عبدالمحسن سلامة
علاء ثابت
صانع مفتاح العبور بفكرة بسيطة تعتمد على خراطيم المياه
«باقى يوسف» .. عبقرية مصرية تستحق التجسيد دراميا
20 أكتوبر 2017
محمد حبوشة


اختراعه المدفع المائى جاء عندما انتدب للعمل فى مشروع السد العالى فى مايو 1969



الخسائر والإصابات المتوقعة جراء تحطيم خط بارليف بدون تغطية للجنود كانت تصل إلى 20 ألف شهيد



 



تمكن جند مصر العظام فى ست ساعات من تحطيم آمال وأوهام الإسرائيليين فى استحالة عبور حصنهم المنيع «خط بارليف» ، بعد ما زعمت «إسرائيل» طويلا أن باستطاعتها إبادة الجيش المصرى إذا ما حاول عبور قناة السويس ، ولكن قدرة الجيش المصرى تمكنت قبل العبور بواسطة الضفادع البشرية - وهى قوات بحرية خاصة - من سد أنابيب «النابالم الحارقة» تمهيداً لعبور القوات فى اليوم التالي،



ففى السادس من أكتوبر عام 1973 تم اختراق الساتر الترابى فى 81 مكانا مختلفا، وإزالة ثلاثة ملايين متر مكعب من التراب عن طريق استخدام مضخات مياه ذات ضغط عال، ومن ثم تم الاستيلاء على أغلب نقاطه الحصينة بخسائر محدودة ، وتم قتل 126 من إجمالى 441 عسكريا إسرائيليا، بالإضافة إلى أسر 161 و لم تصمد إلا نقطة واحدة هى نقطة «بودابست» فى أقصى الشمال فى مواجهة بورسعيد وقد اعترض إرييل شارون الذى كان قائد الجبهة الجنوبية على فكرة الخط الثابت، واقترح تحصينات متحركة وأكثر قتالية ولكنه زاد من تحصيناته فى أثناء حرب الاستنزاف.



...........................................................



بذلك استطاع الجنود المصريون تحطيم أكبر أسطورة عسكرية إسرائيلية وواحد من أكبر القادة ألا وهو «حاييم بارليف»، الذى تمتع بتاريخ كبير من الانجازات وشغل العديد من المناصب القيادية منذ انضمامه إلى صفوف «البلماخ» سرايا الصاعقة، واشتراكه عام 1942 فى عملياتها التى استهدفت إخلاء الأراضى من سكانها العرب بالقوة، و توليه قيادة إحدى الكتائب فى صحراء النقب فى أثناء حرب 1948، كما عين قائدا للمنطقة الشمالية عام 1952، وتولى قيادة سلاح المدرعات فى أثناء العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، وقيادة العمليات بهيئة الأركان عام 1964، وبعدها شغل منصب نائب رئيس الأركان فى مايو 1967، وقد جاءت فرصة المصريين للوقوف أمامه حينما عين رئيساً للأركان فى أوائل عام 1968، وأصبح مسئولاً عن إقامة خط للتحصينات بمحاذاة قناة السويس، وبالفعل أقام خط بارليف وأعلن عن عدم قدرة المصريين من عبور الخط لما يتمتع به من تحصينات قوية ولكن استطاعت القوات المصرية إسقاط تلك التحصينات فى أكتوبر 1973، وبعد ذلك أنكر «حاييم» قيامه بهذه التحصينات، وأوضح أن تلك التسمية مجرد بدعة صحفية، وقد أشرف «بارليف» على غارات العمق التى شنها الطيران الإسرائيلى على مصر فى أوائل عام 1970 التى ذهب ضحيتها عشرات الأطفال الأبرياء والعمال المدنيين فى بحر البقر وأبى زعبل، و كان بارليف أيضاً هو أول من تبنى سياسة هدم ونسف المنازل العربية لإرهاب المدنيين العرب وتحقيق العزلة بينهم وبين رجال المقاومة، وهى السياسة التى تبناها عدة قادة إسرائيليين للقضاء على الدول، وتوفى بارليف فى السابع عشر من مايو لعام 1994 بتل أبيب ولم يفرغ بعد من هول الصدمة الكبرى فى يوم السادس من أكتوبر 1973.



