عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
ميت أبو الكوم.. تحيا بالذكريات!..
السادات كان ينام بالعباءة على الأرض بجانب «الطرمبة»!
21 ديسمبر 2018
هاجر صلاح
عدسة: بسام الزغبى


فور أن تصل الى نهاية «كفر زرقان» بمركز تلا / المنوفية، حتى تعرف أنك وصلت إلى قرية الرئيس السادات، فها هويحييك، مرة ببدلته العسكرية، والثانية بزيه الفلاحى، على لافتة بارزة تعتلى مدخل القرية. قرية «ميت أبو الكوم» التى من أجلها وقف السادات فى البرلمان،يحمل مجلة «الدعوة» الإخوانية، التى نشرت موضوعا بعنوان «قرية ميت أبو الكوم والهم بقى بالكوم»، واصفا ما نشرته بأنه «رزالات»، ثم قال «أدينى قفلتها لهم علشان يبقى الهم عليهم بالكوم».. لا تختلف قرية ميت أبو الكوم الآن عن غيرها من القرى من شمال مصر الى جنوبها. شوارع طينية يغزوها «التوك توك» بشراسة، وتؤوى سكانها بيوت مشيدة بالطوب الأحمر القبيح المنظر، الدخيل على عمارة الريف المصرى. ولذلك السبب؛ تظل البيوت التى بناها الرئيس الراحل من قيمة جائزة نوبل للسلام، لافتة للانتباه، بتصميمها المميز الموحد، وأحجارها البيضاء،لكن بالطبع لم يسلم معظمها من إضافة المزيد من الطوابق بالطوب الاحمر أيضا، فاختفى الشكل المميز الذى أراده السادات لقريته.. بجولتنا فى قرية الرئيس، التقينا «بدرية» جارة منزل السادات وصانعة الفطير لعائلته، واستضافنا مدرس الجغرافيا خيرت الشحيمى الذى استرجع معنا طفولته فى عهد الرئيس الراحل، ويعد حاليا لإصدار كتاب عنه، كما كانت لنا بالطبع زيارة «للمضيفة» التى استقبلت شخصيات دولية بارزة، وهى الآن ومنذ أكثر من 20 عاما، أضحت متحفا لمقتنيات بطل السلام..



صانعة الفطير المشلتت لعائلة الرئيس

بجلباب فلاحى مصرى أصيل، ووجه مستدير استدارة رغيف خبز شهى، رحبت بنا «بدرية» رغم زيارتنا المفاجئة بلا سابق موعد. على ناصية منزلها المقابل لمنزل الرئيس السادات جلسنا. أشارت لنا بيدها: «ما كانش فيه السور ده.. بنوه بعد وفاته وأزالوا المطار وعملوا مكانه جنينة. كان مننا لبيت الريس على طول، ومن مكانى هنا كنت أشوفه فارش ونايم على الارض بالعباية جنب ترومبة الميه، زى أى فلاح، وينبه على الحرس: محدش يمنع حد عايزيدخل».



يلتقط منها طرف الحديث زوجها الشهير بالحاج عبد النبى: «كان يتجول بين أهل القرية يسألهم بحميمية: «عاملين إيه يا ولاد.. أخباركم إيه»، كما لو كانوا من أفراد عائلته. يحكى لهم قصة حياته منذ أن كان طفلايمسك بطرف جلباب والدته فى طريقها لكفر زرقان». يتابع الرجل السبعينى: «لم تكن لنا مطالب فلم ينقصنا شىء. كنا من أوائل القرى التى دخلتها الكهرباء، «وببلاش»، وركب ألواح الطاقة الشمسية، فكان عندنا «مية سخنة» وهى سابقة لم تحدث فى قرية فى ذلك الزمان. لم يكن ينقصنا سوى إيجاد فرص عمل للشباب، ومن يطلب منه وظيفة لابنه، «الصبح يكون متوظف». ويدلل الحاج عبد النبى بنفسه: «كنت فلاحا لكنى متعلم، فطلبت من نواب الدائرة وظيفة حكومية، فلم يلتفت لى أحد إلى أن طلبت من الرئيس توظيفى، فلم تمر أيام إلا وبدأت إجراءات الكشف الطبى، وعينت موظفا فى مجلس المدينة». تبتسم بدرية بخجل وهى تعود بذاكرتها ثلاثين عاما عندما كانت تقف مع جيرانها من الفتيات مرتديات فساتين جديدة يتباهين بها أمام باب «الدار»، فشاهدتهن جيهان السادات فى أثناء مرورها بالمصادفة، وأعجبت بفساتينهن وطلبت التقاط الصور الفوتوغرافية معهن. سألناها إن كانت تحتفظ بصورة، فقالت: «الصور لديها للأسف، لكنها لم تنسنى، فبعدها بسنوات عندما طلبت منى أن أصنع لها الفطير المشلتت، سألتنى: «ليه مش لابسه الفستان؟!.. كانت تحبنى عشان كنت «شهلة» وباشتغل بسرعة، وكانت ساعات تاخد الفطير معاها لمصر».



