عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
أفراد من عائلته وطبيبه الخاص يكشفون الحقيقة الغائبة..
أســـــرار مــــوت الــزعيــــم
28 سبتمبر 2018
محمد هلال;


كان الموت المباغت لعبدالناصر صدمة لايمكن وصف مرارتها وقسوتها فى حينها، فقد أفقدت الكثيرين وعيهم وتساوت العقول والأفهام فى ردود أفعالها؛ فمن فلاح أمى بسيط يلطم الخدود ويشق الجيوب ويفضل الموت على الحياة بدون عبدالناصر،إلى شاعر كبير يبكى مرارة الفقد قائلًا: «قتلناك ياآخر الأنبياء» حتى يقول: «مثلك كان كثيرًا علينا».. ومن حينها وكالعادة فى شأن الشخصيات الجدلية انطلقت الشائعات، ولأن الموت قد حدث مبكرًا (52 عامًا ) فقد كان حقلًا خصبًا لها، منها ماتقول: مات مسمومًا عن طريق دهانات جاءت من إسرائيل لمدلك عميل نجحوا فى زرعه بين أطباء الرئيس وغيرها تتهم الأطباء بالخطأ فى التشخيص، وثالثة رددها حاخامات الصهاينة بأنهم من قتلوه بالسحر الأسود وهكذا.. ودارت عجلة الأيام ومعها دارت الاتهامات التى كانت تتلكأ عند أطباء الرئيس، حتى رحل منهم من رحل مثقلًا صدره بأحزان الشائعات ومابقى ممن حضروا وفاة الزعيم سوى طبيبه المرافق له الدكتور الصاوى حبيب توفى رحمه الله منذ عامين فقط والذى كان اسمه آخر كلمة نطقها ناصر، حين قال له وهو يتحرك على السرير يفتح المذياع ليسمع نشرة أخبار الخامسة مساءً: «لتسترح من الحركة ياريس حتى لاترهق قلبك الواهن..» فقال بعد أن سمع الأخبار وأغلق المذياع: «أنا خلاص إرتحت ياصاوى « وأسلم الروح لبارئها.



........................



وظل الرجل صامتًا قرابة أربعين عامًا حتى استفزته تصريحات صحفية للدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسى، وقد إستدعت بدورها تصريحات سابقة للدكتور مصطفى محمود فى مذكراته، وماقاله الدكتور يوسف إدريس، فجعل الدكتور الصاوى يفندها ويكشف دوافعها ويبرهن على كذبها، وقال:إن أحد هؤلاء الأطباء الثلاثة لم يتعامل من قريب أو بعيد مع الرئيس عبدالناصر.. قال عكاشة أنه أصيب بمرض الاكتئاب بعد نكسة يونيو 1967،وذلك يؤدى بصاحبه إلى الشعور بالدونية والكسل واللامبالاة.. والواقع أن عبدالناصر كان شعلة من النشاط تزعج الأطباء على قلبه الواهن.. واتهمه د. مصطفى محمود بأنه مجنون بالعظمة ومجنون بذاته، وقال د.الصاوي: لو كان كذلك لسمى «السد العالى» باسمه.. واتهمه د. يوسف إدريس «بالبارانويا» ومعنى ذلك عدم الثقة فى كل من حوله وتوقع خياناتهم والتآمر ضده.. والحقيقة كما يذكرها د. الصاوى غير ذلك تمامًا.



وفى عدة حوارات صحفية مع الدكتور الصاوى و تحقيقات إستقصائية حول حقيقة مرض عبدالناصر نذكر فى عجالة سريعة ماناقشته تفصيلًا فى كتاب «أسرار موت عبدالناصر» صدر عن مكتبة جزيرة الورد عام 2011 وقد خلصت إلى عدة حقائق على ألسنة شهود من أسرته، وعائلته لأمه منهم ابن شقيقها اللواء فتحى إبراهيم حماد، وعلماء طب الوراثة وغيرهم من المصادر، وعندما طالع الدكتور الصاوى فصول الكتاب الذى تضمن حياة الرئيس وعاداته وطعامه ومواعيد نومه وجميع اهتماماته وأهم سفرياته العلاجية وحقيقة أمراضه وكيف كان يتم اختيار أطبائه من المصريين والأجانب، كتب شهادته بخط يده فى أول صفحات الكتاب يقول فيها: «بعد ظهور حقائق وفاة جمال عبدالناصر آن الأوان أن يقفل هذا الملف، وأن يبحث من يريد عن ملف آخر قد يكون فيه مايثير بعيدًا عن وفاة جمال عبدالناصر.. واعتذر مقدمًا لكل من يريد الإثارة الإعلامية فلم يبق هناك مايثير... توقيع الصاوى محمود حبيب 17/10/2011».



