أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
اجتهاد سينمائى يفتقد للمنطق:
«طيف» جيمس بوند..
قليل من التباهى كثير من الفضائح
20 نوفمبر 2015
بهاء الدين يوسف

حينما يتعلق الأمر بعميل لأحد أجهزة المخابرات الغربية فلا حدود يمكن الوقوف عندها فى تجاوز المنطق، هذه باختصار الرسالة التى يمكن الخروج بها من فيلم «طيف» أحدث أفلام العميل السرى البريطانى جيمس بوند أو 007 الذى بدأ عرضه العالمى فى السادس من نوفمبر الحالي.


الفيلم لا يختلف فى تفاصيله العامة عن بقية سلسلة العميل السرى الـ 23 فيلما السابقة منذ بدء عرضها فى خمسينات القرن الماضى وحتى الآن، حيث يتمتع بوند بقوة لا تضاهى وحيل لا يستطيع أحد مجاراتها، مثلما أن قدرته على تحمل الألم وتجاوزه فى وقت قياسى تفوق ما يمكن أن يتمتع به كائن بشرى عادي، وهى قدرات وهمية اعتدنا أن تتحفنا بها السينما العالمية من حين لآخر لتكريس تفوقهم النفسى علينا ووضعنا فى مواجهة مستمرة مع عجزنا.


صحيح أن دانيال كريج أحدث من جسد شخصية جيمس بوند تمتع بقدر مقنع من اللياقة البدنية يبرر له أداء مشاهد الأكشن، بعكس مثلا ما قدمه روجر مور حينما جسد نفس الشخصية فى سبعينات وثمانينات القرن الماضى فى عمر متقدم نسبيا، فكان اداؤه فى تلك المشاهد أكثر اثارة للضحك من اسماعيل يس فى سلسلة افلامه فى البحرية والجيش وخلافه.



لكن يبقى افتقاد المنطق أبرز ما يميز سلسلة جيمس بوند ربما منذ أن ابتكرها ايان فليمينج عام 1953 الذى كان نصف كاتب ونصف عميل، كنوع من التكريم لرجال المخابرات البريطانية، او لرد الثقة لدى البريطانيين فى أجهزة استخباراتهم وفى دولتهم بعد أن عانوا من فقدانها على إثر الأهوال التى عاشوها على أيدى الألمان خلال الحرب العالمية الثانية قبل أن يتحول مسار الحرب لمصلحتهم عقب تدخل امريكا وتعثر الألمان فى معركة ستالينجراد ضد الروس.



الأحداث غير المنطقية لن تتأخر فى فيلم «طيف» وإنما تبدأ فى المشهد الأول للفيلم الذى يعتبر واحدا من أكثر المشاهد الإبداعية فى سلسلة أفلام جيمس بوند، حيث يظهر العميل السرى بصحبة فتاة خلال مهرجان الموتى الشهير فى المكسيك، يستأذن منها لدقيقة لكن الوقت يطول بعدما يحاول قتل عميل لعصابة دولية فيدخل فى سلسلة من المغامرات تنتهى به يقود طائرة هليكوبتر بعد أن يتغلب على رجل العصابة وقائد الطائرة التابع له.



أبدع ما فى المشهد قدرة المخرج البريطانى سام مينديز الذى يقدم ثانى افلامه فى سلسلة جيمس بوند بعد «سكايفول» على التنقل السريع بين مشاهد الزوم والتوتالة لإبهار المشاهدين، وكذلك الموسيقى التصويرية لتوماس نيومان الذى رشح للأوسكار عن موسيقاه فى فيلم سكايفول قبل أن يفوز بجائزة بافتا أرفع جوائز السينما البريطانية عن نفس الفيلم.



قصة الفيلم تدور حول توجه جديد لدى الحكومة البريطانية بدمج المخابرات MI6 مع المخابرات الحربية MI5 وإلغاء قسم 00 الخاص بالجواسيس الخارقين الذى ينتمى له جيمس بوند.



يشرف على الدمج شاب صديق لوزير الداخلية يقدم مشروعا بديلا يطلق عليه العيون التسعة يقوم على التنسيق بين أجهزة مخابرات 9 دول فى تبادل المعلومات والتجسس على الحيوات الشخصية للمواطنين فى تلك الدول.



فى نفس الوقت يقتل جيمس بوند عميل العصابة الدولى استجابة لوصية المشرفة عليه فى جهاز الاستخبارات قبل مقتلها، ثم يتابع طريقه محاولا الوصول الى زعيم العصابة الذى يكتشف لاحقا أنه اخوه بالتبنى الذى اذيع خبر موته قبل 20 عاما.