قصة ينبغى أن تروى



هى قصة جديرة أن تروى مرات عديدة، وهى قادرة فى الوقت ذاته أن تصبح عملا دراميا على الشاشة بامتياز كى يشعرنا بعظمة الجندى المصرى فى ساحات الوغى، إنها قصة صاحب الفكرة العبقرية فى التغلب على هذا الساتر العملاق المعروف بخط بارليف المنيع ، إنه اللواء مهندس باقى زكى يوسف، الذى ولد بمدينة العريش فى 23 يوليو 1931 ، لكنه ينتمى لأسرة نزحت من طما مركز سوهاج وجذور العائلة تمتد إلى محافظة أسيوط، حيث عمل ضابطًا مهندسًا فى القوات المسلحة بعد تخرجه فى كلية الهندسة جامعة عين شمس عام 1954م وحتى منتصف عام 1984م، قضى منها خمس سنوات برتبة اللواء، والواقع و الحقيقة يؤكدان أنه أتى بهذه الفكرة العبقرية البسيطة لفتح ثغرات فى خط بارليف الحصين، وتم فتح الثغرات المطلوبة فى السد الترابى بواسطة خراطيم المياه القوية.



وقصة اختراعه لهذا المدفع المائى جاءت عندما انتدب للعمل فى مشروع السد العالى فى شهر مايو عام 1969م، فقد عُين رئيسًا «لفرع المركبات برتبة مقدم فى الفرقة 19 مشاة الميكانيكية، وفى هذه الفترة شاهد عن قرب عملية تجريف عدة جبال من الأتربة والرمال فى داخل مشروع السد العالى بمحافظة أسوان، وقد استخدم فى عملية التجريف مياه مضغوطة بقوة وبالتالى استطاعت إزالة هذه الجبال ثم إعادة شفطها فى مواسير من خلال مضخات لاستغلال هذا الخليط فى بناء جسم السد العالي.



وتبلورت هذه الفكرة فى ذهن المقدم باقي؛ بعدما أعد تقريرًا فنيًا وافيًا وصل فيما بعد إلى يد الرئيس جمال عبد الناصر أثناء اجتماعه الأسبوعى بقادة التشكيلات بمقر القيادة العامة، وقد اهتم الرئيس بالفكرة المبتكرة، وأمر بتجربتها واستخدامها فى حالة نجاحها، وقد أجريت تجربة عملية عليها فى جزيرة البلاح، وقد لخص اللواء باقى الفكرة بقوله لقائده : «ربنا حط المشكلة وجنبها الحل يا فندم»، وبالفعل تم تجربة ذلك 300 مرة حتى تم إقرار الخطة فى يناير 1972، وكان المتوقع سقوط 20 ألف شهيد خلال العبور ولكن سقط 87 شهيداً فقط بعد نجاح قواتنا في فتح 60 ثغرة فى خط بارليف.



أصل الحكاية



فى أثناء خدمته بالقوات المسلحة فى أبريل 1964 طلبت إدارة السد العالى الاستعانة بالسيارات والمعدات الفنية من القوات المسلحة، فتم تشكيل مجموعة كان ضمن أفرادها المقدم مهندس «باقى زكى يوسف» وكان مسئولاً عن جراج الشرق الذى كان يضم 500 سيارة قلابة وعلى حد قوله : كنا نعمل 3 ورديات يومياً، وكان لدينا برامج صيانة وإصلاح ونقل، واستمر العمل حتى الخامس من يونيو 67 يوم النكسة.