قال الدكتور الصاوي: إن آخر ماتناوله الرئيس بعد عودته من المطار مرهقًا كوبًا من عصير البرتقال أعدته وقدمته له السيدة زوجته، وأكد جازمًا أن مايسمى د. على العطفى الذى قالت الشائعات إنه دلك الرئيس بدهان إسرائيلى مسمومًا، إنه لم ير هذا الرجل على الإطلاق ولم يدخل بيت الرئيس طوال مدة ملازمته له عقب نكسة 67 وحتى وفاته.



وتتلخص أمراض الرئيس عبدالناصر فى إصابته بمرض البول السكرى الوراثى الذى تم اكتشافه فى عام 1958، أضف إلى ذلك ارتفاع ضغط الدم وكذا ارتفاع نسبة الكولسترول وكذا إصابته بالشريان التاجى وإنسداد فى شرايين القلب، وجميعها أمراض تعالج بتغيير نمط الحياة مع العلاج الدوائى، ومئات الآلاف يعانون منها وأكثرهم يعيش إلى بعد الستين، ولكن الوفاة المبكرة كانت نتيجة عامل وراثى لم يظهر فى حينها إلى جانب العوامل البيئية فقد كان الرئيس مدخنًا شرهًا، أضف إلى ذلك الهموم السياسية الثقيلة.



الوراثة والجينات الوراثية هى مفتاح السر فى موت عبدالناصر، والمعروف أن الرئيس هو أكبر أشقائه الأربعة من الأب والأم، وقد مات عن 52 سنة، وكذا مات شقيقه الليثى عن نفس السن ونفس الأمراض، ومات شقيقه عز العرب عن نفس السن وبنفس الأمراض، أما شقيقه الرابع شوقى فتوفى عن ثمانين عامًا ولكن ابنه الدكتور جمال أستاذ أمراض الكبد والباحث فى ابتكار علاج فيروس سى، ورث تلك الأمراض وأجريت له جراحتان فى القلب بسبب الشريان التاجى.



يعلق الدكتور جمال شوقى عبدالناصر: «قبل عام 1970 كانت تكنولوجيا علوم طب القلب المفتوح غير موجودة، فإذا قلنا الجينات وتوارث المرض سأقول نعم.. ولكن هذا لاينفى الضغوط التى كان يواجهها والمؤامرات العالمية ضده.



توفى والد الرئيس عبدالناصر عن 73 عامًا فى عام 1968 وكان قد تزوج من سيدة أخرى اسمها عنايات من دمنهور بعد وفاة والدة الرئيس وأنجب منها خمسة بنين وبنتًا عاشوا حياة طبيعية.



اللواء فتحى إبراهيم حماد ابن شقيق والدة الرئيس السيدة فهيمة حماد يفتح سجلات التاريخ قائلًا: كان جدى الحاج محمد حماد تاجر الأخشاب المقيم بالأسكندرية قد أنجب ثلاثة أبناء، الكبرى عمتى السيدة فهيمة محمد حماد والدة الرئيس عبدالناصر وقد توفيت عقب الولادة الرابعة للإبن الأخير شوقى فى سن مبكرة أقل من ثلاثين عامًا، وعندما تزوج مرة أخرى السيدة عنايات أنجب منها ستة أبناء لم يمت منهم أحد بمرض القلب بل أمراض أخرى. ويوصل اللواء فتحى كلامه قائلًا: كان الولد الثانى لجدى محمد حماد هو إبراهيم والدى أنا، وقد توفى عن 52 عامًا بمرض القلب، أما ولده الثالث عمى أحمد فتوفى بعد خروجه للمعاش فى ديسمبرعام 67 ولكن ولده إسحاق توفى فى الأربعين من عمره اثر أزمة قلبية.



يعلق د. الصاوى قائلًا: هذه الحقائق ليس لها من تفسير سوى أن العامل الجينى الوراثى إلى جانب العوامل البيئية كانت السبب فى الوفاة المبكرة.. وجميع من ماتوا من عائلة الرئيس بنفس أمراضه كانوا مواطنين عاديين بلا ضغوط سياسية قاسية مثله ولكنهم تساووا معه فى النهاية.