أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
التقديرية لــ ناجى شاكر .. شاب عمره 83 عام:
معرضى الأخير أشبه بمسرح صغير يضم أحلامى المسرحية على مدار السنين
19 يونيو 2015
دينا قابيل

هناك نماذج نادرة من الفنانين ما أن يطرقوا مجالا حتى يتحول إلى ابداع صرف وفن خالص .. الفنان ناجي شاكر - الحاصل على جائزة الدولة التقديرية الأسبوع الماضى- رائد فن العرائس هو أحد هؤلاء. يقع في غرام العرائس فيشارك في انشاء مسرح العرائس بالقاهرة في 1959، ويصمم عرائس أوبريت الليلة الكبيرة فيحصل على جائزة التصميم في مهرجان بوخارست الدولي عام 1960،


 يعشق السينما منذ الطفولة المبكرة، وما أن يحصل على منحة دراسية لانجاز الدكتوراة في ديكور المسرح من روما حتى يذهب ليحقق حلمه في صناعة فيلم تجريبي بعنوان «صيف 70»، بالمشاركة مع زميله الايطالي باولو ايسايا، وبعد سنوات طويلة وتحديدا في 2010 يطلب متحف الفن الحديث بنيويورك ضم الفيلم ضمن مقتنياته بقسم الأفلام التجريبية، لم يكف ناجي شاكر أبدا عن دعم الفنانين هنا وهناك، ففي السينما، كانت له علامات مميزة في الملابس والديكور مثل فيلم شفيقة ومتولي لعلي بدرخان، وفي صناعة الأفيش السينمائي لمعظم أفلام يوسف شاهين، وفي المسرح عبر تصميماته للملابس والديكور للعديد من المسرحيات. أما في كلية الفنون الجميلة حيث لا يزال يعمل كاستاذ متفرغ، يتحلق حوله التلامذة والمريدون (مثل وليد طاهر وهنادي سليط وأمنية يحيى والممثل ماجد الكدواني)، فقد ساهم شاكر في تأسيس شعبة الفنون التعبيرية وهي تابعة لقسم الديكور بالكلية وتعني بالمسرح والسينما والتليفزيون، وكرمته كلية الفنون الجميلة في الاحتفال بمائة عام على انشاء الكلية من رواد الفن التشكيلي، لكنه لم يحصل إلى اليوم على تكريم الدولة أو على إحدى جوائزها، وهو الذي يكفيه عرائس أوبريت الليلة الكبيرة لتكريمه مرات ومرات.




 



واليوم يطل من خلال سنواته الثلاث وثمانين ليقدم لنا من معينه الذي لا ينضب معرضا فنيا أقيم منذ أسابيع في قاعة كلية الفنون الجميلة، بعنوان «حديث الضوء»، وهو مجموعة من الأعمال المركبة والفيديو يكثف من خلالها رؤية ورحلة طويلة ومميزة مع الاضاءة والسينوغرافيا المسرحية و«الخيال» بألف لام التعظيم.



 



لم يكن غريبا أن يفاجيء ناجي شاكر جمهوره وتلاميذه منذ أيام باقامة معرض فني يعطي فيه دورالبطولة للضوء، ويطلق على معرضه عنوان : حديث الضوء، فقد اعتاد دائما «صانع الماريونيت» أن يغامر ويبدع ويطرق آفاقا جديدة للتجريب الدائم واللامحدود.



 



فبمجرد أن تطأ قدمك ساحة العرض، وتسمع الموسيقى الروحية التي تلف فضاء المكان، تدرك أنك اجتزت ثقل العالم الواقعي لتحلق في آفاق الضوء واللون والموسيقى التي يقودها شاكر «بخيوطه» المحكمة.



 



يقدم الفنان من على قمة سنواته الثلاث وثمانين تجربة حداثية بامتياز، حيث مجموعة من الوحدات المستطيلة التي يتحقق فيها البعد الرابع من خلال التصوير والإضاءة والألوان، أشبه بلوحة فنية تتحرك بفعل الضوء وتتفاعل مع القطعة الموسيقية.



