أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
قرنان من العلاقات المصرية الفرنسية ..التنوير والحضارة نقلا العلاقة من العداء إلى المشاركة والتعاون
15 أكتوبر 2016
> طارق الشيخ

تعد العلاقات المصرية الفرنسية نموذجا مثاليا حيا فى العلاقات الدولية للتحول التاريخى التدريجى من العداء العسكرى والاستعمارى إلى المشاركة والتعاون المشترك القائم على المنفعة المتبادلة على المستويين الحكومى والشعبى


عبر طيف متعدد من مسارات تحقيق أهداف السياسة الخارجية لكلتا الدولتين بداية من المسار العسكرى والاقتصادى والتجارى مرورا بالمسار العلمى والثقافى والفكرى والقانونى وصولا إلى المستوى اللغوى.



تلك العلاقات المتميزة ستكون محور مؤتمر بعنوان «قرنان من العلاقات الفرنسية المصرية : مصير وآفاق مشتركة» الذى تستضيفه وتنظمه مكتبة الإسكندرية ومركز الأنشطة الفرنكوفونية التابع لها تحت رعاية وزارتى الخارجية المصرية والفرنسية خلال يومى ١٧ و١٨ أكتوبر ٢٠١٦.



وكان من اللافت للانتباه أن الإعداد للمؤتمر بدأ منذ عام ٢٠١٤ وهو مايعبر عن ما للحدث من أهمية.



وتعود أهمية المؤتمر إلى ما تمثله العلاقات المصرية الفرنسية من نموذج مثالى ـ إن لم يكن الأفضل ـ يحتذى به على مستوى العلاقات الدولية.



فعلى غير المتوقع فإن محاولات التأريخ لبداية العلاقات المصرية الفرنسية بالحملة الفرنسية لغزو مصر (التى كانت ولاية عثمانية) عام 1798م تهمل جانبا مهما وحقيقيا من جذور تلك العلاقة الوطيدة بين البلدين اللذين حملا على مدار قرون ألوية التنوير والحضارة الإنسانية.



فخلال المرحلة الزمنية السابقة على الغزو الفرنسى لمصر فى عام 1798م تم تسجيل الوجود الاستطلاعى الفرنسى فى مصر. وكان الطابع الرئيسى لذلك التواجد هو تسجيل المشاهدات وتدوين الملاحظات المتعلقة بحالة مصر وشعبها وحكامها واقتصادها وتجارتها والفكر السائد فيها وكل جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية فيها.



وعلى الرغم من التأخر والظلام الذى ساد مصر فى تلك الفترة فإن العيون الفرنسية أدركت أن هذا التراجع والتأخر والمعاناة ليسا من سمات مصر وشعبها ولكنه جاء نتيجة ظروف استثنائية ـ مثل الغزو الفارسى أو الاستعمار العثمانى التركى ـ تنتهى بزوال أسبابها وإن طال أمدها.



فهناك سافارى الذى كتب واصفا حال مدينة الإسكندرية تحت الاحتلال العثمانى فى نهايات القرن الثامن عشر: «لقد خنقوا فى إمبراطوريتهم الشاسعة الفنون والعلوم والمدن والممالك».



ودون الدخول فى التفاصيل الدقيقة والمبهرة لتطور العلاقات المصرية الفرنسية تجب الإشارة إلى عدة مراحل أساسية اتسمت بها تلك العلاقة المميزة. فقد بدأت فرنسا فى الاهتمام بمصر لأغراض جيوسياسية وإستراتيجية عسكرية. ثم تم الانتقال إلى مرحلة الاتصال المباشر ببداية الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م. وخلال الأعوام منذ بداية الغزو وحتى الهزيمة والرحيل العسكرى تعرض المصريون والفرنسيون لصدمة حضارية هائلة.



ولدت الصدمة عند الطرف المصرى رغبة عارمة فى الانتقال إلى العالم المتحضر عبر البوابة الفرنسية، كما ولدت لدى الطرف الفرنسى حالة من الولع بالتاريخ والثقافة المصرية القديمة بعد أن تأكد الفرنسيون من عمق وثراء وعظمة الحضارة المصرية القديمة من خلال الاتصال المباشر والأبحاث العلمية التى بدأت أثناء الحملة وإستمرت حتى اليوم.