لقد وصل العدو إلى شرق قناة السويس، وجاء الإسرائيليون بشركات أوروبية متخصصة لعمل ساتر ترابى يوضع بداخله خط بارليف، ويمتد من بورسعيد إلى السويس لبناء قلاع حصينة، ووضعوا قوات احتياطية فى عمق سيناء لصد أى هجوم لنا لاستعادة الأرض ليمنعوا المصريين من عبور القناة، ويفصلوا سيناء عن الضفة الغربية والقناة، ويردعوا أى أمل للمصريين لاستعادة الأرض، وفى 5 يونيو صدرت تعليمات بعودة كل الضباط المنتدبين لجهات مدنية فرجعت إلى الفرقة 19 غرب القناة فى نطاق الجيش الثالث.



الساتر الرهيب



يعود «زكي» إلى الوراء قائلا: كان يشدنى خلال عملى اليومى منظر الساتر الترابى الرهيب شرق القناة، بل كان يدور فى داخلى حديث متقطع : أنه لو كان هذا الساتر فى أسوان لما كان هذا شأنه مهما زاده العدو ارتفاعا وعمقا وتجهيزا، لأن مضخات التجريف ومدافع المياه كانت ستمزقه، واستمر هذا الحديث يتكرر ويعلو بداخلى مع علو ارتفاع الساتر وتطور العمل فى استكماله مع كل مرورى بالقرب منه وما أكثره، حيث كان عملى كرئيس لفرع المركبات يستلزم ذلك باستمرار.



وفى اليوم الموعود، يقول باقى يوسف : بعدما جاءت تعليمات للفرقة 19 للعبور والاقتحام تم عقد اجتماع لدراسة مشاكل الفرقة المنتظر مواجهتها أثناء عبور الساتر الترابى وحجم الصعوبات المتشابكة الجارى التعامل معها، فكان أمامنا وفقا للخلفية العسكرية فى الحروب السابقة كالحربين العالمية الأولى والثانية أن نقتحم هذا الخط الهائل «21 م ارتفاعا - 12م عرضا - وميل فى اتجاه القناة 80 درجة» بالوسائل التقليدية كالمفرقعات والمدفعيات المكثفة والصواريخ والقنابل والطائرات والطوربيدات «الينجالور»، وكان أقل زمن يستغرق لعبور خط بارليف بتلك البدائل السابقة من 12 إلى 15 ساعة وحتى 24 ساعة، والخسائر فى الأرواح قد تصل إلى ٪20 غير المصابين، ولفت نظرى كرئيس فرع مركبات الوقت الكبير الذى يستغرقه تحطيم الخط بدون تغطية للعساكر، وكذلك الخسائر والإصابات للعساكر التى قد تصل إلى 20 ألف شهيد، فاقترحت فكرة ضخ المياه على الساتر الترابى على المرحوم اللواء أ.ح/ سعد زغلول عبدالكريم خلال الاجتماع، ولخصت هذه الفكرة فى استخدام مياه القناة لتجريف الساتر الترابى وفتح ثغرات فيه كأحد البدائل الجارى دراسة استخدامها لفتح الثغرات جنبا إلى جنب مع ما هو مطروح من بدائل، واستطردت فى العرض قائلا: إنه يمكن على نحو مشابه لما تم فى السد العالى استخدام مضخات ذات ضغط عالٍ يتم تحميلها على زوارق خفيفة لسحب مياه القناة ودفعها بواسطة مدافع مياه على جسم الساتر، من قاع القناة على أن يتم مع استمرار تدفق المياه المندفعة فتح الثغرات بعمق الساتر وبالفرض المطلوب.



بساطة الفكرة



لأول وهلة شعر قائد التشكيل مع جميع قيادات التشكيل الحاضرين بالاجتماع ببساطة الفكرة والسهولة المتناهية الممكن تنفيذها، خصوصا إذا ما قورنت بحجم الإجراءات والمعدات والموارد اللازمة لتنفيذ البدائل الأخرى المطروحة، فسألنى قائد الفرقة عن احتمال نجاح الفكرة فأجبته: إن اعتمادنا على قانون نيوتن الثانى يجعل النتيجة مؤكدة، فسألنى عن الزمن فقلت: كلما زاد عدد الطلمبات الماصة الكابسة التى تضخ المياه من القناة إلى الكثبان الرملية قل الزمن، وسيتم ذلك بدون فقد فى الخراطيم وبقوة اندفاع تحرك الرمل فتنزل بوزنها، حيث سيتم توظيف قوة اندفاع المياه لتحريك الرمل.