تدمع عيون بدرية: «كنا ندخل ونخرج القصر براحتنا، و«نحش» للمواشى بتاعتنا على ظهور الحمير من الجنينة براحتنا، كأننا داخلين الغيط مش بيت الريس!».



سألنا عن «أخلاق القرية» التى كان يذكر بها الرئيس فى أحاديثه من حين لآخر. فقالت بدرية بلهجتها الفلاحى المميزة: «أخلاق القرية لسه موجودة.. يعنى نخاف على بعض ومحدش ياكل مع حد فى طبق واحد ويروح يتكلم عليه من ضهره. يعنى التواضع والترحيب بأى ضيف كأنه من أهل البيت.. يعنى اللى يقدر يساعد حديساعده ومايبخلش عليه». قبل حرب أكتوبر بـ 15 يوما؛ كمايتذكر عبد النبى، كان السادات يتردد بانتظام على البلد، ولم يكن يدرى أحد أن الحرب على الأبواب: «كانت البلد ملاذا له، وكنا نشعر أن نزوله البلد أحسن من عيشته فى مصر».



«كنت أول مرة أروح المطار الدولى».. تسترجع بدرية ذلك اليوم الذى ذهبت فيه مع عدد كبير من أهالى ميت أبو الكوم وغيرهم من أهالى مركز تلا وقراها المختلفة ليستقبلوا السادات لدى عودته من إسرائيل: «رحنا فى أتوبيسات كتيرة، واستقبلناه بالزغاريد والتصفيق والطبل، حيانا وتعرف علينا فردا فردا، فهويعرف وجوه أهل بلده جيدا. كنا خايفين عليه من الزيارة دى وقلنا: «ده رايح للموت برجليه». لكنه كان «راجع مبسوط».. وفرحة الدنيا مش سايعاه.. تستطرد بعيون دامعة: « كان نفسه يخلى الشحاتة تاكل بملعقة دهب.. ومن بعد ما راح،الشحاتين رجعوايلفوا على البيوت.. كان يقضى معظم شهر رمضان فى البلد، ويعمل مائدة كبيرة فى بيته للغلابة».. بعد ما رجع من اسرائيل - تتابع بدرية - قعديومين فى القاهرة ورجع على البلد، ودخلنا باركنا على رجوعه بالسلامة.. تفاصيل يوم الاغتيال لم تنسها بدرية، وتتذكرها كما لو كانت بالأمس: «كان الريس ناوى يرجع على البلد بعد انتهاء الاحتفال، لأن الحرس كان عندنا هنا فى بيتنا، جلسنا نشاهد العرض العسكرى على الهواء. فجأة انقطع الإرسال وأظلمت الشاشة. بعدها بفترة قصيرة أخبرنا أحد أفراد الحرس: «الظاهر إن الريس انضرب»، وانطلقوا كلهم الى القاهرة. بعد تأكد الخبر بعدها بساعات، كأن «حريقة» ولعت فى البلد، وعلت أصوات البكاء والصراخ بالدعاء للانتقام من القتلة، ولطخت النساء رءوسها ووجوهها بالطين، واتشحت البلد بالسواد. شعرنا بأن الدنيا كلها خربت مش مصر بس. وظلت المشاهد نفسها تتكرر فى كل ذكرى لوفاته وكأنه لسه ميت». وتختم حديثها: «ياريته كان عاش لليوم ده.. ساب لنا أحلى ذكريات»!



أصبحت متحفا يضم 236 كتابا و 184 صورة ومقتنيات شخصية للرئيس الراحل
على بعد أمتار من منزل السادات الذى بناه فى مطلع الستينيات، تحوطه الأشجار الوارفة والنخيل العالى وحدائق الورد، تقع المضيفة التى كان يستقبل فيها ضيوفه، رؤساء دول ووزراء كانوا، أو فلاحين بسطاء من أهالى قريته. فى منتصف التسعينيات برزت لدى عائلته فكرة تحويل المضيفة الى متحف صغيريضم مقتنياته وصوره وكتبه والمؤلفات والدوريات التى تحوى موضوعات تخص عهده.