يلتقى بوند برجال عصابات سبق أن واجههم فى أفلامه السابقة من أجل أن يقودوه الى زعيم العصابة ارنست ستافرو (كريستوفر والتز)، فيدله أحدهم على ابنته د. مادلين سوان (تجسد دورها ليا سيدو) التى يمكنها توصيله الى الرجل الأول فى العصابة.



يقع بوند ومادلين فى قبضة ستافرو الذى يخضعه لجلسة تعذيب قبل أن يقتله، لكنه ينجح فى الافلات (كالعادة)، ويعود إلى لندن ليكتشف أن الشاب المسئول عن دمج جهازى المخابرات والذى يلقب باسم «سي» يعمل لمصلحة ستافرو، وأن رغبته فى الغاء قسم الجواسيس الخارقين ليست سوى خدمة لرجل العصابات الذى يرغب فى السيطرة على العالم، وأن «سي» أعطاه صلاحية كاملة للولوج إلى مشروع العيون التسعة مما يعنى أن أسرار أكبر أجهزة المخابرات فى العالم ستكون بحوزته.



فى نهاية الفيلم يتمكن بوند من هزيمة ستافرو بينما تولى مديره فى المخابرات البريطانية الذى يحمل أسم «ام» توقيف مشروع العيون التسعة والقبض على «سي» وكشف خيانته، وتتاح الفرصة لجيمس بوند لقتل ستافرو والتخلص من ماضيهما المشترك نهائيا، لكنه يترفع عن الانتقام ويقرر الذهاب مع مادلين سوان بعدما أغرما ببعضهما لينتهى الفيلم بهذا المشهد.



لا يمكن انكار مهارة المخرج سام مينديز الذى سبق له الفوز بالأوسكار عن فيلمه الأشهر «الجمال الأمريكي»، ولا اجتهاد كتاب السيناريو الأربعة يتقدمهم الأمريكى جون لوجان الذى كتب فيلم بوند السابق «سكايفول» ورشح للأوسكار عدة مرات من قبل أبرزها عن سيناريو فيلم المصارع بطولة راسل كرو عام 2000، وسيناريو فيلم «الطيار» للنجم ليوناردو دى كابريو عام 2004.



لكن مهارة المخرج واجتهاد كتاب السيناريو لم يعفيا الفيلم من السذاجة وتوقع أحداثه بالرغم من كثافة مشاهد الأكشن فيه، حيث يمكن لأى طفل أن يتوقع انتصار جيمس بوند فى النهاية مهما كانت قوة خصمه، مثلما حدث فى مواجهته مع هينكس الخارق الذى ارسله ستافرو للتخلص من بوند، لكن الأخير يتفوق عليه رغم تقديمه باعتباره لا يقهر.



تحفظ آخر يتعلق بالجاذبية العاطفية المبهرة التى يصر صناع السلسلة على إلصاقها بجيمس بوند، فإذا كان منطقيا وقوع الدكتورة مادلين سوان فى غرامه نتيجة اقترابهما لفترة طويلة نسبيا من بعضهما، فإن الفيلم لم يقدم مبررا واحدا لوقوع النجمة مونيكا بيلوتشى التى أدت دورا قصيرا كأرملة رجل العصابات الذى قتله بوند فى المشهد الافتتاحى فى غرام العميل السرى البريطانى من أول لقاء بينهما.



كذلك تجلت السذاجة فى مشهد نجاة بوند من حفل التعذيب الذى أعده له ستافرو فى معمله السرى دون أسباب مقنعة، كما فى مشهد النهاية الذى يترفع فيه بوند عن الانتقام من خصمه الذى عذبه وآذاه طوال مشاهد الفيلم لا لشيء سوى إبراز القيم الأخلاقية التى تحكم عمل الجواسيس البريطانيين.



فى المقابل لا يخلو «طيف» من النقاط الايجابية على الأقل بالنسبة للعرب، منها ابرازه وجود خونة وعملاء داخل المخابرات البريطانية مثل «سي» الذى يصعد إلى قمة الهرم الوظيفى فى الجهاز بفضل صداقته بوزير الداخلية البريطانى وهو فى الحقيقة ليس سوى عميل هدفه تخريب الـ «MI6».



ومن الايجابيات أيضا تجسيد الفكر التأمرى لدى قادة أجهزة المخابرات الغربية حيث يخطط «سي» لسلسلة من الانفجارات الارهابية فى مدن جنوب افريقيا بعد أن رفض رئيس استخباراتها التصويت لمصلحة مشروع العيون التسعة، حتى يقنع الحكومة الجنوب إفريقية بأهمية التعاون معهم وهو ما ينجح فيه بالفعل.