300 تجربة



وعن تجربة الفكرة يقول اللواء باقى يوسف: قمنا بالتجربة فى حلوان من خلال طلمبة من السد العالى على ساتر ترابى تم عمله، فعبرت المياه الساتر فى 5,4 ساعات، ثم جربنا التجربة 300 مرة على أنواع من الأراضى المتنوعة وبطلمبات مختلفة من عدة دول مختلفة كإنجلترا وألمانيا، آخرها تم تنفيذه فى جزيرة البلاح داخل القناة المشابهة لساتر «خط بارليف»، وتم عبور المياه فى 3 ساعات وعدة دقائق، وصدر الأمر ببدء تنفيذ استخدام أسلوب التجريف فى فتح ثغرات الساتر الترابى فى يناير 1972 وبعد نجاح آخر تجربة لخطة تحطيم خط بارليف تم التصديق على أن يكون العبور من خلال أسلوب التجريف.



المهم فى النهاية أننا قد نجحنا نجاحا باهرا خلال المعركة وتحقق التالى :



- تم الانتهاء من فتح أول ثغرة فى الساتر الترابى الساعة السادسة من مساء يوم السادس من أكتوبر 1973.



- تم الإنتهاء من فتح 75 % من الممرات المستهدفة وقدرها (60) ممرا حوالى الساعة العاشرة من مساء يوم السادس من أكتوبر عام 1973. بعد إنهيار نحو 90 ألف متر مكعب من الرمال إلى قاع القناة .



- عبر أول لواء مدرع من معبر القرش شمال الإسماعيلية فى الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم السادس من أكتوبر عام 1973.



- قدرت كميات الرمال والاتربة التى انهارت من خط بارليف بنحو 2000 مترمكعب وهذا العمل يحتاج إلى نحو 500 رجل يعملون مدة 10 ساعات متواصلة.



عبرنا خط بارليف يوم النصر 6 أكتوبر «1973 »، يقول «زكى» مضيفا بدأنا الحرب الساعة 2 ظهرا وحتى السادسة لم نفتح سوى ثغرة واحدة، لكن حتى الساعة العاشرة تم فتح 60 ثغرة فنزل من الساتر الترابى 90 ألف متر مكعب رمل، وكان عدد الشهداء 87 شخصا فقط بدلا من 20 ألفا بالبدائل الأخرى وعبر القناة 80 ألف عسكرى عبر ثغرات خط بارليف ، وكانت الثغرات مثل الشرايين التى دخلت فى قلب أرض سيناء فأعطتها الدم والقوة، فخط بارليف تحطم والإسرائيليون تمت محاصرتهم وعادت القوات المسلحة إلى سيناء واتخذت القوات الرئيسية أماكن بشرق القناة وأبهرنا العالم بأسره.



فى آخر نهار يوم النصر قالوا إن هناك ثغرة بالفرقة السابعة تمثلت فى ميل الأرض بشكل كبير فقلت لهم سوف أحضر معكم، وكان شاويش عربة النجدة اسمه علي، وذهبنا إلى الفتحة فقال لي: رايح فين؟ قلت له: رايح النجدة، ثم مررت مع النجدة وكان الميل على الأرض صعبا جدا، وهذا الموقف كان من أحلى فترات حياتى حتى الآن، حيث وقفت داخل الثغرة السابعة صباحا يوم 7 أكتوبر، والمياه تفتح والإسرائيليون يطلقون علينا الرصاص كالمطر والحماية كانت من خلال جانب الثغرة، وكانت تلك أعز دقائق مرت بحياتى حيث شاهدت الثغرة تفتح تدريجيا.



