحتفظون بزيهم البدوى المميز لأهل الصحراء الذين لا يرتضون عنها بديلا رغم الحياة كثيرا ما تبدو قاسية من عدة نواح، فعلى الأقل فى وسط سيناء وجنوبها تجد أشد المناطق وعورة وليس من الناحية الجغرافية فقط، بل من المناخ حيث يبدو الشتاء قاسيا إلى درجة التجمد والصيف شديد الحرارة كما هو معروف عن المناخ الجبلى والصحراوى. هذا بجانب صعوبة الطرق والمواصلات بالرغم من رصف وإنشاء العديد من الطرق الرئيسية والفرعية إلا أن المنطقة لاتزال فى حاجة إلى العديد من الخدمات، هذا مع أن السكان هنا ليس من طبيعتهم الشكوى وهم يعتبرون أنفسهم كأنهم تضاريس بشرية للمكان لا ينفصلون عنه ولا ينفصل عنهم.






«لا مكان لإرهابى بينهم» هناك اعتزاز واضح لمسناه بين أبناء الجنوب بأن الإرهاب قد تحطم على صخرة التماسك القبلى فى المناطق وباءت جميع محاولات الإرهاب بالفشل الذريع ولم يعرف التطرف طريقا لهم مع أنهم مجتمع يمكن وصفه بالمجتمع المتدين فالالتزام بالشعائر والفروض الدينية ملحوظ بكثرة وهو من سمات هذه المناطق المقدسة عند كل أتباع الرسالات، بل أن بعضهم يرى أن تمسكهم بدينهم بهذا الشكل وقف حجر عثرة ضد التطرف الذى لا يمكن أن ينبت فى التربة الدينية السليمة لمثل هذه المجتمعات. ويحكى أحد شباب المنطقة عن محاولة فاشلة لعمل إرهابى وقعت منذ عدة شهور عندما تسلل أحد العناصر الإرهابية ولكن تصدى له أحد الكمائن فى منطقة النبى صالح قبيل دخول سانت كاترين بعدة كيلومترات وتبادل إطلاق الرصاص مع أفراد الكمين مما أسفر عن سقوط شهيد من قوة الكمين. وقد لاذ الإرهابى بالمناطق الجبلية ولكن الجبال على اتساعها صارت زنزانة ضيقة بالنسبة له فأى شخص ليس من سكان المنطقة لا يمكن أن يقضى أكثر من سويعات داخل هذه الجبال وليس له مفر «وكان من اليسير العثور عليه بمعرفتنا.. فأين سيذهب؟.. فأى مكان سيخرج منه سيجدنا أمامه!». وبالفعل تم «اصطياده» بمنتهى السهولة وعرفنا أنه ينتمى إلى جماعة الإخوان ويسكن فى الجيزة وحضر إلى هنا فى محاولة للوصول لدير سانت كاترين فى محاولة لاقتحام أكثر أماكن مصر وعورة وذلك ليسمع العالم كله بفعلته النكراء مستغلا الشهرة العالمية للدير ولكنه لم يصل إليه وتم حصاره وألقت السلطات القبض عليه.