 



يعتبر شاكر هذه التجربة تكثيفا لولعه بالفنون المختلفة، وهو الذي برع في تصميم العرائس وتصميم الديكور والملابس بالمسرح والسينما فضلا عن أفيشات الأفلام السينمائية، ويوجز تناوله لهذه التجربة الفنية قائلا : «في هذا العمل المركب باشتغل على الموسيقى والدراما واللون والفكر والحالة الروحية، كما أن لدي أيضا متلقي تماما مثلما هو الحال في المسرح، لأنى دائما ما كنت أفضل أن أجلس وسط الناس في المسرح و أحس بانطباعاتهم٠»



فلطالما شغلته الإضاءة ليس فقط في مسرح العرائس (الليلة الكبيرة وحمار شهاب الدين وغيرهما) ولكن في المسرح بشكل عام، حيث تراءت إليه كعنصر للتحدي والتجريب في العديد من الأعمال المسرحية التي قام بعمل ديكوراتها وللوصول إلى حلول سينوغرافية تخصه (أي تنظيم فضاء الخشبة بما يناسب النص الدرامي).



 



كانت البداية مع الضوء والتفنن في التصميم في 1964، حين قدم شاكر ديكور مسرحية «مدينة الأحلام»، التي يصفها بأنها الأصل الأول لهذه التجربة، لذا يهدي معرضه حديث الضوء للفنان راجي عنايت الذي ساعده في جعل تجربة «مدينة الأحلام» حقيقة، كما يكتب في مطوية المعرض، وهي المسرحية التي اعتمد فيها على مسرح خيال الظل وعلى الإضاءة وعرضت في مهرجان بلغاريا بنجاح كبير ثم في مسرح العرائس بالقاهرة. «كنت دائما أحلم بعرض هذه الأعمال وحين تركت مسرح العرائس لم يكن هناك مكان يستوعبها، وكانت تلح علي دائما وقررت ان أحققها في معرض صغير كما لو كان مسرحا صغيرا يضم أحلامي المسرحية على مدار السنين».



 



كان الضوء بالنسبة إليه هو عالم الحلم الذي يبرع فيه، حتى في أحلك لحظات المسرح المصري، في السبعينات والثمانينات مع غلبة المسرح التجاري، استطاع ناجي شاكر أن يضع بصمته المميزة دائما. فيتذكر حين لجأوا اليه لإبداء الرأي في أحد مسارح الدولة وايجاد الحلول قبل العرض بفترة قصيرة، وكانت الديكورات ضعيفة والموارد فقيرة، فقام ناجي شاكر بعمل اضاءة تغير حالة المسرح تماما وتسمح بالانتقال بالمشهد من حالة الحرب الي حالة الحب مثلا في ثواني معدودة، فقط عبر الاضاءة . «كانت الفكرة هي التحكم في زوايا الظلال بحيث تصنع اضاءة ناعمة أو شقية أو مزلزلة أو غيرها، فالتشكيل من خلال الضوء يصنع الجو النفسي للمشهد و للمسرح، فالإضاءة تعطي اشارة الي حالة المكان وليس الي المكان بشكل مباشر» كما يحدد شاكر.



 



 في مكتبه بمنطقة سكنية هادئة بمدينة نصر، استقبلنا الفنان وروى عن بدايات الإنبهار بالضوء الذي تحول فيما بعد إلى ولع بالسينما أيضا، هناك في الطفولة البعيدة في حي الزيتون حين لبت أسرته دعوة أحد الجيران في السكن لمشاهدة فيلم سينمائي على الماكينة التي يقتنيها، سحرته الصورة وخطفت لبه الاضاءة، وحين شب كان يحلم بدراسة السينما ولم يكن معهد السينما قد تأسس بعد، وظل هذا الحلم يراوده حتى بعد أن تخرج في كلية الفنون الجميلة وقدم مشروع تخرجه في مسرح العرائس وسط دهشة اساتذته ، وسافر في بعثة تعليمية للحصول على درجة الدكتوراه من كلية الفنون الجميلة بروما في الفترة من 1968 إلى 1971، كان العصر الذهبي لمسرح العرائس قد بدأ يخبو، وتراجع الاهتمام به بعد نكسة 1967، وبعد أن كان شاكر من مؤسسى مسرح العرائس في مصر في عهد ثروت عكاشة وزير الثقافة الأشهر، وصمم عرائس وديكور مسرحية «الشاطر حسن» في 1959 وافتتح بها المسرح المصري للعرائس ، وصمم عرائس اوبريت الليلة الكبيرة والتي فازت بالجائزة الثانية في مهرجان بوخارست الدولي للعرائس في 1960 رغم أن عمر هذا المسرح في مصر لم يكن قد تجاوز العامين ، وتوالت عروضها ونجاحها الساحق ومن بعدها «حمار شهاب الدين» و«مدينة الأحلام»، بدأت محاولات لابعاد العرائس عن خشبة المسرح ليحل محلها مسرح بشري للأطفال.