تمجيد البطولات



على الرغم من كل ما مضى من بطولات أسطورية ينبغى أن تخلدها الدراما المصرية حتى يمكن أن يعيد ثقتنا بأنفسنا من ناحية، ومن ناحية أخرى نعزز من عزيمة جنودنا البواسل فى حربهم الحالية ضد الإرهاب ، لكن يبدو جليا ذلك القصور الكبير فى لوحة دراما «المسلسلات»، التى تبدو تخاصم فى جلها نفس البطولات العسكرية التى لا تزال تكتب ملاحمها اليومية، ولعل أبرزها حاليا يتجلى فى مكافحة الإرهاب، فضلا عن مجالات الخدمة المدنية، وعلى قدر علو شأن الجيش ومكانته على مستوى الأحداث والشخصيات، فى وقت تنمو فيها الدراما نموا مضطردا على مستوى الإنتاج والتقنيات التى تجسد أروع الأعمال التى تستلهم البطولات الأسطورية من رحم معارك الجيش، فلاتزال الدراما المصرية تغمض عينيها، وتغط فى وحل العنف والإسفاف والتردى الذى يخاصم طبيعة المجتمع المصرى بعد ثورتين ملهمتين أدى فيهما الجيش المصرى دورا بارزا فى العبور الثانى إلى شاطئ الأمان.



ومن هنا فإن تلك الأهمية القصوى للدراما التاريخية أو العسكرية مرشحة الآن أكثر من أى وقت مضى لأن تستخدم على نطاق واسع فى جهود بناء الهوية الوطنية والوعى العام والدعاية السياسية، كما كانت تفعل ذلك منذ وقت بعيد، حتى قبل ظهور الراديو والتليفزيون فى مختلف أنحاء العالم، وربما يرى البعض أن مشكلة الدراما التاريخية الآن هى أن قوتها تحولت إلى نقطة ضعفها الأساسية، فالانتشار الهائل الذى تحققه الدراما التاريخية للأحداث والشخصيات التى تعالجها بين مختلف الطبقات أصبح يمثل خطرا على حقائق التاريخ، لكن الأمر يبدو مختلفا إذا ما كانت تستند إلى بطولات عسكرية حقيقية، كما هى مسجلة بحروف من نور فى سجلات شرف جيش مصر على مستوى البطولات والأحداث والشخصيات التى ضربت أروع الأمثلة فى التضحية والفداء من أجل الوطن، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر الشهداء « إبراهيم الرفاعى – إبراهيم عبد التواب – سيد زكريا خليل» وغيرهم نماذج مشرفة فى سجلات الصاعقة والمدرعات والدفاع الجوى والبحرية والجوية، وأبرزهم اللواء مهندس باقى يوسف زكى موضوع حديثنا اليوم فى الذكرى 44 لانتصار أكتوبر العظيم.



الصحفيون مؤرخون



وفى هذا المقام يجدر بنا أن نقول إنه لابد أن يشارك الصحفيون المؤرخون وكتاب الدراما فى كتابة التاريخ الحقيقى للعسكرية المصرية، فأول نسخة من التاريخ تظهر على صفحات الصحف، ونادرا ما تصبح النسخة النهائية، فالروايات الصحفية للتاريخ تخضع فيما بعد لأعمال المؤرخين، ولكن ذلك لايعيب عمل الصحفيين الذين هم كما وصفهم «فيليب جراهام» ناشر «واشنطون بوست» بأنهم «مؤرخون على عجل»، وهو أمر منطقى جدا، فليس للتاريخ وجه واحد حتى لدى المؤرخين، وحقائق التاريخ ليست كثيرة وليست مؤكدة، ولكن القضية تظل مطروحة بشدة حين يجترئ على التاريخ من ليس مؤهلا للتعامل معه، ومن يفتقد الحس التاريخى ومن يلوى أعناق التاريخ طلبا لأهداف سياسية أو جماهيرية، خاصة فيما يتعلق بحقائق البطولات العسكرية على وجه التحديد، لأن الحقيقة المرة تشير إلى أن الدراما فى العالم العربى لا تكتب التاريخ بقدر من المسئولية، حتى فى ظل تناميها المضطرد واتساع رقعة التقنيات المستخدمة فى صناعة مشاهد مبهرة ، كما أن جموع الناس لا تكترث بالفروق بين مهام المؤرخين ووظيفة كتاب الدراما، والمحصلة النهائية أن الغالبية العظمى من الناس تميل إلى إدراك العالم التاريخى كما تصوره الدراما على أنه الواقع، غير عابئة بحقيقة أنه يختلف عن كثير من الحقائق التى تأتى بها كتابات المؤرخين، فالدراما طاغية وقادرة على إخضاع التاريخ لمقتضيات العمل الدرامى ومنطقها لا يقبل العكس.