المضيفة لا تزال على النحو الذى كانت عليه أيام الرئيس الراحل، إذ تحتفظ كل قطعة أثاث بمكانها، حتى السجاد ومصابيح الإضاءة لم تتغير، بل إن طلاء الحائط لم يتم تجديده، ليشعر الزائر بالفعل أن المكان لايزال يحمل آثار الماضى، عالقة به أنفاس كل من حطت قدماه فى المكان. لكن هذا لايمنع من إضافة بعض القطع الحديثة كشاشة تليفزيون أو سلات للقمامة أو بعض الأحجار المتناثرة على الطاولات كتب عليها بعض كلمات وعبارات للرئيس الراحل. فى مدخل المضيفة تفاجأ بكرسى عال ضخم، علمنا أن السادات صنعه خصيصا ليجلس عليه الشيخ عبدالحميد عيسى الذى حفظه القرآن، وتتربع آية الكرسى الحائط الذى يعلوه. كان السادات يحرص فى كل زيارة أن يطمئن على شيخه الذى كان يناديه دائما بـ «يا سيدنا»، وعندما علم بوفاته قطع اجتماعا له فى مجلس الوزراء، وانطلق لقريته ليتكفل بمراسم الدفن والجنازة والعزاء.. يضم المتحف 184 صورة، موزعة على أركان المكان ما بين صور فى مناسبات مهمة أو مع شخصيات بارزة، بالإضافة الى الركن العائلى، أما المقتنيات فتتنوع ما بين المتعلقات الشخصية والنياشين والجوائز، وبعض الاوراق تحوى خواطر بخط يده ومسودة لتفاصيل خطة حرب أكتوبر. من أبرز المتعلقات الشخصية بالمتحف وهى كثيرةيصعب حصرها؛ الملابس التى ارتداها فى أثناء إلقاء خطابه الشهير فى الكنيست، والبدلة البحرية التى ارتداها خلال إعادة افتتاح قناة السويس عام 1975، وكانت توجد البدلة التى لقى به وجه ربه، لكن تم نقلها مؤخرا لتعرض فى المتحف الحربى فى الإسكندرية. توجد أيضا بيجاماته التى كان يصنعها له «سويلم» الترزى الخاص به، كما شاهدنا الطقم الصينى الذى كان يتناول فيه طعامه وهو صناعة مصرية، ومرآته الطولية التى كان يهندم فيها نفسه، وهو المعروف بحرصه على أناقة مظهره. يوجد أيضا طقم البامبو الذى كان يجلس عليه فى الحديقة، حيث أجرى حواره الشهير مع المذيعة همت مصطفى عقب عودته من إسرائيل بأشهر.



فى ركن آخر؛ يضم المتحف مكتبة بها 236 كتابا، ما بين كتب للسادات نفسه، أو أخرى كتبت عنه أو عن عهده أو عن حرب أكتوبر أو عن السلام مع إسرائيل. وتتنوع لغاتها ما بين العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والعبرية. تضم المكتبة أيضا كتاب «سيدة من مصر» لحرمه جيهان السادات بنسختين عربية وإنجليزية، كمايوجد كتاب ابنته كاميليا my father and I.(أبى وأنا).



تضم المكتبة أيضا نصوص خطبه وتصريحاته فى مناسبات مختلفة، كما توجد شرائط فيديو لنفس الخطب. يتردد على المتحف بانتظام طلبة المدارس، كمايطلب بعض ضيوف مصر أو ضيوف عائلة الرئيس السادات زيارته ليحظوا بلحظات دافئة فى حضرة بطل السلام.



حكايات من ذاكرة طفل فى عهده
عندما التقيناه؛ كان عائدا لتوه من عمله فى مدرسة السادات الثانوية، وهى المدرسة التى تخرج فيها منذ أكثرمن 20 عاما.