 



التعلم والاصرار والتجريب بعد الهزيمة



 



كانت المنحة الدراسية إلى روما نوعا من تضميد الجراح، ولم ينس شاكر هناك أبدا ولعه القديم بالسينما، وبينما كان يدرس في كلية الفنون الجميلة، حرص على متابعة فصول المركز التجريبي للسينما بروما بشكل حر، وما أن برزت الفرصة، حتى بادر بصناعة فيلم تجريبي مع صديق ايطالي بعنوان «صيف 70».



 



لم يشارك شاكر في ثورة 68 التي اجتاحت أوروبا والتي قادها شباب حلموا بتغيير العالم، لكنه من خلال انكفائه مع صاحبه على صناعة فيلم صيف 70، بأكثر الأدوات بدائية ابتعنا مافيولا من البلاستيك لتركيب الفيلم») وأقلها تكلفة، قام بعمل ثورة من خلال الفيلم نفسه، على حد قوله. وبعد مرور 38 عاما من انتاج الشريط، طلب متحف الفن الحديث بنيويورك اقتناء صيف 70 في قسم الأفلام التجريبية وتم الاحتفاء بناجي شاكر وباولو ايسايا في 2010 بهذه المناسبة.



 



«كان صديقي يشرف على نشاط يعرض من خلاله الأفلام الحديثة جنبا إلى جنب مع الكلاسيكية، وكانت هذه الفترة بالنسبة لي أقرب إلى مدرسة للتعلم والمشاهدة، وكانت النقاشات تضم في بعض الأحيان المخرج الأشهر فلليني، وقررنا نقوم بعمل فيلم طويل، وأتينا بكاميرا 16 مللى ، واعتمدت الفكرة الرئيسية للفيلم على تداخل رؤية المخرجين، فاخترنا بطلة للعمل هي ممرضة تعمل بنيويورك جاءت إلى ايطاليا في رحلة للبحث عن جذورها، أي أنها أشبه بموديل يتناوله كل فنان من زاوية تخصه، فبينما كان هدفي هو اختبار لغة الصورة وقدرتها على التعبير دون الحاجة إلى حوار، كان باولو شديد الاهتمام بالقاء الضوء على مرحلة الطفولة ومدى تأثيرها على الشخصية. كان باولو ينظر إلى الماضي وكنت أرنو إلى المستقبل، لكننا لم نكن نحاول أن نعكس في الفيلم اللحظة الراهنة». قابل الفيلم العديد من العقبات المالية والتقنية في المونتاج والمؤثرات والموسيقى ولم ننتهى منه إلا في 1972، حين كان المخرج الكبير شادي عبد السلام صديق شاكر منشغلا في معامل روما لانجاز فيلم المومياء فقدم صديقه ناجي شاكر إلى رنزو روسلليني ابن روبرتو روسلليني واستطاع شاكر أن يتمتع بالامتيازات التي يقدمها ستوديو كبير يعني بالأفلام الثورية والمغايرة للمألوف.



 



 



 



أسطورة شفيقة ومتولي



 



حين عاد ناجي شاكر من روما، عرض عليه صديقه صلاح جاهين عمل الديكورات والملابس والاشراف الفني لفيلم شفيقة ومتولي، حيث شارك جاهين في السيناريو مع شوقي الحكيم فضلا عن كتابة الأشعار، واستغرق شاكر عامين كاملين لمرحلة تحضير الملابس والديكورات، بل وقام بإحلال وإعادة الديكورات نتيجة تغير المخرجين من بداية الرحلة عام 1973على يد المخرج سيد عيسى ثم يوسف شاهين ومن بعده علي بدرخان الذي أخرجه إلى النور في 1978، وحصل شاكر على جائزة المهرجان القومي للسينما عن الاشراف الفني وتصميم الملابس والديكور للفيلم. حيث يوضح الناقد السينمائي سامي السلاموني دور الاشراف الفني، في كتيب المعرض الاستعادي لأعمال ناجي شاكر، ووظيفته التي يتقاسمها مع المخرج في «اختيار المواقع والديكورات والاكسسوار وزوايا التصوير والألوان وتصميم الملابس، وهنا يظهر دور الفنان ناجي شاكر واضحا في خلق عناصر صورة متناسقة ومتكاملة شديدة الجمال والتعبير عن الموضوع في الوقت نفسه».