ذكرى الأمجاد



أليس حريا بنا ونحن نعيش أجواء الذكرى ( 44 ) لانتصارات أكتوبر المجيد أن نلفت نظر صناع الدراما المصرية إلى النظر بعين الاهتمام بطولاتنا العسكرية التى تزين صفحات التاريخ المصرى القديم والحديث بأروع الأمثلة فى التضحية والفداء منذ فجر التاريخ كما هى مسجلة بحروف من نور فى «حرب التوحيد» فى أعقاب بناء الملك الفرعونى «زوسر» أول جيش نظامى فى التاريخ ، مرورا بمعركة «مجدو» فى عام 1468ق.م، فى عهد «تحتمس الثالث» أعظم ملوك مصر القديمة وأقدر قادتها العسكريين والسياسيين، معركة «قادش» بقيادة «رمسيس الثاني»، أشهر ملوك مصر على الإطلاق، ومؤسس الإمبراطورية الثانية فى تاريخ مصر القديمة، معركة «حطين» حين كانت مصر حصن المسلمين وقلعتهم، وأصبح جيشها درع وسيف الأمة الإسلامية، «معركة المنصورة» التى طردت الصليبيين من الشرق كله حين التحم فيها المقاتلون مع أفراد الشعب وأنزلوا بالفرنجة أبلغ الخسائر، بل وأخذ الملك لويس التاسع ملك فرنسا أسيراً،»عين جالوت» التى حسمت فيها شجاعة جيش المصريين وحكمة قادتهم المعركة، وانقشع غبارها على جثث معظم جيش التتار الذى ذاق طعم الهزيمة لأول مرة، «معركة كفر الدوار» التى استمات فيها أحمد عرابى مع جنوده ضد الإنجليز، ولم تستطع القوات البريطانية دخول مصر من جهة الغرب بعد احتلالها الاسكندرية، « معركة التل الكبير» التى قال عنها الجنرال «جارنت ولسلي» قائد القوات البريطانية: إن معركة التل الكبير كانت مثالا نموذحيا لمناورة تم التخطيط الجيد لها مسبقاً فى لندن وكان التنفيذ مطابقاً تماماً كما لو كان الأمر كله لعبة حرب، إلا أنه أردف أن المصريين «أبلوا بلاء حسناً» كما تشير خسائر الجيش البريطاني، «معركة المورة» باليونان 1824 م، حين كان جيش مصر هو قوة العثمانيين الضاربة فى المهام الصعبة، «معركة عكا 1831»، وفيها أعظم الحصون تفتح أبوابها أمام الجيش المصري، «معركة قونية 1832م» والتى كان فيها الجيش المصرى على أعتاب الآستانة.



ناهيك عن أعظم البطولات العربية فى التاريخ الحديث، حرب أكتوبر 1973والتى تستحق أن تلتفت لها عين الدراما، ومن قبلها حظى سجل حرب الاستنزاف، بالعديد من بطولات فردية وجماعية للقوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي، التى تستحق للاهتمام ، ففى أعقابها تجسدت أسطورة الجيش المصرى فى العبور العظيم، وتزخر صفحات التاريخ ببطولات لرجال مجهولين لم تسلط عليهم الأضواء بالقدر الواجب، لكن أدوارهم وبطولاتهم كان لها تأثير كبير فى مجرى التاريخ وتحولات الأحداث، ولم يعرف الناس عنهم الكثير إلا ربما بعد رحيلهم بسنوات عندما يتحدث عنهم المؤرخون المنصفون.