خيرت الشيحمى - مدرس الجغرافيا - يتحدث عن السادات كأنه يحكى عن أبيه الذى لم ينسه رغم أنه ودع الحياة، بينما كان خيرت يودع طفولته. لاينسى حتى الآن كيف كان يجرى هو وأقرانه ناحية «المطار» فور سماع صوت طائرته تحلق فى سماء القرية، يلوحون لها بفرحة، فيهبط الرئيس ويرد لهم التحية بعصاه الشهيرة. كانوا دائمايعرفون بمجيئه بقدوم الحرس الجمهورى الذى كان يسبقه بيوم الى القرية. لم يكن الرئيس كمايحكى خيرت ـيغيب عن بلدته أكثر من شهر، وكان ارتباطه بهايزيد كلما ترقى فى المناصب، بدءا من وزير دولة حتى أصبح رئيسا لمجلس الامة، وانتهاء برئاسة الجمهورية، حتى أن لجنته الانتخابية ظلت بها حتى نهاية حياته. كانت هناك أيام لايمكن أن يقضيها السادات فى القاهرة، وهى يوم ميلاده الموافق 25 ديسمبر، والأسبوع الاخير من شهر رمضان، ويتذكر خيرت الذى يعد لإصدار كتاب عن الرئيس الراحل، صوت إمام الجامع الكبير فى الميكروفون مناديا: «يا أهالى ميت أبو الكوم الكرام.. الرئيس السادات يدعوكم لتناول الإفطار معه فى منزله». وقد حضر والده الافطار مرة واحدة.. يتابع خيرت: «كنا فى ميت أبو الكوم حريصين على مشاهدة التليفزيون فى ثلاث مناسبات: مباريات الملاكمة لمحمد على كلاى، وماتشات الأهلى، والعرض العسكرى فى ذكرى نصر أكتوبر، وكان العرض الأخير لاينسى، فالكل شاهد لحظة النهاية وحفرت فى ذاكرته».
«أرادها قرية نموذجية، إذ كان حريصا على رصف شوارع واسعة وعمل الميادين، وأنشأ 148 بيتا مميزة التصميم بالحجر، وكان يريد استكمالها 300 منزل لتكفى كل أهالى البلد لكن القدر لم يمهله». يتابع خيرت بحماس: «أنشأ مدرسة الشهيد عاطف السادات الابتدائية، ثم افتتح مدرسة السادات الإعدادية يوم 2 أكتوبر 1973، قبل الحرب بأربعة أيام، وأضيف لها لاحقا فصل للمرحلة الثانوية، فكنا من أوائل القرى التى حظيت بخدمة التعليم. كنا أيضا من اوائل القرى التى دخلتها الكهرباء «مجانا» ولم يتم تركيب عدادات إلا بعد وفاته، ويعلق ساخرا: «أجبرتنا الحكومة على دفع قيمة ما استهلكناه فى سنوات بأثر رجعى!».



حتى الآن يفخر أهالى ميت أبو الكوم بأن قريتهم كانت من أوائل القرى الى تمتلك وحدة مطافئ، وهى التى لا تتوافر إلا فى المراكز، كما سبقت غيرها فى وجود قصر ثقافة وضع السادات حجر أساسه واستكمل بناؤه بعد رحيله.



يتذكر خيرت رغم صغر سنه آنذاك كيف كان السادات يتجول «بالعباءة» و«البلغة» فى شوارع القرية وكان البعض يناديه «يا أنور». يدق باب أى بيت ليطلب من أهله أن يتناول معهم الشاى، لتكون فرصة لمعرفة أحوال البلد. يتابع مدرس الجغرافيا: «لم يكن يصلى فى الجامع الكبير إلا فى الصفوف الخلفية، وفى مولد سيدى حسن الكومى كان يتكفل بكل النفقات، ويحضر لإحيائه النقشبندى والطبلاوى ونائب شيخ الازهر. بفضله أصبح لميت أبو الكوم شهرة عالمية، بعد أن زارها زعماء العالم، كان أكثرهم ترددا عليها الرئيس الامريكى الأسبق جيمى كارتر، حيث كان يحضر كثيرا فى زيارات غير رسمية، ويمضى ساعات ويغادر، زارنا أيضا الرئيس الفرنسى جيسكار ديستان، والقذافى، ورئيس الحكومة اللبنانى صائب سلام، والرئيس الإسرائيلى اسحاق نافون، كما زارنا الرئيس عبد الناصر، ومن الإعلاميين العالميين الأمريكى والتر كرونكايت الذى أجرى لقاء مع السادات فى حديقة منزله. تلك الحديقة التى شهدت إقامة مؤتمرات صحفية دولية كان آخرها مؤتمر بعد اعتقالات سبتمبر 1981 الشهيرة..«لسه عايشين على حسه».. يقولها خيرت ممتنا للرئيس الراحل، ويدلل على كلامه بموقف لاينساه عندما كان فى زيارة القاهرة فى أثناء تصحيح امتحانات الثانوية العامة، ونزل ميدان السيدة زينب ليشترى عباءة لزوجته، فأخذيساوم صاحب المحل الذى سأله بعد جدال: إنت منين؟! وما إن أخبره خيرت حتى انتفض الرجل من مكانه،ينادى على ابنته لتحضر «حاجة ساقعة»، وأقسم ألا أدفع مليما واحدا فى العباءة، بل وعرض الكثير من الخدمات لى ولزملائى المدرسين المغتربين.يتابع الشحيمى: «المرور فى الكمائن أيضايبرز مدى تقدير الضباط لأهالى ميت أبو الكوم، ففور أنيطلع أحدهم على بطاقة الرقم القومى، حتى يرحب بى ويحيينى.. ويدعو بالرحمة للرئيس السادات».