 



يسترجع الفنان ذكريات هذه التجربة الفريدة، رغم الجهود المضاعفة التي بذلها في بناء وهدم الديكورات ومشهد المولد وغيره مما تم تغييره «كانت الكتابة والحوار والأغاني رائعة، وكانت فرصة للتعرف على سعاد حسني عن قرب والتي كانت شديدة التواضع. وأذكر أن كانت هناك إحدى الملابس التي صممتها لدور شفيقة جلابية فضفاضة وباروكة، ولم تيستهو سعاد حسني هذه الملابس وقالت لي انت عايزني ألبس جلابية تتسع لثلاثة سعاد حسني وكمان باروكة مهوشة الشعر ؟! تحدثت معها حول شفيقة الفتاة الثائرة المتمردة والتي حاولت أن أعبر عن هذه الروح بداخلها، ونصحت سعاد بأن تجرب الجلابية لمدة أسبوع وتتعايش مع الشخصية بملبسها، وبالفعل اقتنعت في النهاية».



 



 



 



حينما توافرت ارادة الدولة



 



وماذا عن مسرح العرائس اليوم؟ يحمل ناجي شاكر هذه المرارة في نفسه منذ سنوات تدهور وتراجع هذا المسرح الذي ساهم هو نفسه في تأسيسه، هو صاحب الليلية الكبيرة والشاطر حسن وحمار شهاب الدين. وفي أمسية احتفالية أقيمت لشاكر مؤخرا بمركز دال لأبحاث الاعلام، تسأله فتاة عن أسباب عزوفه عن مسرح العرائس، فيتجاوز صانع العرائس السؤال وقد ملأه الأسى، لكنه سرعان ما يتدفق في الحديث عن الجيل الجديد في السينما المستقلة والمسرح وعن رهانه على هؤلاء الذين يكتشفهم كل يوم في محيط عمله بكلية الفنون الجميلة. « في أواخر عصر مبارك لم تعد للفنون الدور الذي كانت تلعبه فيما قبل، هناك العديد من خريجي الفنون الجميلة يختارون مجال العرائس في مشروعات تخرجهم، لكنهم لا يجدون مناخا مساعدا على تدريبهم. لكني أرى اليوم في المسرح والسينما عشرات الفرق والمخرجين الذين يعملون على حسابهم الخاص ويخوضون غمار الأفلام قليلة التكلفة». يروي لنا وقد بدا عليه اجهاد اليوم أنه حرص على تمضية نهاره في زيارة إحدى المدارس الخاصة في 6 اكتوبر قامت فيها مدرسة ابتدائي (وهي إحدى طالباته تتلمذت على يديه بجامعة حلوان) بصناعة عرائس الليلة الكبيرة بشكل بسيط مع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و11 سنة والتدريب الأولي على تحريك العرائس وكانت النتيجة مبهرة لصاحب الليلة الكبيرة. لا يفقد شاكر تفاؤله أبدا أو رهانه على الجيل الجديد، لكنه يدرك تماما أن الأمر يتوقف على دور الدولة بشكل كبير، فيتذكر في العام 1960 حين كان نجاح أوبريت الليلة الكبيرة مدويا وحصلت على جائزة مهرجان بوخارست، عاد من رحلته متأثرا بالتجربة وبهذه المدينة التي تزخر بثلاثة مسارح عرائس، وكان يرى أهمية وجود مسرح عرائس بالقاهرة، فذهب مع صديقه صلاح جاهين وتوجها للقاء ثروت عكاشة وزير الثقافة آنذاك الذي يرجع له الفضل في تأسيس الثقافة الجماهيرية وأكاديمية الفنون. «قدمنا إلى الوزير مذكرة متكاملة تضم الرسم الهندسي لمسرح العرائس وأمر بتشكيل لجنة في خلال شهر ونصف، وتطور المشروع سريعا في النصف الثاني من عام 1961، وفي 1963 دخلنا مسرح القاهرة للعرائس، ورغم أن الدولة لم تكن منتعشة اقتصاديا، لكن المشروع تكلف وقتذاك 110 ألف جنيه». يشير شاكر دائما لهذا المناخ العام المرحب بالفنون الذي كان سائدا في الستينات حينما كانت الفرق المسرحية تقدم مسرحية كل شهر، وكان المسرح ممثلا لكل فئات الشعب، وكان هناك اهتمام نقدي واسع بالفن والمسرح، فيتذكر شاكر أيضا حينما كرس الكاتب الكبير الحسين فوزي صفحة كاملة من جريدة الأهرام لتقييم مسرحية مدينة الأحلام التي كانت من ابداع شباب تلك المرحلة.



 



ومع ذلك يؤمن ناجي شاكر أن المسرح، البشري أو مسرح العرائس، لا يمكن أن يتوقف «لأن الناس ستظل حريصة على التواجد في حيز المسرح ووستظل في حاجة إلى اللقاء والتواصل مع بعضها البعض».