عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
السادات.. فى محكمة نجيب محفوظ
21 ديسمبر 2018
000;


فى روايته البديعة أمام العرش يعقد نجيب محفوظ محكمة لتنظر فى أعمال من تولوا حكم مصر، وقدموا أعمالا عظيمة ورغم ذلك لم يسلموا من النقد.



وقد شكل محفوظ المحكمة التى انعقدت بكامل هيئتها المقدسة فى قاعة العدل بجدرانها العالية المنقوشة بالرموز الإلهية وسقفها المذهب تسبح فى سمائه أحلام البشر. والتى تتكون من أوزوريس فى الصدر على عرشه الذهبى، وإلى يمينه إيزيس على عرشها، وإلى يساره حورس على عرشه، وعلى مبعدة يسيرة من قدميه تربع تحوت كاتب الآلهة، مسندا إلى ساقيه المشتبكتين الكتاب الجامع، وعلى جانبى القاعة صفت الكراسى المكسوة بقشرة من الذهب الخالص تنتظر من سيكتب لهم الخلاص من القادمين.



وأوقف صاحب نوبل كل حكام مصر وقادتها العظام من عهد مينا حتى أنور السادات أمام هذه المحكمة ليدافعوا عن أنفسهم.. ويفسروا قراراتهم التى ثار حولها الجدل الكبير..



وكان حورس هو الذى ينادى على كل زعيم فنادى محمد أنور السادات ليمثل أمام المحكمة.



ـ محمد أنور السادات.



فدخل رجل متوسط القامة رشيق القد عميق السمرة، مضى فى سيره حتى مثل أمام العرش.



ودعاه أوزوريس للكلام فقال:



ـ ولدت فى قرية ميت أبو الكوم، ونشأت فى أسرة فقيرة، ووجدت عناء لا يستهان به كى أستمر فى الدراسة، وقد تشبعت بروح الوطنية منذ صغرى، وشاركت فى المظاهرات الوفدية، ثم امكننى الألتحاق بالكلية الحربية التى فتحت أبوابها لأمثالى من أبناء الشعب بعد معاهدة 1936، ومنذ تخرجى هالنى وضع الجيش تحت سلطة البعثة العسكرية الانجليزية، وخامرتنى أفكار للدعوة لثورة مسلحة ضد الانجليز فأنشأت أول تنظيم سرى فى الجيش عام 1939، وقد اتصلت بالإخوان المسلمين وأعجبت بنشاطهم، كما حاولت أثناء الحرب



الاتصال بالألمان، وعقدت العزم على اغتيال المتعاونين مع الانجليز من المصريين، وقد قبض على نتيجة لذلك، وحوكمت، ولكنى نلت البراءة، بل ورجعت إلى خدمة الجيش، وفى ذلك الوقت اتصل بى جمال عبد الناصر وضمنى إلى تنظيمه، وقامت الثورة فى يوليو 1952 وتتابعت الاحداث حتى وافى الأجل جمال عبد الناصر فخلفته فى منصبه فى ظرف بالغ الدقة، وكنت على علم بالسلبيات التى نخرت فى عظام عهد عبد الناصر فتوثبت لاحداث ثورة جديدة تنقذ البلاد من الموت الذى تتردى فيه، قضيت على مراكز القوى، واتجهت على مهل نحو الأمان وسيادة القانون والديمقراطية، وفى 6أكتوبر 1973 فاجأت العدو المحتل، بل فاجأت العالم بهجوم لم يتوقعه أحد، وحققت انتصارا أنقذ الروح العربية من القنوط، كما انتشل الشرف من الهوان، ثم تسنمت بمغامرة أخرى باقتحامى بلد الأعداء داعيا إلى تصفية الموقف بالكلمة لا بالسلاح، وانتهى سعيى الطويل إلى معاهدة كامب دافيد، وناديت بالانفتاح لانقاذ الاقتصاد الوطنى، وتقدمت فى الديمقراطية خطوات جديدة، ولكن اعترضتنى عقبات غيرت من حساباتى، فقد انحرفت المعارضة، وهب التيار الدينى يهدد البلاد بالعنف، فوقفت من الجميع موقفا حازما لا مفر منه، ولكن الأمور انتهت باغتيالى فى ذكرى اليوم الذى حققت فيه لوطنى عزة النصر.



وتكلم الملك إخناتون فقال:



ـ أحييك كداعية من دعاة السلام، ولا أدهش لاتهام خصومك لك بالخيانة فقد تلقيت منهم نفس التهمة لذات السبب.



فقال تحتمس الثالث:



ـ يذكرنى انتصارك بانتصار رمسيس الثانى الذى كلل بمعاهدة سلام والزواج من ابنة ملك الحيثيين!



فقال رمسيس الثاني:



ـ الحاكم مسئول أولا عن حياة شعبه، ومن هذا المنطلق يقوم على الحرب أو يجنح إلى السلام.