وفى المراحل التالية عاد الفرنسيون من علماء وخبراء وباحثين إلى مصر لاستكمال مشروعاتهم الحضارية التى كانت تصب فى خانة إحياء الحضارة المصرية والاستفادة منها فى دعم تيار التنوير الفرنسى فتحول الولع بالحضارة المصرية القديمة إلى ولع مصحوب بالتعلم والبحث لتحقيق الاستفادة. وبالتالى لم يكن من الغريب أن تأتى أول محاولة لإحياء مكتبة الإسكندرية عبر إعادة افتتاح «المجمع العلمى المصرى» فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر بمدينة الإسكندرية حيث انصب الاهتمام على التفكير فى إقامة مكتبة علمية شاملة لكل العلوم من خلال الدعوة إلى تلقى المساهمات والإهداءات ـ كتب ومخطوطات ـ القادمة من أنحاء أوروبا. وجدير بالذكر أن فرنسا عادت من جديد فى بدايات القرن الحادى والعشرين لتقوم بدور مؤثر وبناء، إلى جانب الدول والمؤسسات الدولية الصديقة لمصر، فى مجال تأسيس ودعم مكتبة الإسكندرية الجديدة.



وفى تلك المرحلة بدأت مصر طريق التعرف على والإستفادة من العلوم والثقافة الفرنسية بوصفهما البوابة الرئيسية للعالم المتحضر وقتها. وبالتالى لم يكن من الغريب أن تتحول اللغة الفرنسية إلى لغة للصفوة والعلماء والخبراء.



وبدأت مرحلة جديدة من العلاقات البينية بإقدام والى مصر وقتها محمد على باشا على الاستعانة بالخبراء الفرنسيين وبعلوم فرنسا فى النهوض بمصر. وكان تأسيس الجيش المصرى الحديث ومشروع قناة السويس خير شاهد على تلك المرحلة.



وخلال مراحل الصراع الإستعمارى للهيمنة الأوروبية على دول المنطقة العربية ظلت لفرنسا مكانة مميزة لدى المصريين. ويكفى أن يشار إلى أن اللغة الفرنسية ظلت موجودة وبقوة فى مصر على المستويين الرسمى والشعبى على الرغم من الاحتلال الإنجليزى للبلاد.



وفى مرحلة الصدام بين قوى التحرر من جانب والإستعمار القديم من جانب آخر خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين سادت الجفوة والقطيعة ولكن كانت الحضارة هى اليد القوية التى أعادت العلاقات من خلال المشاركة الفرنسية الفعالة فى حملة «اليونسكو» لإنقاذ آثار النوبة فى الستينيات. وبرهنت العلاقات الحضارية والثقافية أنهما أقوى وأعمق أثرا وأثقل وزنا فى العلاقات المصرية الفرنسية مقارنة بالسياسة.



وانتقلت العلاقات بعد نهاية مرحلة الجفوة إلى مستوى جديد إمتلأ بقوائم طويلة من المشروعات المشتركة وأوجه التعاون المتبادل المتعدد المستويات والمجالات.



واليوم تخوض العلاقات المصرية الفرنسية مرحلة جديدة حيث الأهداف والتحديات المشتركة.



فقد شهد العالم بوجه عام والمنطقة الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط تحديدا الكثير من التحديات الخطيرة التى تهدد أمن واستقرار الدول على جانبى البحر المتوسط.



إن ظواهر مثل الإرهاب، والتدفقات المتزايدة للهجرة غير المشروعة، والصراعات المسلحة، والتدهور الاقتصادى المفضى إلى الاضطرابات الاجتماعية والسياسية والأمنية، والتهديدات البيئية والآثار السلبية للتغيرات المناخية أصبحت جميعها مصادر تهديد وخطر مرتبطة فيما بينها وتهدد كل دول الإقليم وتمثل تحد حقيقى أمام خطط التنمية المستدامة فيه بشكل عام وفى كل من مصر وفرنسا على وجه الخصوص.



وبالتالى جاء ارتفاع مستوى التقارب المصرى الفرنسى المتعدد المجالات والمستويات فى تلك المرحلة تعبيرا عن رغبة مشتركة لدى قوى التنوير الحضارى الرئيسية فى المنطقة ـ مصر وفرنسا ـ فى تبديد ظلام قوى الشر وإرساء السلام والإستقرار والتنمية والتعاون البناء التى هى أساس كل حضارة وجدت على سطح الأرض.



وهكذا جاء دور مكتبة الإسكندرية بوصفها منارة للعلم والفكر والثقافة والحضارة وداعما أساسيا للتنمية المستدامة تحت قيادة العالم الدكتور إسماعيل سراج الدين، ودور مركز الأنشطة الفرانكوفونية ومديرته د.مروة الصحن، لاستعراض الآفاق المشتركة للتعاون بين مصر وفرنسا فى محاولة للدفع بالعلاقات البينية إلى المزيد من التعاون والمشاركات البناءة وهو ما يمثل جوهر التوظيف الإيجابى للقوة الناعمة فى تحقيق أهداف السياسة الخارجية.