أحمد السيد النجار
محمد عبد الهادي علام
الفـكر النقدى والالتزام الإنسـانى فى مسرح سعد الله ونوس
26 مايو 2015
نبيل فرج

اهتمت الحركة المسرحية في بلادنا، في نهضة الستينيات الماضية، بتقديم الكتاب العرب علي مسارح الدولة، جنبا إلي جنب الكتاب المصريين، ومايقال عن المسرح ينطبق بنصه علي الفنون الأخري.



وإذا كانت مصر في نهضتنا الثقافية الحديثة أسبق من سائر الأقطار العربية، فلا شك أنها انتفعت من تجارب هذه الأقطار، في التأليف والإخراج والتمثيل سواء من جيل الرواد، أو من الأجيال التالية.



في مقدمة هؤلاء الكتاب العرب، الذين اهتمت بهم حياتنا المسرحية، وتفاعلت معهم، الكاتب السوري سعد الله ونوس 1914/ 1997. الذي يعد من اعلام المسرح العربي، وأكثرهم ارتباطا بالانشطة الإنسانية وتيار التنوير.



ولذلك لم يكن غريبا ان تختاره اليونسكو 1996 ، من بين كل المسرحيين العرب، لكتابة رسالة يوم المسرح العالمي، التي تلقي بكل اللغات من فوق المسارح في 27 مارس من كل سنة، ولا كان غريبا أن يرشحه مجمع دمشق في 1997 لجائزة نوبل التي تمنحها الأكاديمية الملكية السويدية، ولولا رحيله لكان من المحتمل فوزه بها.ولأن أعمال هذا الجيل من المبدعين في مصر والوطن العربي لم تكن صفحة وانطوت، وإنما كانت ظاهرة حضارية مركبة، لاتزال قادرة علي الإلهام، تعرض فرقة أسيوط المسرحية، بعد سنوات طويلة من التوقف، مسرحية« الفيل ياملك الزمان»، التي تعتبر،، ككل مسرحياته، من قمم المسرح العربي في العصر الحديث، التي تقدم اطروحتها في حدها الأقصي.



ومسرح سعد الله ونوس مسرح جدلي، يقوم علي عدة محاور. نشاهد فيه بوضوح تحطم الابنية الخربة، والمعتقدات البالية التي شكلها الماضي، من خلال رفض أو تمرد الأفراد والمجتمع علي قوي القمع والتخلف والاستغلال، حتي تعيش الأمة حاضرها ومستقبلها في ظل الفكر النقدي، والالتزام الإنساني.



وهذه هي الحقيقة التي كرس سعد الله ونوس حياته للتعبير عنها في مسرحه المحكوم بالأمل، الذي تنتفي فيه الحدود بين السياسة والفن، وتندمج فيه المشاهد مع الممثل والمتفرج، في تكوين جمالي واحد. أو في أمثولة واحدة، لاتنفصل فيها المنصة عن الجمهور ، كما نجد في أشكال المسارح الشعبية التي تلغي الستارة، أو في صيحات الفن الأوروبي الحديث، التي لم تتسطح أو تتفكك، ولم تفقد خصائصها.



الجمالية، وطاقتها الإبداعية والحقيقة التي يسعي إليها مسرحه هي ما نهتدي إليه بالبحث والثورة، والمسرح جزء منها، وتتعدد فيها الآراء، ويدور الحوار الديمقراطي علي كل المستويات ولا تقوم علي الرأي الواحد الذي تفرضه السلطة، وتحول دون الخروج علي التقاليد.



ويكشف مسرحه فيما يكشف ما تنطوي عليه حكمة العلماء ومنطق الفقهاء والوجهاء من خلط وخداع، في الأيام العادية وزمن الخطر، الذي تتعرض فيه البلاد للاضمحلال والإبادة، خاصة إذا كان هذا الفريق المعادي للتقدم ممن شاركوا في صنع هذا الخطر، وهيأوا المناخ لهذه الإبادة.



ولكن يقابل هذا الفريق في محن الوطن وتحولاته الشباب الذي يتفق في موقفه الصحيح، وفي تفتح وعيه، مع موقف الطبقات الشعبية والجماهير العريضة التي تتطلع للثورة والتغيير والتحديث، وتتحرك في تناقض تام مع هؤلاء العلماء والفقهاء والوجهاء، الذين يتشبثون بالتمسك بالماضي، ويعملون علي تحويل الدنيا إلي سوق تجاري يباع ويشتري فيه كل شيء، حتي لو كان من الميراث الحضاري الذي لا يقدر بثمن، تحقيقا للمصالح الذاتية للمتاجرين الذين لا يتورعون عن تسليم أوطانهم لأعدائه، وهم يدعون انهم يقومون بحمايته، في عالم عبثي يقسم فيه النعيم للأشرار ويبتلي فيه الأبرار بالمصاعب والعذاب. أما بالنسبة لنظم الحكم المطلقة التي تخضع الإبداع وتقمع المبدعين، فانها قد تسمح بالخيال، ولكنها تمنع أن يتحول هذا الخيال إلي واقع، وتسمح للأحلام أن تطير كيف شاءت، بشرط أن تبقي كلمات متفرقة، هائمة في الفضاء لا تتجمع أو تترجم إلي فعل.