فقال أنور السادات:



ـ وقد آمنت بصدق بعقم الاستمرار فى الحرب



وقال الملك أمنحتب الثالث:



ـ ما أشبهك بى أيها الرئيس فى حب الرفاهة لشعبك ولنفسك، كلانا عشق الأبهة والنعيم والعظمة والقصور، غير أن زمانى سمح لى بأن أنهل من النعيم بلا كدر أما زمانك فأذاقك الحلو والمر، دعنى أعرب لك عن حبى وعطفى.



وقال الملك حور محب:



ـ توليت الحكم فى ظروف تشبه فى بعض مناحيها الظروف التى تحدتنى أول حكمى عقب وفاة الملك العجوز آى.



ـ وأعترف بأنك قمت بأعمال جليلة، ووجهت ضربات صادقة، ولكنك تهاونت فى معاقبة الفساد والمفسدين حتى أوشكوا أن يحيلوا انتصاراتك إلى هزائم.



فقال أنور السادات:



ـ شغلت بتشجيع العاملين عن الضرب على أيدى المفسدين



فقال حور محب:



ـ لا قيام لدولة إلا على الانضباط والاخلاق



وسأله جمال عبد الناصر:



ـ كيف هان عليك أن تقف من ذكر اى ذاك الموقف الغادر؟



فقال أنور السادات



ـ اتخذت ذلك الموقف مضطرا إذ قامت سياستى فى جوهرها على تصحيح الأخطاء التى ورثتها عن عهدك



ـ ولكنى عهدتك راضيا ومشجعا وصديقا؟



ـ من الظلم أن يحاسب إنسان على موقف اتخذه فى زمن رعب أسود خاف فيه الأب ابنه والأخ أخاه!



ـ وما النصر الذى أحرزته ألا ثمرة استعدادى الطويل له!



فقال أنور السادات:



ـ ما كان لمنهزم مثلك أن يحقق انتصارا، ولكنى أرجعت للشعب حريته وكرامته ثم قدته الى نصر أكيد.



ـ ثم نزلت عن كل شئ فى سبيل سلام مهين فطعنت وحدة العرب طعنة قاتلة وقضيت على مصر بالانعزال والغربة



فقال أنور السادات:



ـ لقد ورثت عنك وطنا يترنح على هاوية الفناء، ولم يمد لى العرب يد عون صادقة، ووضح لى أنهم لايرغبون فى موتنا كما لايرغبون فى قوتنا كى نظل راكعين تحت رحمتهم، فلم أتردد فى اتخاذ قرارى..



ـ واستبدلت بعملاق طالما ساندنا عملاقا طالما ناصبنا العداء.



ـ اتجهت الى العملاق الذى بيده الحل، وصدقت الحوادث ظنوني!



ـ واندلقت فى الانفتاح حتى أغرقت البلاد فى موجة غلاء وفساد، وبقدر ما كان عهدى أمانا للفقراء كان عهدك أمانا للأغنياء واللصوص.



فقال أنور السادات:



ـ لقد عملت لخير مصر فوثب الانتهازيون من وراء ظهري!



وتكلم مصطفى النحاس فقال:



ـ حاولت اغتيالى وكدت تنجح لولا العناية الإلهية، ثم فقدت حياتك نتيجة للاغتيال، ترى أما زلت تؤمن به؟



فقال أنور السادات:



ـ نحتاج لأضعاف عمرنا كى نتعلم الحكمة.



فقال مصطفى النحاس:



ـ وسمعت عن دعوتك إلى الديمقراطية فدهشت ثم تبين لى أنك تريد حكما ديمقراطيا تمارس على رأسه سلطاتك الدكتاتورية!



ـ أردت ديمقراطية ترعى للقرية آدابها وللأبوة حقوقها.



ـ هذه ديمقراطية قبلية.



فقال سعد زغلول:



ـ هذا حق، ولكن الديمقراطية الحقيقية تؤخذ ولاتمنح فلا تغال فى لومه..



وقال مصطفى النحاس:



ـ واشتدت الضائقة بالناس، وحدث مايحدث عادة مثل تلك الظروف من أعراض الفتن والتطرف، فتركت الأمور تستفحل كأنك لاتبالى، ثم انفجرت بغتة فألقت بالجميع فى السجون فأغضبت المسلمين والمسيحين والمتطرفين والمعتدلين، وانتهى الأمر بمأساة المنصة..



فقال أنور السادات:



ـ وجدت أنه لامفر من ضربة حاسمة اتقاء لفوضى توشك أن تجر البلاد الى حرب أهلية..



فقال سعد زغلول:



ـ عندما يغتصب الحاكم حقوق شعبه يخلق منه خصماً، وعند ذلك تهدر قوة البلاد الأساسية فى صراع داخلى بدلا من أن توجه للعمل الصالح.



وهنا قالت إيزيس:



ـ بفضل هذا الابن ردت الروح الى الوطن، واستردت مصر استقلالها الكامل كما كان قبل الغزو الفارسى، وقد أخطأ كما أخطأ سواه وأصاب أفضل مما أصاب كثيرون.



فقال أزوريس:



ـ أرحب بك بين الخالدين من أبناء مصر، وسوف تمضى بعد ذلك الى محكمتك الأخرى مؤيدا بتزكية مشرفة منا.